غناء النوبة في مصر والسودان ‘3-3’القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من عبدالفضيل طه: أحمد منيب هو الملحن والمطرب النوبي الذي كان له الفضل ومعه محيي الدين شريف في ادخال الفن النوبي الى كل بيت، والسبب في ذلك ان أحمد منيب عاش طفولته في بلده في النوبة. ولد عام 1926، وكان خزان أسوان قد شيد منذ سنوات قليلة قبل مولده، ولد وموهبة الموسيقى معه، كان يقضي الأمسيات في الأفراح وليالي السمر في الخيمة، حيث يستمع إلى المطربين التلقائيين وهم يترنحون بأغانيهم على أنغام الطمبورة وايقاع الطار.
وكانت أغنية طويلة يرددها أكثر من مطرب هاو من أبناء النوبة.
الهجرةوكمعظم أبناء النوبة في تلك المرحلة هاجر أحمد منيب من أرض الذهب ‘النوبة’ أي النوبة، حيث نزح من قبله كثير من أهله بسبب تعلية خزان أسوان، وفي القاهرة بدأ الفن وكان يتردد على النادي النوبي في شارع إبراهيم باشا ‘الجمهورية الآن’ وهناك تعرف على كثير من أبناء بلدته ممن هوى الموسيقى مثل الشاعر محيي الدين شريف الذي كان يغني من ألحانه وعلى ايقاع الطار، الكثير من الأغنيات النوبية القديمة التي ألفها هو على نفس النمط.
العزف على آلة العودوبحثاً عن الجديد في الموسيقى النوبية، تعلم أحمد منيب العزف على آلة العود كما تعلم المقامات العربية من ‘راست والى بياتي إلى نهاوند’ وغيرها من مقامات لم تعرفها النوبة، لأن أبناءها كانوا يغنون على أنغام السلم الحماسي مثلهم في ذلك مثل أهل الجنوب أقصى افريقيا ومنها السودان بالطبع وكذلك النوبة.
واستطاع منيب ان يمزج بين موسيقى أفريقيا بإيقاعاتها المتنوعة ومقامها الخماسي، وموسيقى مصر أو الموسيقى الشرقية كما اصطلحنا على تسميتها، وعندما انشئت إذاعة ركن السودان في القاهرة، طالب النوبيون بأن يكون لهم نصيب في هذه الإذاعة التي تخاطب أبناء السودان، فكان أن أمر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بأن يكون للنوبيين ركن خاص بهم، فكان من ‘وحي الجنوب’، وفيه قدم أحمد منيب ومحيي الدين شريف أول دويتو نوبي، كما قدم هذا البرنامج الكثير من مطربي النوبة الذين لمعوا في الأفراح والسهرات النوبية وفي مقدمتهم كان المطرب صاحب الصوت الساحر عبدالله باطا، كما قدم هذا الركن علي كوبانا وغيره.
مع عبدالرحيم منصورلكن بقي أحمد منيب صاحب الميول اليسارية هو المحافظ على تراث النوبة الغنائي بألحانه المميزة، بينما كان لعلي كوبانا تجاربه في الموسيقى الغربية، والتقى أحمد منيب في طريقه الخاص بالشاعر والصعيدي عبدالرحيم منصور فظهر تعاون وثيق بين الاثنين وقدما أغنية ذات طابع خاص للنجمة الصاعدة في ذلك الوقت ‘سبعينات القرن الماضي’، عفاف راضي، ثم كان ان تعرف على الملحن الدارس هاني شنودة الذي قاد فرقة المصريين، وكان تعاونا مثمرا بين منيب ومنصور وشنودة الذي غنى الكثير من ألحانه وتوزيع هاني شنودة.
وكان ان عثر أحمد منيب على المطرب القادم من الجنوب والطالب بكلية الفنون التطبيقية محمد منير، الذي غنى من ألحان أحمد منيب وتوزيع هاني شنودة ويحيي خليل عشرات الأغنيات التي بدأت في صنع اسم محمد منير، كما لحن الرجل العديد من الأغنيات لحميد الشاعري وعلاء عبدالخالق وعمرو دياب وإيهاب توفيق وفارس وحنان والمطرب النوبي حسن عبدالحميد.
مع نجوم الكلمةولابد من أن نذكر هنا، أن منيب في ألحانه اشترك مع كثيرين من نجوم الكلمة في ذلك الوقت امثال صلاح جاهين وأحمد فؤاد نجم، وسيد حجاب وفؤاد حداد وغيرهم.
فضلا عن النجم الأول للكلمة بالنسبة له عبدالرحيم منصور، وبالطبع كان محمد منير وقبل انتشاره هو نجم أحمد منيب الأول، الذي غنى له عشرات الأغنيات من تأليف كبار المؤلفين الذين ذكرنا بعضهم منها ‘حدوتة مصرية’ و’الليلة يا سمرا’. ولا ننسى هنا أن نقول ان كل ما قدمه أحمد منيب للغناء المصري كانت له نكهته النوبية، لذلك استطاع ان يجعل لهذا الفن عشاقه من الشباب.
فألح هذا في استقبال محمد منير في كل حفل يقيمه إذ أنه اصبح مطرب الشباب وجيل الوسط بفضل ألحان منيب وأدائه النوبي في كل ما غنى.
وفي عام 1991 رحل هذا العملاق احمد منيب عن دنيانا وفقد الفن والموسيقى النوبية أحد ركائزها الراسخة، كما مات رفيق دربه الشاعر محيي الدين شريف ومن تعاطف مع الفن النوبي عبدالرحيم منصور، ثم هناك من رحل ايضا من الشعراء المهمومين بالانسان المصري والعربي، صلاح جاهين وفؤاد حداد، لتخلو الساحة من عباقرة كبار.