كلّما مرّ بالذهن اسم شاعرة من الشاعرات العرب، أو حتى من غير العرب، يتذكّر المرء كلام أبي نواس (756-814م)، الشاعر البارز في العصر العباسي: «ما نطقتُ بالشعر حتى حفظتُ لستّين من شاعرات العرب، فما بالُك بالشعراء»! ليت أبا نواس ذكر لنا أسماء أولئك الشاعرات أو أسماء بعضهن. ولكن كان علينا أن ننتظر «معجم الشعراء» كتاب المرزباني المتوفى عام 38هج/ 994م لنجد أنه قد ترجَم لثمان وثلاثين من الشاعرات لم يذكرهن غيرُه. وأحسب أن ذلك يشمل الشاعرات إلى نهاية القرن الرابع الهجري…. فما بالك بمن نبغ من الشاعرات بعد القرن الرابع الهجري إلى مشارف العصور الحديثة!
أخبار الشاعرات العرب في العصر الجاهلي غير قليلة، وهن مثل الشعراء الجاهليين من الرجال، صورة المجتمع والثقافة التي نشأوا فيها. فنجد فيهن من نظم قصائد أو مقطوعات في المديح أو الهجاء أو الفخر أو الرثاء، وأبرز شاعرات الجاهلية هي الخنساء (575-645م) كما تذكر كتب تاريخ الأدب. ولكن ثمة شاعرة بارزة تتميز على الكثير من شاعرات عصرها هي ليلى الأخيلية من قبيلة هوازن، وقد توفّيت عام 80هج/704م. وقد عاشت في العصر الأموي.
ويبدو لمن يقرا أخبار هذه الشاعرة أنها كانت ترتجل الشعر ارتجالاً في الزمان والمكان، في حضور الخليفة أو الأمير، كما في الكثير من القصائد التي أنشدتها أمام الحجّاج بن يوسف الثقفي (660-714م) الذي حكم العراق حكما تسلّطياً، وأمام الخليفة عبد الملك بن مروان. كان الحجّاج، على الرغم من قسوته في الحكم، يحبّ الشعر والشعراء. ويروى أنه قد أمر أن لا يبقى الناس في الطرقات بعد صلاة العشاء بل عليهم العودة إلى منازلهم. وكان يدور ليلا في الطرقات ويعاقب من يرى من الناس خارج بيوتهم. وصادف مرةً ان رأى بضعة فتيان يسيرون في الليل، يتضاحكون ويتعابثون، فألقى القبض عليهم بمساعدة حرّاسه وهمّ بإرسالهم إلى السجن، لكنه بدأ يسألهم واحداَ فواحداً: إبن من أنت؟ فأجابه الأول شعراً وقال:
«أنا ابن من دانَت الرِّقابُ له/ يأخذ من مالِها ومن دَمِها».
فتصور الحجّاج أن الفتى إبن قائد عسكري كبير فأطلق سراحه وأمره بالإسراع إلى داره. وأجاب الفتية الآخرون على سؤال الحجّاج بالشعر فأطلق الحجاج سراحهم جميعاً وأمرهم بالإسراع إلى بيوتهم. وراح يودِّعهم شعراً وهو يقول:
«كُن ابن من شِئتَ واكتسِب أدبا يُغنيكَ محمودُهُ عن النَسَبِ.
إن الفتى من يقولُ ها أنَذا ليس الفتى من يقولً كان أبي».
وقد تبيّن للحجاج لاحقاً أن الفتى الأول ابن حلاّق/ حجّام «تدنو الرقاب له للحلاقة» فيدفعون المال لهذه الخدمة، ويأخذ من دمها لإجراء «الحجامة» التي تستخرج «الدم الفاسد» في جراحةٍ طبية!
وشعر ليلى يتميّز بالفصاحة ووضوح الصورة. وقد شهد كبار الشعراء والنقاد في عصرها وفي العصور اللاحقة بتميّز شعرها وبذكائها وسرعة بديهتها في حضور الأمير والخليفة. وكان يُشار اليها بأنها «صاحِبَة تَوبة الحِميَري» الشاعر الذي كان يعشقها وهي تبادله عشقاً، ولكن والدها رفض تزويجها بمن تحب، وبقيت تكتب القصائد في مديح المحبوب حتى بعد مقتله في غزوة بني عَوف، إذ عادت القَبَليات في العصر الأموي. وكان من المعجبين بشعر ليلى الأخيلية الشاعر الفرزدق، «الذي لولاه لضاع أكثر من نصف شعر العرب» كما قال بعض النقاد اللاحقين، والذي فضّلها على نفسه. كما يروى عن أبي نواس أنه قد حفظ شعرها، ويرى المعرّي» أن شعرها حَسَنٌ» وموضوعات شعر ليلى الأخيلية لا تخرج عن موضوعات معاصريها من الشعراء، مثل المديح والهجاء والرثاء والغزل بالمحبوب. وقد يبدو لنا في الوقت الحاضر أن شعر ليلى في المديح غير مُستساغ لما فيه من مبالغات لكنها كانت صورة لروح العصر. هذا مثال من مديحها أمام الحجاج بن يوسف الثقفي وفي حضور مجلسه من رجال الدولة وأعيانها:
حجّاجُ أنت الذي ما فوقه أحَدُ إلاّ الخليفةُ والمُستَغفَرُ الصَّمَدُ
حجّاجُ أنتَ شهابُ الحرب إذ لقَحَت وأنتَ للناس نورٌ ضَوؤه يَقِدُ
وفي مناسبة أخرى قالت ليلى تخاطب الأمير:
أحجّاجُ إن الله اعطاك غايةً يقصِّر عنها من أراد مَداها
أحجّاج لا يَفلُل سلاحُك إنّها المنايا بكَفِّ الله حيثُ تَراها
إذا هبط الحجّاج أرضاً مريضةً تتبع أقصى دائها فشفاها
وفي الرثاء، وهو موضوع مهم في الشعر الجاهلي، لا يُذكر إلاّ وتُذكر الخنساء في رثاء أخيها صخر. وها هي ليلى الأخيلية لا تقصِّر في رثاء الحبيب، وكأن الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام لم يُغيِّر في النزوع الإنساني لدى الشعراء في نظم المراثي في الحبيب. قالت ليلى الأخيلية في رثاء الحبيب الذي غيّبه الموت، دون أن يغيِّب ذكرَه في قلب الشاعرة:
أيا عين بكّي تَوبةَ بن حُمَيِّرٍ بسَح ٍّكفيضِ الجَدول المُتفجِّرِ
لتبكِ عليه من خَفاجةَ نسوةٌ بماءِ شؤون العَبرَةِ المُتَحِدِّرِ
سمعنَ بهَيجا أزهَقَتْ فذكَرنَه ولا يَبعث الأحزانَ مثل التذكُّرِ
وفي الفخر: يبدو أن الروح الجاهلية في الفخر والتفاخر لم تضعف في العصر الإسلامي. فكلام من نوع «ملأنا البرّ حتى ضاقَ عنّا/ وصدرَ البحر نملأهُ سفينا» و «كأن سيوفَنا منّا ومنهم/ مخاريق بأيدي لاعبينا» يجد له صدى في شعر ليلى الأخيلية:
نحن الأخايلُ لا يزال غُلامنا حتى يدبَّ على العصا مشهورا
تبكي الرماح إذا فقدنَ أكُفّنا جزعاً وتعرفنا الرفاقُ بحورا
ويذكر المرزباني أمثلةَ من سرعة البديهة عند الشاعرة ليلى الأخيلية، وخاصةً عند مقابلة الأمير أو الخليفة، وفي حضور كبار القوم. من ذلك أنها كانت مرَّةَ في حضرة الخليفة عبد الملك بن مروان، فسألها أمام مجلسه:
«ما رأى فيك تَوبَةُ حتى عَشِقَك؟» فأجابت على الفور:
«رأى فيّ ما رأى الناس فيك حتى جعلوك خليفة».
لا أحسب أن في تراثنا الشعري، ولا في حاضرنا، شخصيةٌ شعريةٌ بين الرجال أو النساء ما يقترب من شخصية وشاعرية ليلى الأخيلية. بلى لدينا لدينا شعراء وشاعرات أفذاذ، ولكن أن تجتمع قوه الشخصية مع الذكاء والشاعرية الفذة، كما اجتمعت عند ليلى الأخيلية هي من النِعَم التي ينوء بحملها زماننا، وليس أمامنا سوى اجترار ما نعِم به أجدادنا أو بعضهم، في أيام لم يَعُد لها وجود إلا في الذاكرة.
في واحدةٍ من المقابلات التلفزيونية الجميلة قال شاعرنا العربي اللا يتكرّر مثله أو قريباَ منه نزار قباني: الشعر يجري في دم كل عربي. فلو أخذتَ إبرةً وغرزتها في ساعِد أي عربي لخرج منها دم أخضر هو دم الشعر. ألا نصدِّق هذا من صاحب ديوان «الشِعر قنديلٌ أخضر»؟ ولكن لم يبقَ في زمني حُب ولا شعر حبٍّ يا سيدي شاعر الحب، فقد ذهبت الأيام بالحب وأكثر شعراء الحب، «والبقايا تقاسمَتها البلادُ».