أحمد عبد الحسين…الشاعر وسرديات سيرته المبعثرة

أنْ تشتبك كتابة السيرة أو بعضها مع الشعر، فالأمر قد يدخل في التباس مفهومي، أو تجنيسي، لكنها في المقابل ستبدو لعبة شهية وغاوية، لما للشعر من سحر، وقوة تعبيرية ستذهب بالسيرة إلى السعة، والإثراء، فضلا عن أن «شعرنتها» ستضعها إزء حساسية الكشف، واستعارة المفارقة، وإفضاء المساحة، إذ سيحقق الشاعر شهادته بقناع آخر، ويكشف عن ما تنطوي عليه من تجليات، ومن رؤى تجسّ المكبوت، والمسكوت عنه، لتبدو أكثر تمثيلا للاعتراف، وهذا ما يجعل هذا الفضاء «السيري – الشعري» مشبوكا إلى «لعبة خطرة» ينحلُّ فيها التمركز البؤري إلى طاقة للتجاوز، ولسعة التأليف، حيث ممكنات اللغة الشعرية، وحيث استظهار جاذبيتها، وحيث سوانح انثيالاتها الصوفية والعرفانية، التي تجعلها تنفر عن مرجعياتها البلاغية، وعن ذاكرة الأسحار والأدعية والتعازيم، لتؤسس ما يشبه الكتابة المضادة، تلك التي تستفز ما حولها، وتترك قارئها عند حافات اللذة والقلق والأسئلة.
الشاعر بطبيعته كثير التمرد، ليس لأنّ اللغة تبيح له هذا التشهي، بل لأنه يجد فيها ما يجعل الكتابة جزءا من قلقه الوجودي، وباتجاه التجاوز على فكرة «السكن» ذاتها التي تحدث عنها هيدغر وهو يقرأ هولدرين، مثلما تجعله أكثر نفورا من التشخصن السيري داخل الزمن والمكان، وأكثر توترا إزاء الحرية، بوصفها الطاقة السحرية التي تمنح اللغة هوسها الاستعاري والمجازي.. أحمد عبد الحسين من أكثر شعرائنا تمثيلا للقلق الوجودي، ولعلاقة هذا القلق بكتابته الشعرية، إذ تشبهه القصيدة، تمردا وصخبا وشوقا وشغفا، وبحثا عن ما في أسرارها وعوالمها من شيفرات تساكنها أرواح الرباني، والصوفي والعرفاني والشكوكي، فضلا عن ما يستغرقه من قلق آخر أكثر التباسا، الذي يخصّ علاقته بالموت والحياة، والخوف والحب والغربة و«اللاهوت» وهي مسائل إشكالية في مرجعياتها الفلسفية والدينية والحسية، لكنها تتسلل إلى القصيدة، وأحيانا تدخلها بقوة، وبأقنعة شتى، بلاغية، أو إشارية، وصرفية، لتشعّ فيها ما يجعلها مهجوسة بالمغايرة والمغامرة والمخالفة، وباستدعاء ذاكرة الرفض، لمواجهة التاريخ، والانتظار الطقوسي، والاغتراب الذي يبدو وكأنه محمول على عذاب التطهير والاعتراف والخلاص.
في كتابه السيري «طفل لاعب باللاهوت» الصادر عن منشورات المتوسط/ ميلانو/2021 يضعنا أحمد عبد الحسين أمام إجناسية مفارقة لكتابته، فبقدر ما يجعل «العنوان الرئيسي» عتبة كبرى بدلالة شعرية واضحة، فإنه يضع عنوانا ثانويا «سيرة» عتبة صغرى بتحميل توصيفي للسرد، وليوحي بفضاء الكتاب الذي تتشاطره تلك الثنائية القلقة، حدّ أنه يختار للاستهلال «نصا» موحيا يُشير إلى «بعثرة السيرة» وكأنه يتقصد التخفيف عن قارئه الافتراض، بأن الكتاب هو سيرة خالصة، وأنه محكوم بقصديةٍ أراد فيها الشاعر مقاربة السيرة من التاريخ، ومقاربة الشعر عبر بعثرة تلك السيرة وحتى تاريخها.

الشاعر الذي يرى

شيفرة البدء هي الرؤيا، فالشاعر إذ ينظر إلى العالم الطفل عبر كشوفاته الأولى، فإنه يصطنع لها تحولا، يدفعه إلى حاجة الحب والتجلي، تلك التي تشبه ما صنعه التبريزي للرومي، فتتحول «حكمة الشيخ» إلى «سحر صائت» وإلى باعث له إحالاته الصوفية والعرفانية، التي تساكنه بالعلة واللذة، وتجعله أمام لعبة «اللاكتفاء اللغوي» حيث ينحلّ أمامها الشاعر مغويا، ليتحول/ ويرحل في أسفاره المقبلة، وهو يحمل مجسّا سحريا/ لغويا/ صوتيا، له سره، وله دالة الوجد والأصابع، تلك التي تستغيث باللغة لتحصل على البحر، ولترى السفن، ولتخاطب المنقذ..
« ثلاثون سنة مرّت، لو أني تأملت ليلتها كيف يزمّ المرء شفتيه ليقول الميم، كيف تنطبق الشفة على الشفة لتحقق آدميته التي هي في الوقت عينه موته، لو أني فكرت في أن الإنسان إذ يطبق شفتيه على بعضهما فإنه إنما يقبّل نفسه، يشتهي ذاته، يتزاوج وإياه لينجب ميم حقيقته التي هي علّة وجوده وموته معا». ما بين رؤية الشاعر/الطفل/ المهاجر ورؤية الشاعر تتجلى سيرة الذات، عبر غواية الشعر وضمير السرد، إذ يضع الأول نصه في مجرى الثاني، وليسترجع عبرهما الشاعر علاقته السيرية مع الوجود، ومع الله، ومع الشعر ذاته، والشعر هنا هو سره في المعرفة، وفي تلمس العالم وإدراك ما خفي وما غاب، وما يثوي في أعماق اللغة من خصب واحتواء ترشح عبر تلك اللغة، أكثر من ترشحها عبر الحواس..

سيرة ما يكتبه لاعب اللاهوت

وظيفة كاتب السيرة لا تنحصر في الذاكرة، فهو يحتال عليها كثيرا، ليضع إزاحة اللغة أمام لعبة «تهريب نسقي» لما لا تدركه العين، مثلما يضع الأحداث التي عاشها في إطار وظيفة مغايرة، قد تنطوي على كشف رؤيوي عن «القلق الشخصي» أو الشغف بتعرية المضمر، ولتأويل ما هو بصري فاضح، فهو لا يجعل للذاكرة حدودا، ولا للوقائع توصيفات، إذ يجعلها تفقد واقعيتها إزاء ما تتيحه الرؤيا، تلك التي يُحفّز على نشوئها المنقذ، الذي يلبس قناع «المهدي» الذي يزور بيته، أو قناع الأب الحسيني، الآسر ببلاغته، والذي تَناظر موته مع موت الحسين، ليتركا الشاعر بلا منقذ، وبلا سيرة، يطارد أوهامه، ويبحث عن «عقائده الموجعة» و«بابله المقلوبة» وعن مدنه التي تسافر معه، وتنام بصحو شرس قرب قاموسه وذاكرته.
«عقائدنا مؤلمة، هذا استنتاج دفعت عمرا كاملا لأصل إليه، لم أكن مراقبا أو خارج الحشد، بالعكس، كنت جزءا من المشهد، آمنت بما آمن به كل شيعي تقليدي، اتشحت بالسواد مرارا، لطمت على فقد شيء عزيز مبهم، نِحتُ على كربلاءاتي الكثيرة، وانكببت لاحقا في شعري أحاول فهم ما يجري».
أخطر ما في هذه «السيرة» هي كشفها عن سرائر «الاغتراب الأنطولوجي» للشاعر، عبر إيقاظ هواجس الذات المفجوعة بما يتداعى من ذلك الكشف، الذي كان يفضي إلى «قلق أقصى منه الاطمئنان» إذ هو «طفل يجادل عن تاريخه في شقِّ جدار» إذ ظلّ يورثه الانشغال الغامر بمواجهة التحول في الفكرة والرؤيا والعبارة، تلك التي ساكنت وتعالقت بالأحزان الميتافيزيقية للإمام الحسين في وحدته ووحشته، والتي جعلت منه وحدة معرفية أكثر قسوة، وإزاء تاريخ من الصعب تدوينه، أو إخراجه من عقائد الوجع، أو هي لعبة الشاعر في مشاكسة التاريخ الشخصي أولا، والتاريخ العمومي ثانيا، وهو ما جعل نص السيرة وكأنها كتابة عالية الصوت، واعتراف بصحوٍ قاس، أو اعتراف موجع، لا تتبدى إشاراته وصخبه إلا في الشعر الذي يعيش وطأته، وبوصفه الشاهد الثقافي والوجودي على تحوله العنيف، باتجاه كتابة مضادة، ورؤيا مضادة، تتشهى التمرد، أو إطلاق مكبوت الوجع الداخلي، وجع الذات التي تصطخب قلقا بسؤال الوعي، حيث ينكسر فيها المعنى القديم، أو الأثر الذي تركه العابر والمريد، والأب والشيخ..
اشتغال السيرة شعريا، أو بهواجس الشاعر الذي لا يطمئن إلّا للغة الشعر، تضع القارئ أمام لعبة تدفع باتجاه قراءة مخاتلة، إذ يكون الشعر هو مجسها، والسيرة هي مجالها الغامر بالوقائع، والمحفز على التتبع والبحث والتدوين، وبالطريقة التي تجعل من الكتابة وكأنها «ضوء عرفاني» لاستقصاء الدليل على علّة ما يجري، ولما يتجلى عبرها من تغيرات، هي ذاتها تغيّرات الكائن الشعري، الذي يروي «سيرته المبعثرة» ويكشف عن «انساقها المضمرة» تلك التي تُفرط بالكشف، وبازاحة المعنى، وفضح ما يبدو سرا في اللغة، أو في الجوهر أو في المعرفة..
سيرة «الطفل اللاعب باللاهوت» لا أظنها ستجد غير الشعر، بوصفه خطاب الموجود الساحر، من «حيلة نسقية» للإبانة عن الدهشة إزاء التحولات، وإزاء ما يتكشف من أسفار في المكان واللغة، وفي الرؤيا، حدّ اصطناع قرينه المرآوي، ذلك الذي يشاطره غواية التمرد والانعتاق والتعرّف، وشهوة كتابة ما يشبه نص الخروج الصوفي إلى فضاء اللامعنى، حيث التماس سر الغيب، وسؤال المعنى، وسر الجسد والخلق، عبر ما تتيحه اللغة، أقصد لغة الشعر من مخاتلة ومجاز لاستكناه الجوهر، ذلك الذي «ينشئ علامة تحذير في وجه الإنسان الذي يهجم على العالم ليتملّك ويحوز ويقصي ويفتك ويداهن ويتصاغر».

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية