أحمد زين… سرديات المكان وأوهام الشخصية الأيديولوجية

يأخذنا الروائي أحمد زين عبر سردية المفارقة إلى حكايات تنشغل بالبحث عن الوجود، وإلى شخصيات يساكنها القلق والخوف بفوبيا اللامكان، إذ يلامس خفايا نفوسٍ قلقة، مضطربة، تعيش محنة الهوية، والصراع الأيديولوجي، يغمرها عجز الهزيمة والانكسار، ووحشة الاغتراب، ولا تملك سوى الاعتراف، والبوح، والكشف الفاضح من سير ووثائق يومياتها وأسرار جماعاتها الحزبية والثورية، النزقة والحالمة، الخائنة والانتهازية.
في روايته الجديدة «فاكهة للغربان» الصادرة عن منشورات المتوسط/ ميلانو/ إيطاليا/ 2020، يقترح الروائي مسارات سردية لروايته، تبدأ من التوظيف البؤري لمدينة عدن، ولا تنتهي عند سردنة أوهام الشخصيات الهاربة إليها، إذ ينفتح اشتغالها على عتبات سيميائية لها دلالاتها في الأسماء، والأماكن، وفي «تزمين السرد» فالعنوان له بلاغته، والشخصيات لها حمولتها الرمزية، وفضاء الحكي له تجلياتها عبر ثنائية الملاحقة والكشف، حيث تبدو وظيفة الملاحقة وكأنّها تقصٍ لمحنة المدينة مع شخصياتها الطارئة، وحيث تبدو وظيفة الكشف كسرا لما هو مضمر، وتعرية لتلك لشخصيات المُطاردة، ولعلاقتها مع «نسق المدينة المُهرّب» من التاريخ إلى الأيديولوجيا.
المدينة هي بؤرة السرد في الرواية، إذ تحضر عبر دلالتها كمكان نسقي، وعبر تاريخها الغاطس في الذاكرة، والمتوثب في لعبة السرد، وعبر شخصياتها، وبما يجعل فاعلية السرد تقوم على ربط هذه الوحدات بطاقة الحكي، وبتوزيع لعبة وظائف، حيث تتكشف مستويات التقاطع والتناقض، بين ذاكرة المدينة والأدلجة، وهي ذاكرة مُلفقة، أو بين الشخصية والمكان، حيث تبدو الشخصيات الهروبية، تائهة، تعيش متاهة «يوتوبيا الأيديولوجيا» عبر بحثها عن المكان الغائب.
يرسم الروائي بنيات تمثيلية للأحداث، يستدرج عبرها تلك الشخصيات، لكي تمارس وظائفها في بنية السرد، عبر مستويات الحوار والحركة والتحوّل، التي يقترح لها مسارات سينمائية، تقوم على تواتر المشاهد، وعلى تحريك لعبة الحكي للشخصيات، حيث تكشف عن ضجيجها الداخلي، وعن أوهام اغترابها، في مدينة تصنع وجودها الأيديولوجيا، أكثر ما يصنعه التاريخ. تعمد الرواية إلى اختيار منصة الاعتراف كمدخل سردي لممارسة لعبة الكشف عن المحذوف في نسق المدينة، عبر تقانة المذكرات، التي يُستدعى البطل لكتابتها، وتوظيفها في تعرية ما يبدو غامضا وملتبسا في يوميات شخصياته اللاجئة، ولما هو خفي في سيرها الإيهامية الأيديولوجية، النضالي والثورية. علاقة ثيمة الاختفاء بالجسد، تبدو نظيرة لعلاقة الشخصية بالمكان الهروبي والأيديولوجيا، حيث تتحول وظيفة الاعتراف إلى لعبة مضادة للاختفاء، فالمذكرات التي تتحول إلى بؤرة سردية لإضاءة علاقة نورا بالزعيم الأيديولوجي «جياب»، وللكشف عن طبيعة تلك العلاقة، بوصفها علاقة مهيمنة، لكنها مُحركة للأحداث، وللضجيج الأيديولوجي الذي تعيشه الشخصيات الأخرى، ويبدو مشهدها وكأنه نوع من السرد الخارجي، الذي تتعدد وظائفه، لكنه يتجوهر في تعرية الأوهام الكبرى، وهي تشتبك مع أضحوية الحلم الأيديولوجي، وفي إبراز العلاقة الإيهامية للشخصيات بالمكان، ولسردنة ثنائية الغياب والفقد، الذي تعيشه العشيقة «نورا» عبر تعالقها مع غياب «جيان»، ومع كآبة جسدها المهمل، ومع تشوه تاريخها المشبوك بأوهام الأب ذي الأصول البورجوازية، والعشيق ذي الاحلام الثورية.

الصورة السردية لمدينة عدن تبدو غائمة، ومَن يتحدث عنها يبدو وكأنه يتحدث عن مدينة صنعتها الأيديولوجيا، وسرديات الرفاق، ما يجعلها مسكونة بأشباح الثورات والأحلام المخصية، وبحكايات الماضي، وهلاوس الشخصيات المضطربة والمأزومة، وهي شخصيات هلامية في رمزيتها الراديكالية

رواية «فاكهة للغربان»، رواية شخصيات مأزومة، متحولة، هاربة من المكان/ الموت، ولاجئة إلى المكان/ الأزمة، إذ تعيش رهاب صراعاتها واغتراباتها، وهي مسكونة بهواجس العبث واللاجدوى، وكأنّ الروائي أراد أن يُقدم من خلالها أنموذجا لمحنة الشخصية الأيديولوجية العربية، في المكان، وفي الهوية، وفي الحلم، تكشف عبر أوهامها الكبرى عن سمات انهيار الأفكار الكبرى، وعن تشوّه صورة مدينة اليوتوبيا الأيديولوجية المتخيّلة «لم يجد سوى هذه المدينة تهبه، مثل سائر الشيوعيين والفارين من بلدانهم طعاما ومسكنا وأيضا عملا».

لعبة الحكي ورهاب الشخصيات

الصوت الأنثوي الفاجع في استهلال الرواية، يوحي بشيفرة المحنة، وبعلاقة هذه الشيفرة بالحمولات الرمزية للشخصيات الأخرى، إذ يفتح لها الروائي أفقا تمثيليا للحكي السردي، ولوظائف الشخصية الروائية في التعبير عن حركتها في ذلك الأفق، وفي تأطير وجودها داخل مستويات الحكي، حيث تتبدّى تلك الوظائف ليس بوصفها وظائف «بروبية»، بل بوصفها نوعا من سيمياء التعبير عن مسار الحركة، والانتقال من مستوى سردي إلى مستوى آخر، عبر تعدد الأصوات، وعبر حركة الضمائر السردية، بوصفها أقنعة وظيفية لتلك الشخصيات، أو نواظم لتشكيل ما هو تمثيلي، عبر حيلة السرد، وعبر استدعاء تقانة الاعتراف، وعبر التسويغ الرمزي لفكرة الضياع السيميائي، حيث ضياع الحلم، والاغتراب، وحيث فقد الحبيب وتشوّه الجسد الشهواني بالسوائل الحارقة.
ما يتبدّى في بنية الضياع يتحوّل إلى خلفية سردية، وإلى مجموعة من المقاربات التي تتعلّق بتناصات تاريخية ونفسية، وبصراعات خفية تحوكها تلك الشخصيات الضائعة، عبر تمثيلها في التركيب البوليفونية للرواية، بوصفها رواية أصوات صاخبة، أو رواية أقنعة تعيش مأزق هروبها للمخفي، أو للتشظي الداخلي، حيث تعيش شخصياتها رهاب النفي والهزيمة، والخوف، والتآمر، والخيانة، والشبق، والكراهية.
«نورا تحكي مذكرتها بألم إلى صلاح، تُسلّمه تسجيلات ووثائق، حتى يخال وكأن اعترافها هو ثأر من نفسها، ومن كل الرفاق، حيث يتم من خلال ما تنسبه لجياب نفسه، وما تزعم أنه فهم خاص منه لهم». صلاح هو الآخر مشغول بمحنته الوجودية، وهذا ما ينعكس على رغبته في الإصغاء، وفي التدوين، فلا يجد في كتابة تلك المذكرات، سوى فرصة لاستعادة وعي أزمته، ولإشباع رغبته في معرفة أسرار تلك الشخصية القوية، والضعيفة أمام الجنس، وللتحري عن علاقة نورا الغامضة بالآخرين، فالجميع يتحدثون خائفين وقلقين عن أزمتهم، مثلما يتحدثون عبثا عن قضايا إشكالية، مثل جدوى الثورة، والحرب العراقية الإيرانية، وعن الصراع بين الشيوعيين ذاتهم، الذين يجمعهم الهروب من الاستبداد، وتفرقهم رغبتهم في المراجعة، وفي تفكك أحلامهم، وتصدع ذاكرتهم حول المركزية الطهرانية التي جعلتهم أقرب للحلم من الواقع.
الصورة السردية لمدينة عدن تبدو غائمة، ومَن يتحدث عنها يبدو وكأنه يتحدث عن مدينة صنعتها الأيديولوجيا، وسرديات الرفاق، ما يجعلها مسكونة بأشباح الثورات والأحلام المخصية، وبحكايات الماضي، وهلاوس الشخصيات المضطربة والمأزومة، وهي شخصيات هلامية في رمزيتها الراديكالية، فحضور «فوساكو شيجنونو رئيسة الجيش الأحمر الياباني، إلى جوار مناضلين إرتيريين، وآخرين من نيكاراغوا والسلفادور»، لا يعني الحديث عن مدينة كوزموبوليتية، ولا عن مدينة يوتوبية «يهبطون إليها فرارا من جحيم، وتوقا إلى أرضٍ تنمو فيها الأحلام»، بقدر ما يعني تعويما لذاكرتها وهويتها، ولصورة المدينة الضائعة بين الفخِّ، والتاريخ، فتلك الشخصيات العابرة – جياب، صلاح، نورا، نضال، عباس، بقطاش الذي ورث الانتماء من خاله الشيوعي، سناء- لا يملكون انتماء عميقا للمدينة، وأنهم لا يجدون أنفسهم إلّا مسكونين بهاجس الطرد والفقد، لاسيما بعد أن تفقد المدينة شغفها الأيديولوجي، وتُعلن عن نقائضها العميقة، «الحياة في عدن تصبح رويدا رويدا قاسية».

سردنة الأنثى والرائحة

عناية الروائي بالشخصية الأنثوية في الرواية، تتجسّد عبر عنايته بحضورها السيميائي، والتعبيري، فالأنثى تشبه المدينة في التمثيل الأضحوي، وفي امتلاكها لطاقة الحكي، كقوة تعويضية، أو اعتراف فاجع بالخيبة والوجع، لاسيما بعد أن هرب الجميع من أوهام المكان والأيديولوجيا، ليتركوا «نورا» صاحبة المذكرات أمام وحدتها ووحشتها وماضيها، وأمام شغفها القديم باستدعاء التحولات التي عاشتها، عبر عملها راقصة فنون شعبية، أو عبر انخراطها في التعليم المهني، أو عبر تمردها الطبقي ونزوعها نحو النزق الثوري، وتلذذها التعويضي بوظيفة العاشقة للرجل الذي قتلته الأيديولوجيا.
رغبتها العميقة لكتابة مذاكرتها، تبدو محاولة تعويضية لتدوين سيرة مُتخيّلة، لا تقوم على الأحداث، بل على مشاعرها المقصية، التي ينعكس فيها الفقد، والوهن والإحساس المرعب بالخوف والضآلة، وهي مشاعر لم تستطع نورا أن تتخلص منها، مثلما لم تستطع أن تتخلص من ماضيها الطبقي والاستعماري، وهو ما حاول الروائي استثارة رمزيته لترسيم صورة شخصيتها المضطربة، فحرق قدميها قد يكون كناية عن العطب، وعن فقد الحركة والتحوّل، مثلما أن اختفاء «جياب» هو كناية عن الغياب الأيديولوجي، وعتبة العنوان «فاكهة للغربان» تُحيل إلى ثنائية الجسد والمكان، حيث تحضر العلاقة الرمزية بين الغربان والأمكنة المهجورة والجثث المتروكة، وربما هي مقابل للحديث عن الأفكار المهجورة، كما أن إحالة عبارة «فاكهة» إلى الغربان تبدو وكأنها تماهٍ مع إحالتها للجسد المتفسخ، ولرائحة عفونة قدميها، ولوجود علاماتي للكارثة، تلك التي يقول فيها صلاح ساخطا بأنّه: «يتعرف على الكوارث من رائحتها».
ثنائية الرائحة – رائحة الجسد ورائحة الكارثة- تُحيل إلى رائحة الغياب، بوصفها الدلالي الباعث على الفقد، وعلى الإحساس بكآبة المكان وضياعه، حيث يتحوّل الجسد المتعفن إلى مسرود حكائي، بمعناه الضدي، أو معناه المتوازي الذي يقابل عفونة الفراغ ذاته، بكل ما يبعثه من هواجس مضطربة، ومن إحساس بالعتمة، حيث يفقد المكان الأيديولوجي سحره القديم، مثلما يفقد الجسد البهي سطوته القديمة وشغف رفقته وشبقه، إذ «لم ير أحدا من الزملاء القدامى، وكانت المكاتب شبه خالية، صمت مطبق يغشاها».

٭ كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية