أحمد بلحاج آية وارهام: كل شاعر في المغرب يعتبر نفسه قارة شعرية ينبغي أن تُحتذى

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
2

الرباط ـ «القدس العربي»: يصف الشاعر المغربي أحمد بلحاج آية وارهام الشعر بـ»كائن لغوي لا يرتدي جبة الثبات قط، ولا يستقر على حال حتى لو خلنا ذلك»، لأنه «غليان روحي محكوم بالتطور في الجغرافيات التي يتنفس فيها الإنسان وجوده».
الحوار مع هذا الشاعر الصوفي مغامرة محفوفة بالمتعة، يبتسم في بداية رده على الأسئلة بقوله «أجوبة من شفتين تعزفان: رفقا بقلبي مبضع الجرَّاحِ أعراضُه أيقونَة الأتراحِ»، وهو يشير إلى التدخل الجراحي الذي خضع له قبل مدة ويؤكد ردا على سؤال حال الشعر، أن هذا الأخير «حربائي التعريف والحال، يتعذر الإمساك بميكانيزماته، ولكنه يمكن من تقبيله كل من صفا ذهنه، وشفت نفسه، واتسعت آفاقه، وازورّ بصره عن غيم التحيز».
والشعر وفق أية وارهام، «فهو في المغرب شعر حداثة بصيرة بخطاها، تجري في جسده مياه الكونية، ومياه الذات الحاملة لشجونها وحدوسها، وتتصارع فيه التجارب والتيارات الملقحة برياح الآتي في احتدام وخفوت، دون أن يصغي بعضها إلى الآخر، كأنها تلهث خلف الريادة، وطمس النِّد، وعبثاً تصنع».
الشعر في المغرب يضيف آية وارهام، «أشعار وأنهار وألوان وحساسيات تغلي تحت الحس وتحت اللغة، ولا ريادة، ولا مدارس، كل شاعر يعتبر نفسه قارة شعرية، ينبغي أن تُحتذى، وهنا مأساة هذا الشعر، لأنه ليس في سباق مع ذاته، ولا مع غيره، وإنما مع وهم الريادة، واجتراح الدُّرَجِ (الموضات) الشعرية التي تبهر اللحظة، ولا تثري الزمن، وتساهم في الترويج لنوع من الثقافة الاستهلاكية التي تُغنيها العولمة بفُحش».
أما عن سؤال حال الثقافة، فيؤكد المتحدث أنها «لا تشذّ عن حال السياسة، فهما ظلان لعُقم مهيمن، لا يتحركان لخلق أفق مستقبلي مشرق، وإنما لتحقيق نفع ذاتي، واكتساب ريع أبدي، غير أن من تحت هذا القتامة تخرج بين الفينة والأخرى إشراقات فريدة في مختلف ألوان المعرفة تجذب الأنظار، وترفع رصيد المغرب في هذا المجال إلى ذروة الاغتباط الذاتي، ناسيا أن الثقافة هي الرافعة الوحيدة إلى الزمن الرقمي، والذكاء الاصطناعي. وأن التعدد هو سمة الكائن الشعري، خاصة في ظل ثقافة الاستهلاك المنمِّطة؛ التي تُحوجنا إلى ترك المبادرات الروحية، وإلى تعطيل التفكير الجواني، والسلبية أمام اجترار القديم، أو الخضوع للوافد الملتبس».
في خضم هذه الأمواج الرقمية المتلاطمة التي تكاد تغرق سفينة الإبداع الشعري، سألنا آية وارهام، هل ما زالت هناك حاجة للشعر رغم قلة الالتفات للتجارب من طرف عموم الجمهور خاصة في ظل هجوم منصات التواصل الاجتماعي وغيرها.
ويعتقد المتحدث «أنه ما زالت هناك حاجة للشعر باعتباره متضمِّنا حقيقة الوجود في جَوْهَرِ جَوْهَرِهِ هو الذي يُشعرنا بالاستبصارات الفذة لتلافي تصادم الهويات، ولتقبل الأشكال والتعددات بعشق سام». إنه معرفة المعارف العليا ـ يقول بلحاج ـ «التي تحلق بنا في ضوءِ مجهول اللانهائي، ويربط وجدانياتنا بأجمل ما في الوجود من قيم وفضائل». ويتابع: «إنه قبلة الأمل التي تشرق في الأعماق فتجعلنا نستقبل كل صباح بابتسامةِ غبطة»، إنه «العمق الروحي للإنسان والجسر الرابط له بمعنى السعادة، فكلما انهدم انهدمت سعادته».
ورغم هذا الحب الجارف للشعر، فإن آية وارهام يعتبر «التراكم فتنة الإبداع»، ردا على سؤال تقييم ما راكمه من إصدارات وتفاعل مع المشهد الثقافي طيلة سنوات الحفر في صخرة الكتابة والقلق الإبداعي. لذلك يعتقد أن «العبرة في الشعر ليست في التراكم، بل في النبضة الجمالية الشعرية التي نضيفها إلى الشعريات الكونية، ونسمع الألسنة تعزفها وترددها، فهي أجدى من عشرات الدواوين، إنها قنديل شعري تُلحِّنه الحياة، وليس جثة هامدة في ديوان، والأمثلة على هذه النبضة كثيرة متداولة على ألسنة الخاصة والعامة (وداوني بالتي كانت هي الداء، إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد، إلخ)، فإيقاع الزمن اللاهث يحول دون قراءة المطولات، ومن ثمة يكتفي البعض بالشطائر في مختلف ألوان الإبداع، ويشذ عن ذلك بعض السرد المحبوك الذي لا يتخلله مرض الفيل (الترهل)».
أمام هذه الكلمات الخالدة والأخرى السابحة في سماء الروحانيات وصوفية العبارة، سألنا الشاعر، هل فعلا صار الشعراء أقلية أمام تنامي الاهتمام بأجناس إبداعية أخرى مثل الرواية والقصة القصيرة، لكنه يؤكد أن «الإبداع لا يقاس بقيَم السوق، ولا بقيم السياسة، وإنما بمدى ما يحدثه من هزات نفسية ذات نجاعة، وأنوار تنحسر بها الدياجي».
ويوضح آية وارهام، أن «الشعر بالتأكيد هو جوهر الجوهر، وندرة الندرة، قد تكون الأجناس الأخرى أكثر منه شيوعا وامتدادا في الحقل القرائي، ويظهر هو كأنه منبوذ لا عشاق له، مع أن الحقيقة غير ذلك. ألا ترى أن الذهب؛ وما في ضمنه من المعادن النفيسة؛ لا تقتنيه إلا الأقلية لارتفاع سعره وجودته، وكذلك الشعر لا ينحاز إليه إلا من هو مدجج بمعارف كونية قصوى لا تحتاج إليها الأجناس الأخرى لتَسبَر أسرارها». وحسب الشاعر، «أكيد أن انتشار السرد غطى على الشعر، ولكن هذا في الظاهر، أما في العمق فإن الشعر هو النفَس المهيمن على الإبداع من حيث النسج والبناء، فهو يدخل في الرواية والقصة والمسرحية والسينما والتشكيل. فالفن الذي لا نكهة فيه شعرية هو طبَق بلا مِلح ولا مذاق، بل أصبح الآن البعد الصوفي يحرث هذه الحقول، ويمنحها نوافذ تأويلية لم تكن لتحلم بها، لأن معيار الصوفية هو المحبة.. محبة العالم كما أبدعه الخالق، وكما ارتضاه.
الوصول إلى المشهد الثقافي يبدو مباشرا لا منعرجات في الطريق المؤدي إليه، لذلك كان السؤال عن رأي آية وارهام في الانتقادات التي توجه للمشهد الثقافي بشكل عام، خاصة الأزمات التي تنتاب بعض مؤسساته، وتلك المناوشات التي يقال إنها ذاتية ولا تخدم الثقافة والمثقفين في أي شيء؟ وفي رأي الشاعر، فإن «الانتقادات دليل صحو وعافية، إذا اختفت من أي جانب من جوانب الحياة تردى واستشرى فيه الفساد، وتضخمُ الذات، وإرادة وضع الأحذية على رؤوس الآخرين بأنانية عمياء، لا ترى غير تأبيد ذاتها في موقع ما، ولا تؤمن بالاختلاف والتداول».
كما أن «المؤسسات عندنا هي وجه آخر للسياسي والنقابي، ورؤية تأبيدية للمقعد، لا رؤية ثقافية معرفية تنشد الجمال، وتقوم على المعرفة الحدسية وعلى الخيال الباطني، بل على الحسية والنفعية، وإنه لَبَوْنٌ هائل وكبير ذلك الفرق بين الحدس والحس، فالأول يعني تلك الشحنة الوجدانية الهائلة والطاقة الانفعالية العارمة، والإشعاع النوراني الخاطف الذي يجتاز الحدود العَرَضِية والقشور المادية كي يستقر من دون أي مقدمات عقلية أو دلالات منطقية في عالم الحقيقة المطلقة. أما الثاني فمجرد صور واقعية محددة انطبعت في العقل الواعي نتيجة عمل فكري منظَّم، وحساب رياضي دقيق. الواقع الذي تحول إلى ظاهرة، أن الشعراء أكثر من الشعر خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي، وهي ظاهرة تتقاسمها وتعاني منها جميع البلدان وليس المغرب فقط. لكن على مستوى الابداع الوازن سألنا آية وارهام هل يبدو له حاليا، أن الصوت الشعري المغربي صار مميزا أم أنه يمتح من أصوات شعرية في بلدان أخرى ولا نقصد العربية بالضرورة؟
واعتبر أن «من فضائل الشعر المغربي في الراهن أنه شعر اجتهاد فردي، وليس شعر مدرسة معينة، أو شعر اتِّباعٍ لاتجاه معين أو مدرسة ما، فالشعراء المغاربة يكتبون من رؤى متباينة في اللغة والتخييل والتصور المعرفي، وبعضهم يبدع من حمولته الأيديولوجية، ويحاول إدخال سواه تحت مظلته كأنها البعد الشعري الوحيد الذي لا بعد سواه. وهذا منزلق يضع الشعر في ورطة عقيمة بئيسة. فالشعر حرية وتخييل عالٍ، لا تصنعه السياسات، ولا تلده المدارس، بل منه تنبثق الحياة معافاة».
ويبرز الشاعر أنه في الحقيقة «حين تدمن قراءة هذا الشعر تسمع من داخله أصواتا كنت قد سمعت جزءا منها في جهة من جهات العالم الشعري غربيا أو شرقيا، وهذا لا يقدح فيها، بل الذي يقدح هو أن تعتبر ذاتها شعرا، وهي مجرد صدى لا يحمل قيمة شعرية جمالية، ولا بناء لغويا سليما، ثم تدَّعي الكونية، وتسعى إلى إسكات ما سواها أو محوه، والمحكي ما هو إلا إماتة ضمنية للند في أي مجال».
ويجزم آية وارهام «أكيد أن في المغرب شعرا، تقف الشعرية فيه نِدا لكثير من الشعرية الكونية، ويقف بعض شعرائه في الصفوف الأولى من التميز والإدهاش في كل ما يتعلق بعالم القول هذا الذي هو أسمى العوالم. فصناع جمالياته من مشارب ثقافية متعددة، تتصارع وتتدافع لابتداع ما لم يُبتَدَع من قبل على الصعيد الجمالي».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية