أحمد شنيقي: مثقفو السلطة ومعارضوها

حجم الخط
1

نادراً ما نُصادف سير مثقفين أو فنانين جزائريين، نستحضر أعمالهم، كلما سنحت فرصة، نعدد أثرهم، نثرثر يميناً وشمالاً ونواري حياتهم، كما لو أنها وزر لا نلقي إليه بالنظر، نخفي عيشهم ومواقفهم ومعاركهم كي لا نصل إلى نقطة خلاف تتفرق بعدها السبل، فحياة المثقفين الجزائريين تكتظ بسوء الفهم، لكن الناقد والأكاديمي أحمد شنيقي (1954) نبش في الماضي، أيقظ أسماء مهمة من النسيان، ودوّن شذرات من سيرهم، في كتابه الأخير «لقاءات (شبه) متخيلة مع فنانين ومثقفين جزائريين» (2019)، والحقيقة أن غالبية الأسماء التي وردت في الكتاب التقاها المؤلف، والبعض منها اعتمد في كتابتها على أرشيف وشهادات سمعها من مقربين منهم، لذلك فضل عنونته (شبه متخيلة). «ربطتني صداقات، وأخرى لا تزال قائمة، مع بعض منهم»، يقول شنيقي، بدون أن ينفي أن «الذاتية» تطفو على السير التي كتبها، فهو يتحدث عن أصدقاء له، عن مقربين منه شاركوه العمل أو الهواجس ذاتها، بعضهم لا يزال على قيد الحياة، حاول من خلال استعادتهم، «التأريخ للفضاء الفكري» في البلد، مركزاً على أسماء «ناضلت من أجل جزائر ديمقــراطية»، يُضيف.
«لا أحب أن أتكلم عن الأشخاص، بل أفضل الكلام عن نتاجهم»، يذكر في مقدمة الكتاب، ولكن من خلال متابعة نتاجهم وسجالهم، صخبهم وعزلتهم، يقدم المؤلف مادة خصبة، في التعريف بمثقفين وفنانين، يتسلل إلى حياتهم وجزئيات من عوالمهم الحميمة، يصف لحظات صمتهم وضجيجهم، يراقب حركاتهم وسكونهم، يستعيد سنواتهم السابقة ونضالاتهم، ويصح أن نعتمد هذه المادة كنواة في التوسع في سيرهم مستقبلاً. في فصل عن مصطفى الأشرف (1907 – 2007)، الذي عُرف كسوسيولوجي ومناضل في الحركة الوطنية، ثم وزيرًا ودبلوماسياً في أمريكا اللاتينية، «والذي كان يفقه كيف يُدار نظام العسكر، وأين يكمن جوهر الحكم»، يُخبرنا شنيقي عن مشروع الأشرف الذي لم يكتمل، عن الكبت الذي لازمه طويلاً، في أن يكتب رواية ظلت مسودة، كلما أراد أن يتقدم فيها توقف، وعن رغبته ـ التي لم يُجاهر بها في حياته ـ أن يهجر السياسة ويعود إلى حياته الأصلية شاعرا.
«من خلال تقديم تلك الأسماء، مع بعض الذاتية، وتقديم نتاجهم، فأنا أقدم ما يُشبه خريطة ثقافية للجزائر»، يصرح شنيقي، الذي يعود في الكتاب نفسه إلى لقائه مع محمد أركون في باريس، «الذي كان وجهه يلمع كلما ذكر أمامه اسم إدوارد سعيد». ويردف شنيقي: «لا يمكن أن نذكر أركون دون ذكر مسألة الغيرية، الوضعية المأساوية للمثقف العربي وعلاقتنا بالإسلام»، تلك الوضعية الصعبة، التي عاشها ويعيشها المثقف الجزائري، وصدامه المتكرر مع السلطة، لم تغب عن فصول الكتاب، فقد عاش غالبية المثقفين الجزائريين في تشابك دائم مع السلطة، في أخذ ورد معها. «كلهم يُجاهرون بانخراطهم في السياسة، المجتمع، الأدب، الفن، الفكر، في نتاجاتهم وأيضاً في تصريحاتهم»، يقول المؤلف. في سؤال عن علاقة المثقفين بالسياسة، يجيب صاحب الكتاب: «كلهم ربطتهم علاقة بالساسة والسياسة. ذلك ما تشهد عليه روايات محمد ديب وكاتب ياسين في الحقبة الكولونيالية. ثلاثية ديب الواقعية: «الدار الكبيرة»، «الحريق» و«النول»، ونصا كاتب ياسين: «نجمة» و«دائرة القصاص». وهي نصوص تخوض في ضرورة التحرر.

هذا الوضع الذي يتعالى فيه السياسي على المثقف، ويحيله فيه إلى درجات دنيا، لم يتأت فقط بعد الاستقلال، بل حصل أيضاً أيام حرب التحرير، ويواصل شنيقي كلامه: «عرف رونيه فوتيه وفرانز فانون مشاكل جمة في تونس» في فترة الحكومة الجزائرية المؤقتة، نهاية الخمسينيات.

واصل محمد ديب، بعد الاستقلال، متابعة الوضع السياسي، لاسيما في كتابيه: «رقصة الملك» و«ألف مرحى لمتسولة»، والحال نفسه مع كاتب ياسين، الذي انتقل من الكتابة بالفرنسية إلى العامية، كي يبلغ صوته ـ كما قال ـ الطبقات الشعبية، مفضلا التوجه إلى مسرح سياسي، كما فعل عبد القادر علولة، لم يتوقف الطاهر وطار عن مناقشة السياسة، منذ نصوصه الأولى في تونس، خلال حرب التحرير وبعد الاستقلال، في «اللاز»، «الحوات والقصر» و«الشهداء يعودون هذا الأسبوع». ولم ينقطع رشيد ميموني عن مجادلة الوضع السياسي، لاسيما في روايته «النهر المحول». والحال نفسه مع الطاهر جاعوط، الذي كتب نصوصاً تتنبأ بما سوف يحصل». ومن خلال مواصلة قراءة الكتاب، يحيلنا شنيقي إلى الوضع الصعب الذي يحيا فيه المثقف الجزائري. «كانت وضعية المثقفين دائماً مأساوية. يعانون تهميشاً في بلدهم. مرغمون على نشر نصوصهم في الخارج. مضطرون للمنفى. بعضهم عرفوا السجن وآخرون التعذيب في الجزائر»، يضيف، مشيراً إلى حالة الشاعر بشير حاج علي، الذي سجن وعُذب عقب معارضته للانقلاب العسكري (1965).
هذا الوضع الذي يتعالى فيه السياسي على المثقف، ويحيله فيه إلى درجات دنيا، لم يتأت فقط بعد الاستقلال، بل حصل أيضاً أيام حرب التحرير، ويواصل شنيقي كلامه: «عرف رونيه فوتيه وفرانز فانون مشاكل جمة في تونس» في فترة الحكومة الجزائرية المؤقتة، نهاية الخمسينيات. كانت السلطة، من حين لآخر، توهم الآخرين بفتح ورشات تعيد التفكير في وضعية ومكانة المثقف، لكنها لم تخرج من شقها النظري. ويتساءل شنيقي: «ماذا وقع بعد المناقشات التي دارت حول الثقافة والمثقفين في عامي 1963 و1964، التي نشّطها مثقفون من بينهم محمد بودية، مصطفى كاتب، مراد بوربون وآخرون؟». لم تكن السلطة تشعر بارتياح تجاه المثقف «كل نقاش جاد حول الثقافة يُضايق أصحاب القرار» يؤكد. ففي السنوات الأولى التي تلت الاستقلال، لم يكن يسمح بنقاشات ثقافية، وازدهرت حينها الرقابة، وظن البعض أن الوضع سوف يتغير، لكن التضييق ازداد حدة مع الوقت. ويتساءل شنيقي: «هل المثقف له مكانة في أعين الحكام؟ أم أن دوره يقتصر على حاجتهم إليه؟». هذه الوضعية أنجبت جيلاً من المثقفين يسير في فلك السلطة، ويبالغ في مدحها، عدا بعض الاستثناءات.
في كتاب «لقاءات (شبه) متخيلة مع فنانين ومثقفين جزائريين»، نُطالع شذرات من سير 28 كاتباً وفناناً جزائرياً، من أجيال مختلفة، وعدا الأسماء التي وردت سلفاً، نذكر آخرين منهم علي الكنز، يمينة مشاكرة، مايسة باي، سليمان بن عيسى، عز الدين مجوبي، محمد لخضر حامينة، رشيد بوجدرة وغيرهم، وبقدر انخراط تلك الأسماء في السياسة، يتبادر السؤال عن المثقف اليوم، الذي يُتهم بالتأخر عن مساندة الحراك الذي مرّت عليه سنة، لكن أحمد شنيقي يرى العكس: «كثير من المثقفين فككوا ميكانيزمات السلطة وقاوموها. وهم من أطلق عليهم الأقلية الفاعلة. أما الآخرون فهم يدورون في فلك الملك، استفادوا من الإعلام، وكثيراً ما مجدوا بوتفليقة. دائماً هناك أقلية فاعلة في مواجهة أغلبية من مثقفين يروج لهم الإعلام».

٭ كاتب من الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية