أحمد المديني في عمله النقدي الجديد: يدرس تحولات الرواية العربية

حجم الخط
0

رشاد ابوشاورالناقد المغربي الدكتور أحمد المديني روائي وقاص قبل أن يكون ناقدا، وهو اسم كبير بمنجزه الروائي والقصصي، إضافة إلى أنه ناقد كبير دؤوب وجاد، يعمل بهدوء على إضافة رؤية نقدية ليست صدى للمدارس النقدية، أو تقليدا لما هو وافد من( الغرب)، الذي هو كما يرى، ونرى معه، شبع تنظيرا للرواية تحديدا، التي عرفها منذ القرن السادس عشر، حيث مضى الإبداع الروائي إلى حد التجريد، ناهيك عن التجريب، وهو ما ينسجم مع تطوره العلمي، والحضاري، والتقني الطبيعي، وليس المستورد، كما هو الشأن عندنا، بوعي، أو بغير وعي.. وغالبا بارتجال، ودون نفع كبير بسبب التخلف، وانعدام الأصالة.

الكتاب النقدي الجديد لأحمد المديني عمل طموح، وعنوانه يشي بهذا، وهو يذهب لدراسة نصوص بعينها لعدد كبير من الروائيين العرب، يتوفر فيها ما يمكن أن يقدم البرهان على ( تحولات) النوع في الرواية العربية، في المغرب العربي.. والمشرق، لأن الرواية العربية واحدة، وليست روايات، وإن تباينت الهموم، والرؤى، والاتجاهات الفنية لدى مبدعيها.

ينبه المديني قارئه إلى أن عنوان الكتاب على صفحة الغلاف الأولى، كما هو معلن، جعل موضوعه واضحا بالتسمية من البداية، وهو بعئذ معني بالبرهنة على الموضوع الذي استنبطه من النصوص الروائية التي قرأها، وتابع منجز أصحابها على مدى عقود.

الكتاب طموح، ولكنه غير مدع، والمديني بهذا العمل الكبير يفتح بابا للجدل، والحوار، وهدفه قراءة تحولات( النوع) الروائي العربي، الذي بلغ مداه في العقدين الآخيرين مشرقا ومغربا.. وآن أن يُتوقف عنده بجدية، بقراءة النصوص الروائية نقديا وبعمق، وليس متابعتها صحفيا، وتقريظها بمدح إنشائي لا يضيف للقارىء العربي شيئا، ولا ينفع الروائي، ولا يسهم في فرز الغث من السمين، خاصة والعقدين الآخيرين، وإن شهدا اتساعا في انتشار الرواية العربية، وبلوغها مستوى رفيعا، فإن فوضى عارمة تتسبب راهنا في ارباك القارىء العربي المتلقي، وتضعه في حالة حيرة، وانعدام القدرة على التمييز، بل وتنفّره.

رواية الغرب تعود إلى القرن السادس عشر، وروايتنا العربية عمرها بالكاد مائة عام، وهو ما يرى الدكتور المديني أنه سبب مخاضها العسير، كونها جنسا أدبيا لم ينبثق من صميم المرجعية الأدبية العربية.. رغم ما يحفل به تراث العرب من تدوينات مروية، ونصوص حكائية، شأن أمم عديدة، لكن إبداع الجنس _ يقصد الأدبي_ وفق قواعده وخصائصه السننية شأن آخر… يفصح الدكتور المديني، الروائي المهموم بالإسهام في تطوير الرواية العربية إبداعا ونقدا، والارتقاء بها، سواء بنصوصه التي بوأته قيمة رفيعة مشرقا ومغربا، أو بإسهاماته النقدية، عن( رسالة) كتابه: لنقل إن بعض طموح هذا الكتاب، من خلال النصوص التي انكب على قراءتها وتحليلها، أن يكون تأريخا جزئيا لإسهامات جيل جديد، أو أكثر، في تطوير الرواية العربية، وتغيير اساليبها وحبكاتها، وصورة من محفل نقدي واسع لرصد المفاصل الكبرى، حيث تتحدد معالم هذا التغيير، ويصبح بالإمكان استخلاص جملة نواظم بنائية، ومعايير خاصة بالشكل، وتصورات دلالية، وكلها مستقاة من مظانها النصية.( من المقدمة ص7 ). استشهدت بهذاه الفقرة الطويلة نسبيا، لعلي أنقل الرؤية النقدية التي دفعت المديني لكتابة عمله النقدي الكبير هذا، في الوقت الذي نرهق بقراءة كاتبات تدعي أنها نقدية، وأنها تتابع حركة الرواية العربية، وأنها نقد ( ثقافي)، في حين إننا نقرأ إنشاءً مدعيا، يتنطع ببعض المصطلحات ويتزيا بها، بلا جدية في قراءة عميقة تضيف للقارىء معرفة بالنص، وتفتح مغاليقه بجهد نقدي جاد، يغوص في ثنايا العمل، ويستكنه ما يخفيه من فن، وينطوي عليه من عمق وقيمة.

في الفقرة السالفة حدد المديني هدفه من عمله النقدي الكبير: فنقطة انطلاقه تبدأ بالانطلاق من ( المظّان) ، أي من النصوص، لأنه لا يفرض على هذه النصوص رؤية جاهزة، منسوخة، أو مستوردة، وكأن النقد هو سرير بروكويست.. تمدد عليه النصوص العربية الروائية، وتحاسب وفقا لمقاساته! يبدأ المديني كتابه بفصل عنوانه: الشفوي المكتوب.. أو الجنس الملتبس، وبعنوان فرعي: بصدد محمد شكري واتجاهه.

نحن في المشرق سمعنا بمحمد شكري قبل ان نقرأ كتابه( الخبز الحافي)، وأثارتنا تجربته الحياتيه كما قرأناها في ذلك الكتاب، والمديني يعود ليقرأ ظاهرة (الشفوي المكتوب)، وهي ظاهرة لم نعرفها نحن في المشرق العربي، وهذا يعود لأكثر من سبب، لعل منها الموقع الجغرافي، وخصوصية المدينة( طنجة)، والصلاة المباشرة بأوربه والغرب، و.. أعاجيب وغنى الحياة المغربية في مدن بعينها، تتقدمها مدينة طنجة.

المديني يعرفنا بخلفية ظاهرة ( الشفوي المكتوب)، وبالشفويين الذين استثمرهم الكاتب الأمريكي بول باولز، وأبرزهم محمد شكري الذي تحرر من التبعية لآلة التسجيل، والجلوس في ( حضرة) باولز، والتكيّف وفقا لرغباته، ومتطلباته السوقية، ودون أن يحظى بالتعويض( الأدبي)، وإن حظي هو وغيره من ( الشفويين) بالقليل من المال.

ما يهم في هذا الفصل الغني، والمثير، هو التساؤل الذي يطرحه المديني حول الكتابة الشفوية: أي قيمة حقيقية أو مفترضة لهذه النصوص التي لا نتردد، كما لا نجد غضاضة في وصفها بالشفوية، والشفوية في أبسط معانيها هي المختلفة عن النسق الكتابي _ الأدبي، والمتميزة ببروتوكول روايتها؟

ويسأل المديني بعدذاك سؤالاً يرتد من زمن رواة( طنجة) إلى زمن( المقامات) : ماذا بقي من قاموس المقامات، وماذا سيبقى من رواة طنجة؟ ( ص29).. وقصده من ( الكلام) .. اللغة.. إلى ( الحكاية الشفوية). في الفصل المعنون ب( ميلودي شغموم: ذات تحكي شجن الجماعة المغمورة) وشغموم هو روائي مغربي _ يطرح المديني وجهة نظره في الفن الروائي بوضوح، وبشروط لا لبس فيها: في حساب الفن، أي فن، لا بدّ من توافر شروط محددة تراعي في صنعه ومضماره لكي تحسب المادة منه.. ثمّ يضيف: حين تتوفر هذه الشروط التي نسميها بنائية، في الرواية مثلاً، فإن صاحب العمل احتكم إلى معايير مرعية تواتر الأسلاف على ضبطها والاحتكام إليها، وسار في مسالك لا محيد عنها لكل من يقصد عالم الرواية بجد: منها ضرورة توفر حكاية، قصة، ومعرفته كيف يجعل منها محكيا، أي سردها بالطريقة المناسبة، قد تكون خاصة به، او مبتدعة، ولا غنى له عن مكان وزمان، كما لا حكي بدون شخصيات، حية طبعا، تراها وتحس بها من لحم ودم، حتى وهي من ورق، أي ليست اشباحا أو هلاما، كالحال عند روائيين مزعومين، يفتقدون قدرة صنع الشخصية، جماع واقع متخيّل، ولا تستطيع أن تعين من كل أعمالهم، لو سميت كذلك، شخصية واحدة قابلة للتشخيص واقتفاء الأثر ( ص61)هنا يحدد المديني كروائي وناقد الشروط التي يراها ضرورية لتحديد ( النوع) ، وكأساس لتطوره، ولعله وهو يعود للتذكير بما تواضع عليه النقاد، والروائيون المؤسسون.. هاله ما يراه، ويقرأه من( كتابات) ليس لها نسب بالرواية، ومع ذلك فهي تزحم الواجهة، بل و( تكرّم) أحيانا، وهي لا حياة فيها، ولا فن، ولا شخصيات من لحم ودم.. ولا زمان، ولا مكان.. فهي لغو ليس إلاّ.

يتعرّف القارىء العربي، المشرقي تحديدا، في هذا العمل النقدي، على روائيين مغاربة يسمع بهم لأوّل مرّة، رغم ما تتمتع به أعمالهم من قيمة وجدارة، بل وريادة.. وهذه واحدة من فضائل الكتاب الكثيرة، ومن أسف أن التقصير في التوصيل، والتواصل، والتعارف، هو سبب الجهل المتبادل مشرقا ومغربا.

بدا المديني كتابه بدراسة عدد من الأعمال الروائية لكتاب مغاربة: من المغرب، تونس، الجزائر.. ولم يتوقف عند روائيين ليبيين، أو موريتانيين، فهل يعود هذا إلى فقر التجربة الروائية في البلدين المغاربيين؟ بحسب ما أعلم بعض الروائيين الليبيين حققوا حضورا على المستوى العربي، منهم: أحمد إبراهيم الفقيه.. و إبراهيم الكوني، وهناك غيرهما، أمّا بالنسبة لموريتانيا فأنا لم أقرأ سوى رواية واحدة مترجمة عن الفرنسية، لموسى ولد إبنو( مدينة الرياح).. والمديني غير معني بالتوقف عند الروايات المكتوبة بالفرنسية.

في ختام كتابه يثبّت المديني مداخلة له قدمها في ندوة ( الرواية العربية المغاربية 2005)، بعنوان لافت: كيف تكتب الرواية في مجتمع غير روائي.. أتراه تجاهل الرواية في ليبيا، وموريتانيا، كون المجتمعين فيهما غير روائيين؟!. إذا كان قد أبدى اهتماما بالرواية اليمينة.. فهل تراه يرى أن المجتمع اليمني مجتمع روائي، أم أن النتاج الروائي هناك حقق حضورا يغري بدراسته وأخذه بعين الاعتبار عند الحديث عن الرواية العربيّة؟!

إذا لم يثر هذا العمل النقدي الكبير، والريادي في موضوعه، جدلاً في الساحة الثقافية العربية.. فإن هذا يعود إلى حالة الكسل المستشرية التي لا يستفزها كتاب بهذه الأهمية.* صدر الكتاب في المغرب 2012 . الناشر: دار الأمان _ الرباط، ومنشورات أحمد المديني.. وهو من القطع الكبير، ويقع في 362 صفحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية