أكثر ما يخيف كاتب زاوية أسبوعية، جنّد نفسه للدفاع عن قضية معيّنة، هو تكرار ذاته، لكن الكتابة عن غزة، وما يفعله جيش الاحتلال من المستحيل تجاهله.
فالقتل والإجرام بأشكاله كافة يأخذ أسبوعياً قالباً متجدداً يحتاج مجلدات كاملة لتغطيته وفضحه، فجنود الاحتلال الإسرائيلي لا ينتمون للبشر، بل لفئة الثعابين التي تجدد جلدها بشكل دائم، تلك الحيوانات الزاحفة من ذوات الدم البارد السام، دم متحجر يؤهلها للتفنن بأكل لحوم البشر!
في كل مرة يخال لك أنهم استنفدوا كل وسائل القتل والتنكيل، يتبين أنك واهم. فإسرائيل لا تنقصها الابتكارات الدموية، بل تكاد تكون مصنعاً للوحشية، ينتج أصنافاً جديدة من الجحيم لتُستهلك بدم بارد.
والكاتب، في مواجهة هذا الواقع المتجدد، يجد نفسه في معركة غير متكافئة مع الحروف؛ إذ كيف يمكن للكلمات أن تواكب إيقاع الموت السريع والعنف الممنهج؟ ربما يحتاج الكاتب لابتكار لغة جديدة، لغة تتناسب مع هذا الزمن، الذي تفوقت فيه القسوة على البلاغة، حيث أصبحت الكتابة عن غزة ليست دفاعاً عن قضية، بل صرخة عجز أمام آلة القتل التي تزداد تعطشاً وتدميرا يوماً بعد آخر.
ربما يكون الخوف من تكرار الذات هو ترف لا يملكه كاتب يتابع يوميات غزة. فبينما تتجدد طرق الإبادة وأشكال العنف، يُجبر على إعادة تدوير غضبه وحسرته في قالب جديد كل أسبوع، وكأنه يحاول النفخ في رماد الحروف، بحثاً عن شرارة قد تضيء قليلاً في هذا الليل الطويل.
لكن الحقيقة المرة أن الكتابة عن غزة باتت مثل السير على أرض متصدعة، كل خطوة تتطلب حذرًا، وكل كلمة تحمل عبء العالم.
وحتى لو أراد الكاتب الهروب إلى قضايا أخرى، يجد نفسه مشدوداً، كما لو أن هناك مغناطيساً يجذبه نحو هذه البقعة الجغرافية، التي تحولت إلى مرآة تعكس أقسى أشكال الانحطاط البشري. فربما لن يتكرر الكاتب ذاته، لكنه سيظل يكرر الحقيقة التي لا مفر منها: في غزة، لا نهاية لهذا الكابوس، فقط فصول جديدة من الجحيم تنتظر أن تُروى!
ما حصيلة الأسبوع من قصص مرعبة جديدة، ومن هم ضحايا العدو الإسرائيلي؟ ومن أين نبدأ؟
قصص كثيرة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي وتناقلها رواد الـ»سوشيال ميديا» من أصحاب القلوب القوية لما تحمله من آلام تصعب متابعتها، هل نبدأ بواحد من أخطر الإرهابيين المتواجدين في شمال غزة؟ قد يكون واحدا من الذين يهددون عرش إسرائيل، وكان لا بد من وضع «حد لبكائه الهستيري»! إنه الرضيع الذي نسف نصف وجهه، وكان لا بد من إصابته بشكل مباشر كي لا يشرب حليب العدو. لقد تمكن جيش الاحتلال من تصفيته قبل أن يظهر سنه الأول ويزداد خطر اقتراب تحقيق نجاح قضم قطعة خبز؟!
ومن بين هؤلاء «التهديدات الوجودية» تأتي قصة الطفلة، التي انهارت باكية بعد أن فقدت أشقاءها الستة في قصف إسرائيلي دقيق للغاية. ربما كانت تعتقد ببراءة الطفولة أن العائلة نعمة، لكن جيش الاحتلال سارع بتعليمها درساً قاسياً: أن العائلات في غزة مجرد أرقام لتحقيق الأهداف المعلنة في تخفيض «الإرهاب» بطريقة مبهرة.
ولا يمكننا أن ننسى قصة إرهابية خطيرة أخرى. تلك الطفلة التي تقطن شمال غزة. لقد وقفت تنتظر دورها للحصول على «كوبونة» لحم. كانت تراقب العائلات الكبيرة تتسلم حصصها، متسائلة في براءة لماذا لم يأتِ دورها بعد. لم تكن تعرف أنها ووالدتها لا تستحقان الطعام، فهما مجرد اثنتين على قيد الموت. إلى أن يقرر جيش الاحتلال أن وجودهما هو أكثر من مجرد تفصيل يمكن تجاوزه!
وفي بقعة ليست بعيدة ألقي القبض على الإرهابي، الشاب الجامعي، الذي كان يخطط «بكل وقاحة» للحصول على شهادة في الهندسة المدنية.. تخيلوا حجم التهديد الذي يشكله شاب مثله على أمن «الدولة العظمى»! فهو قد يجرؤ على استخدام معرفته لبناء جدار أو سقف يحمي أسرته من المطر أو حتى من القنابل.. يا له من كابوس يهدد الجيش «الأكثر أخلاقية» في العالم، لكن لا تقلقوا فقد سارع جيش الدفاع إلى إحباط مشروعه الإرهابي في مهده وقطع عليه الطريق نحو أي مستقبل قد يراود أحلامه!
أحمد طه صوت من أصوات الحق
في عصر باتت فيه الكلمة والصورة سلاحا، لا يقل أهمية عن أي قوة عسكرية، برز بعض أبطال الإعلام المرئي كحماة للحقيقة وكاشفين للظلم. أحمد طه، مذيع قناة «الجزيرة مباشر» يمثل اليوم أحد هذه الأصوات القوية، التي لا تهادن ولا تتردد في كشف زيف الروايات المزيفة وتعرية وجوه الطغاة. لطالما نقل بمصداقية تامة آلام أهل غزة، مسلطًا الضوء على معاناة الأطفال تحت وطأة الاحتلال، ومظهرًا للعالم مدى وحشية هذا الاحتلال الذي لا يعرف للرحمة طريقًا.
ففي حواره الأخير مع وزير الاتصالات السابق أيوب قرا، قدم درسًا في المهنية والشجاعة الإعلامية. هكذا انتشر مقطع من الحوار كالنار في الهشيم على سائر وسائل التواصل الاجتماعي، فهو لم يكن مجرد مقابلة، بل كان مشهدًا تراجيديًا يبرز الفجوة الشاسعة بين الحقائق التي يرويها الضحايا والأكاذيب التي يروج لها الجلادون.
ففي لحظة من اللحظات، طرح أحمد طه سؤالا بسيطًا، لكنه محوري: «هل ترضى بوجود دولة فلسطينية؟» تكرر السؤال مرات عدة، وكان تهرب الضيف من الإجابة، كاشفًا لمدى ضعف وارتباك سردية الاحتلال.
لكن ما أثار الضحك الممزوج بالدهشة كان تصريحه أن دولة الاحتلال هي من «خلقت» فلسطين. تصريح يضحك حتى الطفل الرضيع الذي شوهت صواريخ الاحتلال وجهه.
في تلك اللحظة، كان أحمد طه متسلحًا بابتسامة خفية، ساخرة وتلقائية، ليقول له: «يا رجل، يعني مش فاهم يعني إيه خلقتوا شعب فلسطين.. قبل سبعين سنة كانت فين دولة الاحتلال الإسرائيلي؟»!
وهنا، كان الرد هو الانفعال والهجوم من قبل الضيف، الذي وجد نفسه أمام حقيقة لا يمكنه الفرار منها.
في هذا اللقاء، لم يكن أحمد طه مجرد مذيع، بل كان ضميرا ينطق باسم المقهورين، ليثبت أن الإعلامي يمكن أن يكون جنديًا في معركة الحقيقة، سلاحه الكلمة، ودرعه الشجاعة.
كاتبة لبنانيّة