غادرنا خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2020 علم من أعلام الثقافة والإعلام المغربيين. لم يثر اختفاؤه عنا ما يليق بشخصية مثله، ومن وزنه ودوره في إعطاء فن الشعر الملحون مكانة متميزة. إنه الشيخ أحمد سهوم. ولد في فاس، تربى في فضاء المدينة العتيقة في بيت يملؤه الافتتان بالثقافة والطرب الشعبيين. فحفظ المتون الشعرية وعشق الملحون، واشتغل بالخرازة. لكن ظروفة الحياتية الخاصة فرضت عليه الانتقال إلى سلا ليعايش الاهتمام نفسه مع مجموعة من الشيوخ، فكان له دور مهم في تأسيس أول ناد للملحون في المدينة. التحق بالإذاعة والتلفزيون في بداية عهدها في الستينيات فأصر على أن تكون له برامج خاصة بالثقافة الشعبية وبالملحون، واستطاع بحنكته ومراسه إقناع المسؤولين بضرورة ذلك، وهم الذين كانوا يرون أن ما ينافح عنه يتصل بالحلاقي وبثقافة الأسواق والمجالس الشعبية!
لم ألتق قط بأحمد سهوم، ولكني تعرفت عليه من خلال برامجه التلفزيونية، خاصة «التراث الحي» وهو من أوئل برامج التلفزيون المغربية، والإذاعية «القول القرآني، والفعل الرباني» التي ظل يقدمها في إذاعة محمد السادس حتى أيامه الأخيرة، وكذلك من خلال بعض كتاباته. أحببت الرجل وصار له موقع خاص في نفسي، شأن كل من تتبع برامجه المختلفة.
أول ما يثيرك في الرجل هو طريقة كلامه وأدائه، ويذكرني بأبي العتاهية الذي قال إن بإمكانه جعل لغته اليومية كلها شعرا. كذلك كان سهوم يتكلم دارجة مغربية راقية وشفافة، عفوية وموزونة تزخر بالأمثال وأقوال الزجالين والصالحين، وشيوخ الملحون. تصل كلماته، وطريقة أدائه إلى شغاف القلوب، برناتها وإيقاعاتها وحمولاتها الدلالية والمعرفية. تلمس فيها رقةً وعذوبةً وسيولة، تذكرك بلغات أمهاتنا وجداتنا في حالات الصفاء والوداعة، ولا مجال لمقارنتها بدارجتنا التي نتكلم بها حاليا. كنت أذهب إلى القول: إنه من القلائل جدا ممن يتكلم الدارجة المغربية ببلاغة وفصاحة نادرتين.
إن فقدان عميد الملحون كان ينبغي أن يكون بداية جديدة للتفكير في ترهين علاقتنا بهذا التراث، لأن موت بعض الشخصيات ـ المدارس مثل التي فقدناها خلال السنة الماضية (المنيعي، الصايل..) خسارة كبرى ما لم يجدَّ التفكير في إمكانية تطوير مشاريعهم واستمرارها.
لا غرابة في أن تكون لأحمد سهوم هذه الخاصية المميزة، فقد جمع بين الثقافتين الشعبية والعالمة بالرواية والدراية معا. عاشر الحرفيين وأبناء الشعب، كما تعامل مع شيوخ الملحون والفقهاء والمثقفين. فكان أن اجتمعت له بذلك خصال وخلال. يمكنه أن يتحدث عن القرآن الكريم بالطريقة نفسها التي يتناول بها قضايا الملحون، محللا وشارحا بوضوح وعمق، إنه ذخيرة ثقافية واسعة، وبفقدانه تنطفئ جذوة معرفية نادرة. زاوج سهوم بين النظرية والتطبيق، وبين الإبداع والتحقيق. وبين الشفاهي والكتابي. إن برامجه الإذاعية والتلفزيونية تعد بحق مصادر ثقافية في كل الموضوعات التي تناولها. ولعل جمعها وتدوينها جدير بوضعنا أمام مساهمات جلى في مختلف ضروب المعرفة المتصلة بالدنيا والدين. كما أن كتاباته المتفرقة تدل على مكانة الرجل وإسهامه في إثراء التراث المغربي والعربي.
إن كتابه حول: «الملحون المغربي» (1993) يبين لنا بجلاء معرفة أصيلة بالملحون وقدرة فائقة على إدراك خصوصياته، وما يتميز به سواء على مستوى جمالياته، أو أوزانه أو موضوعاته. وإلى جانب ذلك نجد سهوم شاعرا حقيقيا ومبدعا أصيلا. لقد أنتج قصائد في الملحون لا حصر لها. ويمكن اعتباره من الشعراء المجددين المعاصرين، الذين لم يقفوا عند حدود تقليد شعراء الملحون الكلاسيكيين، سواء في الموضوعات المتناولة، أو طريقة التعبير، فقد تعدى ذلك باقتحامه موضوعات جديدة، لم يسبق إليها، تتصل بالعصر الحديث، سواء في القضايا السياسية، أو الاجتماعية، أو الثقافية. وديوانه الذي أصدرته أكاديمية المملكة المغربية تحت إشراف وتقديم عباس الجراري، ضمن سلسلة موسوعة الملحون (2018) خير دليل على ذلك. يضم هذا الديوان 173 قصيدة، ويقع في أكثر من ألف ومئة صفحة، ولم يتأت هذا لأي من شعراء الملحون العشرة، الذين قدمت دواوينهم في هذا السلسلة، ولا يكاد يدانيه في العدد سوى الشاعر التهامي المدغري في ديوانه (2010) الذي يضم 117 قصيدة، أو الشاعر محمد بن علي المسفيوي الدمناتي في ديوانه (2016) الذي يفوقه في العدد (193 قصيدة).
إن الملحون إبداع شعري متطور جدا أبانت فيه الذائقة المغربية عن خصوصية جمالية وموضوعية. ومن معطف الملحون خرجت المجموعات الغنائية جيل جيلالة، وناس الغيوان. وقبل ظهور هاتين المجموعتين في السبعينيات، كانت التجربة المسرحية المتميزة مع رائد المسرح المغربي الطيب الصديقي في رائعته «الحراز» التي استلهمها من الشعر الملحون. هذا الفن الأصيل وذو التاريخ، ظل مجالا لعشاقه ومبدعيه في بعض المدن والحواضر المغربية. واستطاع مع الزمن، ومن خلال مجهودات باحثين أكاديميين رواد مثل محمد الفاسي وعباس الجراري وغيرهم أن يحظى ببعض العناية والرعاية التي تبدو في العمل، الذي أقدمت عليه أكاديمية المملكة المغربية، بطبع ونشر المعلمة والموسوعة، وما يقوم به بعض الباحثين من جمع المتون، وإنجاز دراسات حوله.
إن فقدان عميد الملحون كان ينبغي أن يكون بداية جديدة للتفكير في ترهين علاقتنا بهذا التراث، لأن موت بعض الشخصيات ـ المدارس مثل التي فقدناها خلال السنة الماضية (المنيعي، الصايل..) خسارة كبرى ما لم يجدَّ التفكير في إمكانية تطوير مشاريعهم واستمرارها.