غناء النوبة في مصر والسودان ‘2-3’القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من عبدالفضيل طه: عندما كانت مصر والسودان دولة واحدة، شهدت الساحة الغنائية المصرية عشرات المطربين السودانيين الذين كانت لهم شهرة واسعة في القطر الشقيق.
أول هؤلاء كان عميد فن الغناء في السودان أحمد مصطفى، الذي كان يلقب بعبد الوهاب السودان، أدى مطربنا الكبير الراحل عدة أغنيات نالت شهرة كبيرة في أوساط المستمعين في خمسينيات القرن الماضي، مثل ‘أنا أم درمان تأمل في ربوعي’، ودويتو مع المطربة الشحرورة صباح ‘هواه هواي، شفته منايا شغل بالي’. وربطت صداقة عميقة بين الموسيقار فريد الأطرش وأحمد مصطفى الذي كان دائما ما يقضي أوقاتا طويلة في بلده مصر يسجل الأغنيات، وأصبح واحدا من مطربي ركن السودان، الذي كان يقدم في الإذاعة المصرية والذي تحول اسمه بعد ذلك وسجل هنا عشرات الأغنيات مثل ‘وين ياناس حبيب الروح، وين ياناس قلبي مجروح’. وارتبط أحمد مصطفى بصداقة عميقة مع أسرة أبو العلا، وكانت تعتبر من أغنى العائلات مع حسب الله لاشين في القطر الشقيق.
وكان حسن عوض أبو العلا، شاعر، ومطربنا المفضل وغنى من ألحانه وتأليف عوض أبو العلا العديد من الأغنيات لعل أشهرها ‘وين ياناس حبيب الروح وين ياناس قلبي مجروح’. وأحمد المصطفى كان يملك صوتا رخيما متسع المسافات خامته جديدة على الغناء السوداني والمصري معاً. ولد مطربنا في قرية الحديبية وتعلم في الخلوة ‘الكتاب’ القرآن الكريم وكان يغني مع الأطفال التكية حامد كان ضربه جامد و’كلمة في اللهجة السودانية وهو الفقيه وهو ما كان يطلق على المعلم في الكتاب ويبدو أن معلمه في الخلوة كان اسمه حامد’. وبدأ أحمد مصطفى يستمع الى غناء الحقيبة أي الغناء السوداني القديم ويندمج في حلقات الذكر مع الفرق الصوفية السودانية، والتي كانت منتشرة في كل ربوع السودان، ثم بدأ وهو صغير في السن يشدو بالمدائح النبوية والابتهالات الدينية.
ومدح أهل البيت الذين يكن لهم السودانيون كل الحب، وقد استمع الى الأهازيج التي كان السودانيون يرددونها للسيد علي المرغني الذي كانوا يعتبرونه من أهل البيت مثل:
يا سيدي وينك ليطالبين شوفتك الشايجيةللشايجية طمن حذفها، ارجع عينيك شوفهاوهي أغنية كانت ترددها قبيلة الشايجية في مدح السيد علي المرغيني وكانت له عزبة كبيرة هناك يطلقون عليها الجنينة’. وينك لي اي أين أنت بالنسبة لي.
وغير هذا من قصائد المديح لسيدنا الحسن والحسين والسيدة زينب من أهل البيت.
في الخرطومفي أوائل الأربعينيات انتقلت أسرة أحمد المصطفى الى الخرطوم وهناك بدأ الغناء حيث استمع اليه الشاعر سعد أبو العلا لتربط بينهما علاقة قوية. هناك تعرف على مطربي الحقيبة كروم ومسرور وكانت بدايته مع الغناء حيث كون مع كروم ومسرور اسكتشاً سينمائيا صغيرا كان يعرض في دور السينما قبل الأفلام الكبيرة وكان معظمها من الأفلام المصرية الأولى.
مع الأدباءأتاحت لأحمد مصطفى أخلاقه العالية وجمال صوته أن يكون لدى أدباء العصر في السودان مما جعل الشاعر حسن عوض أثيرا.
أبو العلا يقدم له أحلى ما كتب من أغنيات كما كتب له أغنياته صديقه حسن ابو العلا الذي عاش مأساة رهيبة عندما اصيب إصابة بالغة في العمود الفقري جعلته مريضا بالشلل الرباعي، وذلك عندما قفز في البحر الأبيض بشاطئ الإسكندرية قفزة خاطئة.
سجل حسن عوض مأساته في أغنية ‘سوني’ وفيها يتحدث عن الرحلة البائسة من الخرطوم الى الإسكندرية ولحنها أحمد المصطفى وغناها ونالت اعجاب السودانيين، ليقدم له حسن بعد ذلك العديد من القصائد تغنى بها أحمد المصطفى وأعجبت أهل السودان.
تطوير الموسيقى السودانيةومثل عبدالوهاب في مصر طور أحمد المصطفى الموسيقى السودانية واثراها بالآلات والإيقاعات الغربية لتكون فتحاً جديدا في عالم الموسيقى. ونرى اليوم الكثير من الفنانين السودانيين يستعملون الآلات التي أدخلها أحمد المصطفى، مثل الساكفسون والكلارنيت والفلوت.
ومثل عبدالوهاب ايضا، قدم أحمد مصطفى عشرات الأغنيات لشعراء سودانيين لتكون لهم شهرة بين العامة، مثلما قدم عبدالوهاب وأم كلثوم أمير الشعراء أحمد شوقي وبشارة الخوري ومحمود أبو الوفا وأحمد رامي.
ولم ينس شعب السودان حتى اليوم مقاومة أحد المصطفى للمستعمر بفنه مثل ‘أنا أم درمان مضى أمسي بنحسي، قد وفاي يحطم قيد حبسيوأخرج للملأ في ثوب عرس، وأهمس والورى يعلن همسيفياسودان إذ ما النفس هانت، أقدم للفداء روحي بنفسيكما غنى لي غرام وأماني، في شمرتك ومجدكعشت يا سودانيوكان أحمد المصطفى محباً جداً للسودان يريد له المجد فأسس اتحاد الفنانين للغناء والموسيقى وهو ما يقابل نقابة المهن الموسيقية عندنا.
ظل أحمد المصطفى مطرب السودان الأول يغني ويلحن ويطرب ويسعد الملايين من عشاق الفن الجميل ما يقرب من نصف قرن منذ أن ترك قريته في أوائل الأربعينيات حتى رحل عن دنيانا في تشرين الاول/أكتوبر سنة 1999 ليخسر الفن واحدا من أساطينه الكبار والعظام.