قرأت أحمد خلف مبكرا، بشغف التعرّف على واحد من قصاصي التجريب، الباحثين في مغامرة الكتابة عن قصٍ مغاير، وعن شخصيات تتجاوز رومانسيتها وثوريتها إلى تورطها في الحلم وهوس البحث عن الغائب، فكانت قصته القصيرة «خوذة لرجل نصف ميت» المنشورة في مجلة «الآداب» 1969 هي المدخل لمعرفتي به كقارئ فضولي، إذ حفلت هذه القصة بتقانة ماكرة وذكية حول محنة الإنسان في ضياعه، وفي ما تركته حروبه الفاشلة من أثر نفسي ومن عطب جنسي، هو كناية عن عطبه الوجودي الذي يدفعه إلى العزلة والإحساس بالخواء واللاجدوى، لتتحول فكرة «نصف الموت» إلى رمزية للضياع، والخذلان، وإلى الإيهام بالبحث الغرائبي عن «نصف الحياة»، كنوع من البحث عن تمثيل آخر لوجوده وحريته وخلاصه، وعن مطاردة حلمه بشغف «المسافر في متاهة» كما سماه فاروق يوسف، ما دفعني إلى الاهتمام بخصوصية البحث في تجربة أحمد خلف وتجريباته في كتابة القصة القصيرة، والرواية في ما بعد..
ما يُميز أحمد خلف هو قلقه، بالمعنى الوجودي والإنساني، وحتى النفسي، إذ يضمر هذا القلق الارتباكات العميقة في شخصية الجنوبي المهاجر، والثوري الحالم، والإيروسي المهووس بنساء المدينة، والحكواتي المسكون بإرث الجدات، فكان انغماره في يوميات المدينة الكبيرة محاولة للتمرد، والانكشاف على ما تُثيره من اغتراب ودهشة، وغموض، وعلى الأفكار التي تصطخب بها، ليعيش عبرها يوميات وعلاقات تتقوض معها بداهاته وخجله، فيجعل من ولوجه إلى عالمها مغامرة في التعرّف على سردياتها، وعلى سحر نسائها، وعلى صخب مقاهيها وحاناتها ولياليها، فكانت قصصه الأولى «نزهة في شوارع مهجورة» انفتاحا على متاهة تلك المدينة، وعلى حريته الصاخبة والخائفة فيها، إذ جعلته أكثر حساسية إزاء لعبة المراقبة والحرية والكتابة، حيث الانغمار في مزيد من القلق، والأسئلة، ليكتب مجموعته «القادم البعيد» بالتجريب ذاته الذي استغرق قصص الستينيات، وهوسها بالبحث عن ذلك الغائب الذي يسكنه، وعن القادم الغامض الذي ينتظره، وعن المعنى الذي تخفيه اللغة في استعاراتها ومجازاتها وكثافتها الموحية، ليواصل مع مجاميعه القصصية «منزل العرائس»، «صراخ في علبة»، «خريف البلدة»، «في ظلال المشكينو»، وقصته الطويلة «تيمور الحزين» ذات التدفق السردي المشغول بالرؤيا القلقة، والحساسية التي تجعل من الحدث متفجرا، ومن الشخصية بؤرة تستقطب هواجس العالم، ومن الزمن غائما، لا يخرج عن تداعيات المونولوج في الزمن النفسي للشخصية، ولا عن هواجسها وقلقها، وحتى المكان في قصص أحمد خلف لا يعكس إلا عالما دوستوبيا، تتبدى فيه هواجس القاص وحيواته المضطربة، وهي تتحرك وترى، عبر أدوات وموجهات ما يقترحه السارد العليم، أو السارد الغائب، وعبر ما يرصده من تحولاته وتمرداته الوجودية، وخواء ما يحيط به من أزمات يصنعها الخوف والرعب والحرب والاستبداد، مثلما يضج فيها الهوس الجنسي، بوصفه شغفا وتعويضا وبحثا عن اشباع رمزي للمحذوف.
اللغة بوصفها وجودا
يصف سلافوي جيجك اللغة بأنها لعبة في صناعة الذات، وهذا ما جعل لعبة أحمد خلف أكثر مواربة في القص، وفي تمثيل تلك الذات التي تمور وتُخفي، وتصطخب، حتى بدا تجريبها وكأنه محاولة في مواجهة قصدية مع غرائبية للعالم، عبر توظيف التاريخ والأسطورة والحكاية والميثولوجيا، بالاتجاه الذي يجعل من مستويات السرد في القصة، أكثر استغواء في تجديد تقانات القص، عبر توسيع فاعلية تلك الوظائف، وإسقاطها في تقانات فنية تجعلها أكثر تمثيلا للإيجاز، ولما يناظر مونتاج السينما، والقص النفسي، والتقرير الصحافي، وإلى ما يجعل تجريبات أحمد خلف أكثر انفتاحا على فضاءات القص الحديث، المغاير في واقعيته، وفي سحريته، وفي غرائبيته، وحتى في كوابيسه، لاسيما وأن أحمد خلف مهووس بالشخصية المرتابة التي تجد في الكوابيس عالما يكشف عن أزمة قلقها الداخلي، وعن أزمة علاقتها بالعالم والآخرين. لغة أحمد خلف التي تميل للقص، حيث تجد في الايجاز والكثافة مجالا لصياغة ملامح موجوداته، عبر بناء سردي يمنح الشخصية ملامح تعبيرية تنأى بنفسها عن الترهل، وبما يُعطيها وجودا هو أقرب للوجود السينمائي، تكون فيه اللقطة موازية للجملة، ويكون فيها الزمن سريعا، لكنه بطيء في تمثيله النفسي، وفي إحالاته الرمزية، على النحو الذي يجعل من وظيفتها الدلالية قائمة على أساس مستوى أسلوبي يتسع لتمثيل بلاغة تلك الوظيفة، في الجملة المتوترة، وفي البعد الاستعاري، وفي جعل وحدات هذه القصة، أو تلك متساوقة مع ما تمثله الشخصية من دال تعبيري ينطوي على دلالات موازية، تتبدى من خلال عناوين مجاميعه القصصية، وما تفصح عنه كثافتها من إيحاءات نفسية، تضمر الوجودي والسايكوباثي والنفسي والارتيابي.
الرواية وسرديات المختلف..
لروايات أحمد خلف توصيفات تتجاوز واقعيتها النقدية إلى واقعيتها النفسية، وإلى جرأتها في مقاربة المقموع والمحظور، فبدءا من رواية «الخراب الجميل» وروايات «موت الأب» «حامل الهوى» «الحلم العظيم» « الذئاب على الأبواب» «محنة فينوس» عن الأولين والآخرين» « تسارع الخطى» نجد أن لعبته في السرد ظلت تنحاز إلى التجريب، فلا تتخلى عن المفارقة، ولا عن جعل الشخصية القلقة، المرتابة أنموذجه في صياغة صورة «البطل»، الذي يرى العالم مضطربا، كابوسيا، يبحث فيه عن حلول إشباعية، تغيب عنها الأيديولوجيا والثورة، ليحضر الجنس بوصفه فعلا وجوديا، تعويضيا، وتحضر الكتابة بوصفها تدوينا للوجود، فشخصيته الرئيسية «مثقف» له قناعه الوجودي، يعيش عبره قلق يومياته، وإشكالية وعيه المهيج، وحساسيته إزاء الآخر الذي يصنع له الكوابيس، ويطارده، حتى تبدو ثيمة المطاردة والملاحقة، وكأنها الهاجس الذي يحرك تلك الشخصية، وعلى نحوٍ أسبغ على رواياته وقصصه إثارة، وغموضا، يمكن للقارئ أن يستبطن من خلالها غموض وقلق الواقع السياسي والاجتماعي، على مستوى ما تستدعيه من أسئلة تخص علاقة هذه الشخصية بهذا الواقع، وبتمثلاته في الجسد والسلطة والتاريخ والأيديولوجيا، أو على مستوى تماهيها مع الشخصيات الإشكالية في تاريخ الرواية، فأبطال وليم فوكنر حاضرون في صراعهم النفسي، وأبطال «دوستوفسكي» حاضرون أيضا بهوس أسئلتهم، وشغفهم بالبحث عن معنىً لوجودهم، وحتى شخصيات الوجود السارتري، والعبث الكاموي يتسللون إلى روايات أحمد خلف، وكأنهم يكشفون عن قلقهم وتعاليهم وتمردهم وشغفهم بالوجود، من خلال الجنس والحلم والحرية.. ما جعل أغلب شخصياته تزداد نكوصا، وهروبا، وكأنهم يهربون من أشباح الواقع، فيعيشون تحت وطأة هواجس المطاردة، مثلما يعانون من الإحساس الغرائبي بالمفارقة والفرادة، فروايات مثل «الحلم العظيم» و»موت الأب» تشكلان محطات مهمة في الدرس الروائي، عبر توظيفهما لشخصية المثقف المتمرد/ الارتيابي/ الباحث عن وجوده من خلال غياب، أو قتل الآخر بالمعنى الفرويدي، وبما يعطي لسيرة بطله السردي نوعا من الأسطرة أو البطولة الدالة في إشباعاتها الرمزية، عبر الجنس والفحولة والعمل. فبقدر ما تبدو هذه الإحالات قرينة بأزمة الواقع، فإنها كثيرا ما تجعله يعمد إلى التجريب المتعالي، وهي استعادة لتقانة القص عند الستينيات، إذ يستعيد عبرها محنة القلق عند هاملت، ومحنة العذاب والتطهير العميق عند شخصيات دوستوفسكي، وبما يجعل حضور شخصية «البطل الثقافي» في رواياته، وكأنه حضور يشتبك فيه النفسي الفرويدي بالفلسفي بدلالته الهيغلية، عبر أعراض «الوعي الشقي»، تلك التي تنشغل بوجودها، وبحساسية مراقبتها للعالم، عبر ثيمة التحول، وعبر اللغة والرؤية، وبالاتجاه الذي يجعل من وظائف اللغة وكأنها فاعلية أركيولوجية، تسعى إلى البحث عن المعنى، عبر الغائب من الأيديولوجيا والجسد والتاريخ، حيث يتحول الكاتب إلى الكائن الرائي الذي يرى العالم من خلال هواجسه، كنظير لمنظور «ثقب» باربوس، لا يكتفي بالتعرف على خفاياه وأسراره، بل إلى تقويض فكرة الوجود ذاتها، فثقب الحائط هو فعل ازاحة، وتلصص، وإيهام ورقابة، ما يجعل من الشخصية المُراقَبة، وهي سمة غلبت على شخصيات أحمد خلف، مصابة بفوبيا الشخصية المُراقِبة، التي تصطنع لها وجودا موازيا، كابوسيا ونفسيا، حيث تنسحب هذه الوظائف المفارقة إلى اصطناع فاعليات سردية، تقوم على وظائف تقويض الواقع والسلطة والتاريخ، وعلى اصطناع إيهامات سردية تتبدى من خلال الوعي بتلك المفارقة، والذهاب إلى جعل العالم جحيما، يمكن التعرف على أسراره من خلال ذلك الثقب الأنطولوجي، الذي يرهن رؤيته بالتخيّل، وبصناعة الوجود الضد، والرؤيا الضد، والحلم الذي لا تسنده سوى اللغة بوصفها عصا الساحر والحكيم والمجنون..