يكشف البحث في الرواية السعودية الجديدة عن خصوصية سردية، وعن شغف بالتمرد على ما هو تاريخي، وما هو نمطي، إذ تبدو مغامرة البحث وكأنها مساءلة ثقافية، وحفر في نسق المخفي والمسكوت عنه، لاسيما في سرديات الجندر والجسد والهوية، وهذه بطبيعتها موضوعات إشكالية، لها أسئلتها في مقاربة “الشخصية السعودية” في تاريخها الثقافي، وفي تحولاتها، وفي ما يتبدّى من تشظي بعض مركزياتها العائلية والاجتماعية والهوياتية، إذ يتحول البحث عن الذات المتعالية، إلى ما يشبه الحفر في تابوات الاجتماع والجنس والسيرة، مثلما تكشف عن تبديات وإحالات نفسية تتمظهر فيها تشهيات التعويض والإشباع، والتوق إلى المفارقة مع الذات، ومع الآخر البطرياركي أو التاريخي.
في رواية “ابنة ليليت” للروائي السعودي أحمد السماري، الصادرة عن منشورات رامينا – لندن 2024 تحضر “المرأة” – الشخصية الرئيسية – ليس بوصفها موضوعا جنسيا، بل بوصفها فاعلا سيميائيا، له وظيفته في الكشف عن تمثيل ازمة الجندر والهوية والجسد، وله حمولته الرمزية في تلمّس تعقيدات النظام الاجتماعي ذي الطابع الفحولي، الذي يجد فيه الروائي مجالا سرديا لمقاربة محنة بطلته، في وعيها القلق، وفي تشظي هويتها، وفي علاقتها بالشخصيات الأخرى – الأب، الأم، الأخ الكبير، الإبنة، العشيق والزوج” وهي علاقات مضطربة ومسكونة بالتحدي والتشويق، فتبرز شخصيتها المتحولة وما تعيشه من استلاب وجودي عبر تحولها إلى شخصية متمردة تواجه تداعيات صراعها الرمزي مع الأخ/ رمز الأب الغائب، ومع البيئة التي تفرض عليها نوعا من الاغتراب الهوياتي، وعلى نحو يجعل بحثها عن الهوية نظيرا لبحثها عن وجودها في الوظيفة المتعالية، وفي هجرتها وعلاقتها الحرة مع الآخر.
استعارة قناع “ليليت” الميثولوجي، هو استعارة لرمزية التمرد على السلطة/ الأخ/ المكان، حيث تكشف جواهر ابنة الشيخ دعيج من زوجته الهندية عن السري في أزمتها الشخصية، بوصفها أزمة جندرية وهوياتية، والتي تنعكس على طبيعة علاقتها بالعائلة، فالأم التي تعيش عقدة هويتها الغائبة، تجد في تمرد الإبنة نوعا من التعويض، فتساعدها على الخروج عن الطاعة، والذهاب إلى خيارها الشخصي كطبيبة، بعيدا عن الخضوع إلى النمط العائلي الذي يفرض سلطته عبر اختيار قسري للعمل “معلمة” بوصفه ترميزا لقتل الذات، ولتمثيل استلابها في الوجود والوظيفة، وفي علاقتها النكوصية كـ”تابع” إلى العائلة والأخ.
لا يبدو تمرد الإبنة “جواهر” محدودا في رفضها للطاعة، بل يتحول إلى قوة رمزية للخلاص، ولمواجهة وجودية تحمل في شيفرتها، تمثيلا للوعي الشرس، ولتقويض ذاكرتها عن اغتراب الأم، وتعويض هويتها المستلبة، فيتحول تمردها على المكان الأبوي، وعلى الوظيفة العائلية، إلى رغبة استيهامية في اصطناع مكان ضدي، مكان تعويضي عن “الدوستوبيا” العائلية، حيث لا يكون في السفر فيه إلى أمريكا هروبا، بل هو خيار وبحث عن وجود متعال، وعن حرية لا تخص البحث عن الوظيفة، بل تخص تحرر الذات من عقدتها، ومن طبيعة علاقتها بالآخر، على مستوى الكشف عن الهوية المفارقة، أو على مستوى الجنس، وحتى على مستوى الإنجاب، فتكون الإبنة “باميلا” هي تمثيل مركب للتشظي الهوياتي، ولإيقاظ فكرة “المقموع والمسكوت عنه” من خلال تفجير مكبوتات الجسد، إذ يكتسب الجسد بعدا سيميائيا في ثنائية التمرد والإخصاب، فالأولى تعني الانقطاع عن النمط ومفارقته، والثانية تعني البحث عن الإشباع التعويضي في تمثّلِ جسدٍ آخر، جسد حر يختار إخصابه عبر العلاقة مع “المكسيكي” لتكون ولادة الابنة “باميلا” استمرارا في التشظي الداخلي لرمزية أسطورة ليليت، وكأنه متوالية تتسردن عبرها تشظيات الهوية..
الهوية والجندر والسلطة
ما تعمد إليه الرواية ينزاح باتجاه مقاربة الشخصية المأزومة، إذ تتحول إلى براديغم صاخب يكشف مخفيات الأنساق المضمرة في المجتمع المحافظ، حيث المعيش والعادات والهيمنات، مثلما يكشف عن رهاب هويتها بوصفها جزءا مقموعا من سرديات الجندر، إذ تشكل تمثلاتها إجراء في إبراز علاقة الشخصية بمشكلات الجنس الاجتماعي، وفي انعكاسها على مظاهر تغيّر تلك الشخصية، في صراعها الداخلي، وفي مواجهتها لعالم ما بعد سلطة الأب، حيث يحضر الأخ الشهواني الذي يحاول الاستحواذ على الجسد بوصفه الحقوقي، وحيث تتبدى اغتراب هوية الأم الهندية والبنت “الهجينة” عبر تمثل جسدها الأضحوي، حيث يبدو حضوره تمثيلا صاخبا لشهوة البحث عن الهوية، فيكون اختيار مهنة الطب تعبيرا عن تقويض الهيمنة، وعن اصطناع قيمة متعالية للذات، مثلما تكون الهجرة إلى الولايات المتحدة، نزوعا للتمرد على الاستلاب والذاكرة، وتوقا للانغمار التعويضي في فكرة الخلاص الرمزي، وفي استيهام الإشباع في الجنس والحرية، وفي العلاقة مع الآخر.
سردية البحث عن الذات الواقعية، ليست بعيدة عن التمثلات السردية للشخصية ولتحولاتها، إذ يتحول قناع أسطورة ليليت إلى أداة لتقويض الواقع والتاريخ والسلطة، والى تحويل لعبة السرد إلى “عين رائية” تتأسطر بطولتها، عبر نمو قوتها الشخصية والمهنية، وعبر ما ترصده من تحولات في عالمها الجديد، فرغم أنها لا تجد فيه إشباعا حقيقيا، إلّا أنه يمثل تطهيرا لشخصيتها الأضحوية المأزومة..
المدينة الأمريكية التي تعيش فيها جواهر ليست مدينة بريئة، فتعيش معها إحساسا يساكنه الرعب الدوستوبي، حيث ترصد ما فيها من مظاهر العنف والجريمة والاغتصاب، وهي وقائع جعلتها تعيد إنتاج “لاوعيها” العالق بأزمتها الشخصية، حيث التناظر بين هيمنة الأخ، وهيمنة أزمة الواقع الجديد، وهذا ما يجعلها تعيش التشظي بين رهاب ذاتها المهاجرة، وحساسيتها إزاء فكرة اللاانتماء والعنف الداخلي، حيث تبرز علامات صراعها العميق مع ذاتها الشرقية، ومع قضايا إشكالية تخص الحرية والعذرية والعنف الجنسي، فضلا عن ما يتداعى من محنتها في السيرة العائلية، وفي رهاب التفكك الأسري والتشظي الهوياتي.
الرواية وسرديات التوازي
تبرز اشتغالات السيمياء السردية في الرواية عبر توظيف تقانة التوازي، إذ تتحول ثنائياتها المتوازية إلى فواعل سردية توجّه مسار الأحداث، وتكشف عما هو عميق في مصائر شخصياتها وصراعاتها، فتوازي الهويات “سعودية – هندية” يشكل الإرهاص الأول الذي يقود إلى اصطناع توازيات متوالية أكثر عنفا، حيث المكان العائلي والمكان المهاجر/ الولايات المتحدة، بوصفه مكانا دوستوبيا لم تطق البقاء فيه “ألقيت نظرتي الأخيرة على نيويورك من نافذة الطائرة وفي داخلي مشاعر مختلطة من الحب والكره والإعجاب والسخط والعظمة والانحطاط والطموح والخيبة”.
وحيث ثنائية الصراع بين خياري وظيفة المعلمة/ خيار العائلة، ووظيفة الطبيبة/ خيار الشخصية، وحيث الاسم جواهر/ جورجيت، والابنة كاميلا، وهي تسميات تكشف عن التحول، وعن الحمولة الأنثروبولوجية لذلك التحول، فضلا عما يتداعى من الثنائيات الداخلية التي تتمثلها شخصية الطبيبة جواهر، مقابل شخصية العشيق/ الزوج كاستلو المتردد والكسول في الحب وفي وعي علاقته بها، وحيث علاقتها مع الأخ ونظرته الاستحواذية، مقابل علاقتها مع الآخر الشائه، وحيث وعيها المتعالي لذاتها مقابل اغترابها إزاء واقع فاجع يعمل على استلابها عبر سلطة الأخ.
البطلة الموازية الأخرى هي الابنة “كاميلا” التي تعيش محنتها الشخصية وسط تراكم التشظي الهوياتي والهجرة والضياع، ووسط الفقد العائلي، فتجد في أزمتها الداخلية تمثيلا للأجيال الجديدة التي تواجه محنة هذا الصراع، فرغم أنها تعيش في “الغرب” عبر تعدد هويات تشكّلها الجيني، إلا أن صوتها كقناع سردي يكشف عما هو مشوه وشائه في” النسق المضمر” لوجودها، وفي لا انتمائه الرث، حيث يكون الضياع في المدن وفي الكينونات والهويات التي تشبه الجحيم، نظيرا للقلق الذي عاشته امها والتي تكون هي الأكثر قربا لأسطورة “ليليت” في تمردها ورفضها، فتقرر العودة إلى وطنها القديم، لكن بهوية أمريكية، وكأنها تضع هذه العودة في خيار يتوازن فيه العلم/ الطب الذي تعيشه كمجال تعويضي، مع الهوية التي تستعيدها عبر التماهي التعويضي الاستعادي مع المكان القديم، بوصفها نظيرا استعاريا للمكان اليوتوبي الطهراني الذي ظل يساكنها، لكنها تخفيه عبر تمثل وجودها المتعالي في العلم والإشباع والخلاص من عقدة الاغتراب، لتظل الابنة كاميلا هي التمثيل السردي لفكرة الضحية، أو الشخصية المضمرة التي تهجس بوجود الاغتراب، وبالصراع الذي يعرّي أزمة الهويات المقتولة.
مقاربة سردية التشظي أعطى للرواية بُعدا نقديا، هو الأقرب لوضع أزمة الشخصيات وأزمة المصائر في سياق قراءات مفتوحة، تترك أسئلتها، أكثر مما توحي بإجاباتها، وقد تعيدنا إلى الفكرة ذاتها التي سبق أن طرحها الطيب صالح في روايته “موسم الهجرة إلى الشمال” حول ثنائية الصراع بين “المجتمع الشرقي والمجتمع الغربي” لكن معالجة أحمد السماري بدت أكثر واقعية، وبعيدة عن استيهامات الشرق الفحولي، والغرب الجنسي، وقريبة من محنة الهوية التي يفضح تشظيها عن عيوب عميقة، اجتماعيا وثقافيا، فتجد في أزمة الشخصية تمثلها الوجودي والإنساني، مثلما تجد في تموضعها القلق في مكانٍ اغترابي كشفا لخوائها الداخلي، ولهشاشتها في مواجهة الغرب الذي يملك شهوة الاستحواذ، و”محو الأدلة” و”عذرية الجسد” والمكوث غير المحمي في المدينة الطاغية/ نيويورك أنموذجا..
٭ كاتب عراقي