أحمد محسن يُفكّك القتال في سوريا

«السماء ليست معنا» (نوفل) الرواية الثالثة للكاتب اللبناني أحمد محسن، بعد «وارسو قبل قليل»، و»صانع الألعاب». ولعلّها الأولى التي تتناول مشاركة حزب الله اللبناني في الحرب في سوريا. وهي، في العنوان، تنزع المشروعية الدينية عن هذه المشاركة. وهي، في المتن، تُفكّكها أسباباً ومجرياتٍ ونتائج. وتفعل ذلك من خلال الشخوص الذين ينتظمون في شبكة علائقية. تقوم على علاقات الجوار أو الزمالة أو الرفقة أو الصداقة أو «النضال» أو السّفر. وتتمّ في فضاءات البيت أو المدرسة أو الملعب أو الميدان أو المهجر. وهي فضاءات تتقاطع فيها الشخوص، على المستوى المكاني، وتفترق، على المستوى الزماني، فيكون لكلّ شخص مساره ومصيره، في الرواية، وبذلك تتعدّد المسارات والمصائر، وتخضع بدورها لجدلية التقاطع والافتراق.

في الأسباب

في أسباب المشاركة في القتال، تتراوح الرواية بين التعميم والتخصيص. يتمظهر التعميم، على لسان الراوي، بالقول: «ذهب كثيرون ليقاتلوا في سوريا، لأنّه لم يتسنَّ لهم الذهاب إلى افريقيا أو إلى أمريكا، لكي يجنوا مالاً بالطرائق التي اعتبروها شرعية. ذهبوا لأنّهم آمنوا. ذهبوا لأنّ لا جامعات في الجنوب. أقرب جامعة في صيدا. وبعد التخرّج لا إدارات رسمية في الجنوب. لا مصانع ولا شركات». وهكذا، يشكّل القتال، في الرواية، بديلاً من السفر أو التعلم أو العمل، وترجمة للإيمان. وتغلب فيه الأسباب الاجتماعية على الدينية. ويتمظهر التخصيص بالأسباب الفردية العائدة للشخوص، وهي تختلف من شخص إلى آخر، فَلكلٍّ أسبابه ومجرياته ونتائجه.
يشارك جواد في الحرب، وهو الشاب الضعيف الحسّاس، المفرط في التدين، المتحدّر من أسرة جنوبية نازحة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، ليثبت بطولته لأبيه، الذي كان يمعن في قمعه وتعنيفه جسدياًّ ولفظياًّ. ويشارك ناصر سماحة، الراوي، رغبةً منه في الانتقام لجواد الذي قُتِل فيها من جهة، وهرباً من وحشة خلوِّ سرير أخيه حسن منه، بعد مقتله في انفجار حارة حريك من جهة ثانية. على أنّ هذه المشاركة تشكّل انعطافة غير متوقعة في مسار الشخصية، فناصر الذي أمضى شطراً من طفولته في عين الرمانة، ودرس المرحلة الابتدائية في مدرسة القديسة ماريا، هو شابُّ منفتحٌ على الآخرين، محبٌّ للحياة، مقبلٌ عليها شراباً وسهراً وعلاقات، ما يجعل مشاركته كسراً لأفق توقعات الشخصية. ويشارك محمود الحسيني في الحرب هرباً من الفقر، وحاجةً منه للمال. وهو دركي متقاعد. يقفل صالة البلياردو التي افتتحها بسبب انقطاع الكهرباء. يبيع المصرف سيارته بالمزاد العلني. يبيع أساور زوجته لتسديد ما تبقى من القرض، ويعجز عن تأمين الأقساط المدرسية لولديه.
ويشارك علاء الملقّب بالبوبكات لضخامة جثّته فيها، هرباً من ماضٍ مُتْرَعٍ بالفشل والإفلاس المالي والأخلاقي، وبحثاً عن حاضرٍ يرمِّمُ به ما تصدَّع من ماضيه. فهو الذي دأب على السفر إلى ساحل العاج، والعودة كلّ صيفٍ ليصرف ما سرقه منها، يعود نهائياًّ إلى لبنان بعد تدهور وضعه المالي وارتكابه جريمة هناك. ويشارك فادي الزغلول في الحرب رغبةً منه في التعفيش وتعاطي التجارة غير المشروعة. وهو الشبّيح الذي يُطلق النار في مأتم جواد، ويودي بهيام، مصفّفة الشعر المطلّقة التي تربّي ابنها الوحيد.
وهكذا، تتراوح الأسباب التي حدت بشخوص الرواية إلى المشاركة في الحرب، بين الرغبة في إثبات البطولة أو الانتقام أو التعفيش، والهرب من الوحشة أو الفقر أو الماضي. وهي أسباب فردية خاصة، لا علاقة بها بالسياسة والدين، ولا تمت بصلة إلى الشعارات التي رُفِعَت لتبرير تلك المشاركة. على أنّ هذا لا يعني، بالضرورة، غياب الأسباب السياسية والدينية عن العالم المرجعي، الذي تُحيل إليه الرواية، فهي موجودة بالتأكيد في ذلك العالم غير أنّ النص الروائي لا يشير إليها.

الحوار الذي يدور بين الرفاق التلاميذ في المرحلة المتوسطة، حول الدين والإيمان والجبر والاختيار والحرية، هو أكبر من مرحلتهم الدراسية وعمرهم العقلي، ما يجعل نسبة الكلام إلى الشخصية في غير مكانه، وينتقص من واقعية الواقعة.

في المجريات

تتمظهر المشاركة في أعمال المرابطة والقتال والحصار والتمشيط والتعفيش. وتختلط فيها الممارسات والمواقف والأفكار، التي تطفو على بعضها المشاعر الإنسانية. وتختلف من شخصية إلى أخرى، فلكلّ شخصية مشاركتها الخاصة، وقد تتقاطع الشخصيات في الممارسة والموقف والتفكير. ففي حين ينفرد ناصر، الذي يسند إليه الروائي مهمة الروي في وصف مواقع القتال، وسرد يوميات المقاتلين، ورصد الخراب، وذكر الأحياء الخَرِبَة، نراه يشترك مع محمود في التشكيك في أسباب المشاركة، وتعرية أوهام شعاراتها، والندم على المشاركة فيها، والإحساس بهولها، والتعاطف مع ضحاياها، وممارسة التفكير النقدي لها، وإن كان هو أعمق من زميله في مقاربة هذه المشتركات. ولعل العبارات، التي ترد على لسان أحدهما، أو كليهما تعكس هذه المشتركات بوضوحٍ لا لبس فيه، من قبيل: «أسباب يمكن تفاديها». «ما الذي نفعله هنا؟». «أعداؤنا مثلنا.. حيواتهم ليست لهم». «ما نتعلّمه في الحرب هو أنّنا لسنا أحراراً». «ورّطونا». «القصّة أننا قاتلنا من أجل أفكار أكبر منا». وبمعزل عن السقوط في تبرير المشاركة، يتبيّن أنّ المشاركين، على اختلاف أسبابهم، هم ضحايا الفقر، أو انعدام فرص العمل أو الأفكار الكبرى أو المخطّطات الغريبة، وهو ما لا يبرّر تلك المشاركة بالتأكيد. على أن ناصر ومحمود كليهما يمرّان في لحظاتٍ تطفو فيها مشاعرهما الإنسانية على السطح، فيساهمان في إنقاذ رنين المرأة الكردية الشابّة من براثن مغتصبيها، ويتألّمان للأحياء المهدّمة، ويُكبران صمود الطبيب الأرمني في الحيّ الفقير، ويتعاطف ناصر مع الأسير الفرنسي التونسي الأصل حين يترجم أقواله إلى العربية، خلال التحقيق معه، فيحوّرها لمصلحة الأخير، وتبلغ المشاعر الإنسانية ذروتها حين يتوقّف محمود تحت صورة قتيلٍ خصم ليقرأ الفاتحة على روحه عربون مصالحة متأخّرة. من جهة ثانية، تتّخذ مشاركة علاء البوبكات وفادي الزغلول منحًى مختلفاً، فيهرب الأوّل من المعركة حتى إذا ما انتهت يعود لالتقاط الصور على الأنقاض، وينصرف الثاني إلى التعفيش والتجارة غير المشروعة، ولعلّه يفعل ذلك بتغطية من هو أكبر منه.

النتائج

هذه المشاركة، بأسبابها المتعدّدة ومجرياتها المختلفة، تترتّب عليها نتائج تختلف من شخصية إلى أخرى، ذلك أنّ شخوص الرواية، وإن تقاطعت مساراتها أحياناً، تختلف مصائرها وتتقاطع بدورها؛ فجواد أوّل المشاركين يُقتل قنصاً، ومحمود يقتل خلال العودة في تفجير الحافلة التي تقلّه مع رفاقه، وناصر يُصاب بكسور بليغة يدخل على أثرها المستشفى، حتى إذا ما تعافى منها يلتحق بأخيه وسام في ألمانيا، لمتابعة الدراسة، والبوبكات ينتهي به المطاف نزيلاً في سجن رومية. وعلى قسوة هذه النتائج التي تعكس عبثية الحرب، وَعَرْكَها المشاركين فيها «عَرْكَ الرّحى بثفالها»، على حدّ تعبير الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى، في داحس الجاهلية وغبرائها، فإنّ واقعة نجاة رنين وعملها في مقهى في أطراف برلين، من جهة، وواقعة قيام الطبيب الأرمني بفتح عيادة للاجئين في ألمانيا، من جهة ثانية، تومئان إلى حتمية استمرار الحياة، وحتمية وضع داحس والغبراء السورية أوزارها، عاجلاً أو آجلاً.
إلى ذلك، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الحوار الذي يدور بين الرفاق التلاميذ في المرحلة المتوسطة، حول الدين والإيمان والجبر والاختيار والحرية، هو أكبر من مرحلتهم الدراسية وعمرهم العقلي، ما يجعل نسبة الكلام إلى الشخصية في غير مكانه، وينتقص من واقعية الواقعة. ومن جهة ثانية، ثمة تناقض بين روايتين اثنتين للواقعة الواحدة، فناصر الطفل يرى في الحلم أخاه الصغير عباس نائماً على الأريكة في الصالون، وناصر الشابّ يذكر أنّه مات عن ثلاثة أشهر قبل يومين اثنين من مشاركته في امتحانات البكالوريا، ما ينطوي على تناقض كبير بين روايتين اثنتين للواقعة نفسها.
وبعد، يضع أحمد محسن روايته في أربعٍ وعشرين وحدة سردية، تتفاوت في ما بينها في عدد الصفحات والمشاهد الروائية، وتنتظمها بنية روائية حديثة، مفكّكة، تكسر البنية التقليدية، القائمة على حبكة يجري تعقيدها تدريجياًّ وحلّها في نهاية الرواية. وبذلك، يناسب الخطاب الحكاية، فالروائي يفكّك حكاية المشاركة في الحرب السورية بخطاب روائي مفكّك، تتوزّع فيه مفاصل الحكاية على الوحدات الأربع والعشرين، ويكون على القارئ أن يلملمها من خلال القراءة. وهو يسند عملية الروي إلى راوٍ مشارك يقوم في الوقت نفسه بمهمّة الراوي العليم، فيجمع بين المشاركة في الأحداث والشهادة عليها. هذه التقنيات يجسّدها أحمد محسن بلغة مناسبة، تسمّي الأشياء بأسمائها، ولا تتورّع عن استخدام الشتائم والكلمات النابية ما يوهم بواقعية النص، ويجعل منه مرآة لغوية لواقعية العالم المرجعي الذي تُحيل إليه الرواية. ولعلّ هذا كلّه ما يجعل «السماء ليست معنا» عملاً جديراً بالقراءة.

٭ شاعر لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية