انقسامات في الشارع نفسه وربما في البيت نفسه.. نزاعات لا تنتهي. وشلالات من الدماء العربية المتدفقة.
ولكن لو توقفنا للحظات ودققنا في تاريخ إنسانيتنا المخدرة لوجدنا أنّ الموت يوحدنا. والحب أيضاً يوحدنا.
كل المعارك السياسية والدينية والمناطقية تقع على الجسر الذي يربط الضفتين. وكلها خاسرة.
جسر تثاقل بفعل القتل وتساقط الجثث فوقه. فطاح وطاحت معه أحلام شبابنا.
اليوم ونحن في مواجهة فيروس الكورونا اللعين نعود إلى الجوهر. إلى إنسانيتنا التي لا تستيقظ سوى بالحب. والموت!
منذ أيام استفاق العراق الموجوع على خبر زاده حزناً، رحيل لاعب كرة القدم المشهور أحمد راضي. رجل رياضي رفع اسم العراق عالياً حتى توحّد العراقيون على محبته.
العراق المتفرق، بين شيعة وسنة وأحزاب متنافرة لا شيء يوحدها، توحد في حزنه على أحمد راضي.
وكأن الغياب يبرز الجوهر وكأن الإنسانية تستفيق ساعة الموت.
هكذا نعته الحكومة كلها: الرئيس ورئيس وزراء ورئيس مجلس النواب، وكذلك المتظاهرون في ساحة التحرير، التي زارها سابقاً واستقبل يومها بالترحاب.
أحمد راضي المتسامح لم يفرق يوماً بين سنة وشيعة وأحب الجميع من دون تفرقة طائفية، وكان انتماؤه الأكبر للعراق. يقول في إحدى حواراته، بعدما اتهم بأنه تحول من المذهب الشيعي إلى السني:
«كعقيدة ليس لدي فرق بين السنة والشيعة، لا فرق بين من أحب آل البيت واعترف بشخوصهم وآمن بوجودهم، وبين من اعترف وآمن بصحابة رسول الله. أنا لا أميل إلى موضوع السب، وهذا لا يعني أنني بلا أصل. أنا مقتنع بعقيدتي، وأخوتي جميعهم شيعة وزوجاتهم سنيات، وأنا بدأت مع مذهب أبو حنيفة، أي أنني لم أكن على المذهب الجعفري، لكي أتحول إلى المذهب السني، فأنا بدأت مع أصدقائي السنة، ووالدتي أيضاً تصلي على مذهب السنة. بيت عمي 9 أفراد نصفهم سنة ونصفهم شيعة، زوجة عمي سنية وعمي شيعي».
نجد أنفسنا نتساءل دائماً في المواقف المصيرية: هل تقتصر الحياة على لحظات الحب وكل ما انفصل عن تلك اللحظات هو العدم؟ هل الموت هو لحظة صاعقة تقوى فيها الحياة، وتصل المشاعر الإنسانية إلى أقصى ذروتها؟ هل كانت ستشتعل الحروب لو لم يعش بعضنا الحياة وكأنها خالدة؟
هنا أستعيد ما كتبه جوستين غاردر في روايته فتاة البرتقال: الحياة قصيرة بالنسبة للذين يدركون حقاً أن العالم سوف ينتهي يوماً لا محالة. لكن البشر ليسوا قادرين جميعاً على فهم تلك الحقيقة، حقيقة الرحيل الأبدي الخالد. هناك أشياء كثيرة تنبئنا بتلك الحقيقة، ساعة بساعة ودقيقة بدقيقة».
ربما موت لاعب العراق المحبوب هو واحد منها.
تحدث راضي عن موته في حياته في إحدى المقابلات التلفزيونية على قناة «التغيير» العراقية قائلاً:
«أهم شيء حسن الخاتمة. الله يتقبلنا عنده. ما في إنسان لا يخاف من الموت، لكن أهم شيء يكون جاهز للموت ويعمر قبره».
لو تمعنا في تلك الكلمات لعرفنا أنه كان يعيش وهو مدرك أن الحياة رحلة قصيرة يعيشها المرء ليترك خلفه شعلة نور وإن كانت صغيرة. لا أحد يبني قبره إلا إذا كان جاهزاً للرحيل بأعماله الطيبة وبصمته المشرفة في هذا الكوكب المتقهقر. لا أحد يبني قبره إلا إذا كان يعيش سلاماً مع نفسه ومع الآخرين.
لقد رحل بطلنا بعد أن هزمت الكورونا جسده القوي ولكنه غاب ليذكرنا أننا حين نغادر هذا العالم سنترك كل شيء خلفنا ونرحل بصمت. والإرث الأبدي الوحيد هو حقل المحبة الذي ينمو حول القبر ويرتفع حد السماء.
وكما ذكر غاردر في روايته: «لسنا في هذا العالم إلا لهذه المرة الوحيدة».
طوبى لكل من يجيء لينشر الحب والجمال.
فلسطين تزغرد لعريسها ومن العراق إلى فلسطين الحبيبة
قصة أخرى تشعل مواقع التواصل الاجتماعي وتنقلها العديد من القنوات العربية مثل «بي بي سي» عربي وغيرها.
شاب فلسطيني يدعى صلاح حسين يخترق الزنزانة بقوة الحب.
لقد اعتقل حين كان يدافع عن أرضه مثله مثل الكثيرين من المناضلين الفلسطينيين بتهمة انتمائه للجناح العسكري في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كتائب أبو علي مصطفى. احتجز في سجون العدو الإسرائيلي الكريه لمدة خمس عشرة سنة، افترق خلالها عن زوجته قبل إتمام العرس . لكنه لم يستسلم للظلم.
هكذا استطاع تهريب نطفته من خلف قضبان السجن منذ حوالي خمس سنوات لتحمل زوجته في غيابه وتنجب طفلهما الوحيد.
أفرجت عنه السلطات الإسرائيلية مؤخراً فخرج ليجد زوجته المحبة والوفية بانتظاره حاملة على يدها طفلهما الصغير علي .
هل هناك قوة أقوى من الحب؟
لم يلغ العرس. فقط تأجلت الفرحة خمس عشرة سنة ليحتفل يوم الإفراج عنه بحضور ولده الصغير. ليصبح ابنه أول طفل فلسطيني يشهد زواج والديه.
زفته ضيعته «بيت دق» بأكملها. زفت الحياة.
ألم نقل سابقاً أن لا شيء يبقى سوى الحب؟
*كاتبة لبنانيّة