كان ـ «القدس العربي»: أصبح طرح قضايا التطرف الإسلامي والتشدد والجنوح نحو الإرهاب يكاد أن يكون قاسما مشتركا في المهرجانات السينمائية الكبرى، فلا يكاد يخلو مهرجان منها في تظاهرة من تظاهراته. وفي مهرجان كان في دورته الثانية والسبعين، التي أسدل الستار عنها منذ أربعة أيام، شارك في المسابقة فيلم «أحمد الصبي» للأخوين البلجيكيين جون بيير ولوك داردين، وحصلا عنه على جائزة الإخراج في المهرجان.

جاء الأخوان داردين إلى مهرجان كان مسبوقين بسجل طويل من المشاركة والفوز في المهرجان، فهذه مشاركتهما الثامنة في المهرجان، كما أنهما توجا بالسعفة الذهبية مرتين، عن فيلميهما «روزيتا» (1999) و«الطفل» (2005)، وفازا بالجائزة الكبرى للمهرجان عن فيلمهما «الطفل صاحب الدراجة» (2011)، وجائزة السيناريو عن «صمت لورنا» (2008).
ولطالما مثلت مصائر الصغار ومن يقاربون الدخول في مرحلة الشباب والضغوط التي يتعرضون لها، والتي تدفعهم لاتخاذ قرارات يائسة، هاجسا للأخوين داردين، ولطالما تعاملا مع هؤلاء الصبية والتحديات التي يواجهانها بإنسانية كبيرة وبحساسية وفهم بالغين، ولهذا حين تناولا في «أحمد الصبي» جنوح صبي نحو التطرف والإرهاب، حدتنا الآمال أن يتعاملا مع هذه القضية بتعمقهما الإنساني المعتاد. يبدأ الفيلم وقد انجرف الصبي أحمد، الذي لا يوضح الفيلم أصوله، ولكنه يبدو من أصول مغاربية، بالفعل صوب التطرف والإرهاب. يبدو بالغ التأثر بإمامه في المسجد وبابن عمه، الذي قُتل في سوريا. يعتبر الإمام وأحمد ابن العمومة ذاك الذي قضى في سوريا شهيدا وقدوة يجب أن يحتذي بها أحمد. كما يبدو أحمد رافضا لكل ما هو علماني، من معلمته في المدرسة ذات الأصول العربية، التي ينظر إليها على أنها مرتدة كافرة، لأنها تعلم العربية باستخدام الأغاني وليس باستخدام القرآن. ويبدو أيضا رافضا لأمه ولأخته لأنهما لا تتقيدان بما يعتقد أنه الزي الإسلامي والسلوك القويم للمسلمات، بل إن أحمد تجاوز مرحلة التطرف النظري، وانجرف إلى الإرهاب والتخطيط لعمل يراه جهاديا ودفاعا عن الدين. لكن طرح الأخوين داردين لتطرف أحمد، الذي لا يزيد عمره عن نحو الرابعة عشرة، لا يتعدى المظهريات، ولا ينفذ إلى أعماقه وعقله، ولا إلى الأسباب الجوهرية التي دفعته إلى التشدد.
نحاول أن نصل إلى الجوهر فلا نجده، ولا نجد إلا مظاهر تشدده. أتراه مثلا يفتقر إلى القدوة والأب، فوجدهما في إمام المسجد؟ لا نرى والد أحمد قط في الفيلم، ولا يقدم الفيلم تفسيرا لغيابه، فهل هذا الغياب هو سبب تطرف أحمد؟
لا يخضع الأخوان داردين قضية انجراف أحمد للتطرف والإرهاب وأسبابها للدراسة أو التأمل اللازمين. تصبح أفعاله المتزايدة التطرف مجرد أحداث غير معللة.
هل جاء تطرف أحمد نتيجة لتمرد فترة المراهقة؟ هل يرفض بتمرده الأطر والأسس التي تربى عليها في المجتمع الغربي؟ أسئلة لا يقدم لها المخرجان إجابة شافية. يبدو لنا كما لو أن أحمد تتنازعه رغبات جسده الذي بدأ الدخول في طور الرغبة ونوازعه الدينية المستقاة من إمامه. بعد قبلة تبادلها مع ابنة صاحب المزرعة التي أودعته السلطات فيها، في محاولة لتقويم سلوكه وإبعاده عن التطرف، نجده عازما على المضي قدما في تشدده.
طرح الأخوين داردين للتطرف يبلغ ذروة سطحيته وسذاجته مع المشاهد الختامية للفيلم. محاولة هرب ومطاردة وإصرار من قبل أحمد على «الجهاد» والقصاص ممن تمثل له الكفر والعلمانية. ولكن فجاة وبدون مبرر عقلاني وفكري يحيد أحمد عن قراره المصيري. يبدو كما لو أن المخرجين أردا أن ينهيا الفيلم بجرعة تفاؤلية وبتحقق للخلاص والنجاة من التطرف، فأنهيا الفيلم كيفما اتفق بكلمات تنم عن الندم والعودة لجادة الصواب. كيف يمكن لصاحب قناعة دينية متطرفة ومن تشرب من إمامه ضرورة الجهاد، أن ينسى فجأة هذه القناعات ويطلب الصفح؟ وكيف لمن كانت منذ لحظات عازما على القتل أن يتخلى عن عزمه بلا مبرر واضح؟ نهاية فيها من التسطيح الكثير، من مخرجين كبيرين.