أخشن الالعاب بميدان الساعة الأخيرة

حجم الخط
0

أخشن الالعاب بميدان الساعة الأخيرة

د. عبدالوهاب الأفنديأخشن الالعاب بميدان الساعة الأخيرة (1) في آذار (مارس) من عام 2000 صدر قرار مفاجئ من الرئيس السوري حافظ الأسد بإقالة رئيس الوزراء محمود الزعبي الذي ظل في ذلك المنصب لأكثر من ثلاثة عشر عاماً. وجاء في خطاب الإقالة غير المسبوق اتهامات للزعبي بأنه لم ينفذ تعليمات الرئيس في الإصلاح الاقتصادي ومحاربة الفساد، وأن حكومته أخفقت في كل المجالات . وبعد شهرين أعلنت السلطات السورية الحجر علي أموال الزعبي وإخضاعة للحبس المنزلي والتحقيق بتهمة الفساد. ولم تمض أيام علي هذا حتي أعلن أن الزعبي انتحر لدي وصول الشرطة لاعتقاله.(2) بعد أيام قليلة من انتحار الزعبي أعلن عن وفاة الرئيس حافظ الأسد وتنصيب نجله بشار الأسد رئيساً بعد أن عدل الدستور خلال دقائق خصيصاً لهذا الغرض. وقد اتضح فيما بعد أن الأسد الابن كان قد ظل لفترة الحاكم الفعلي مكان أبيه الذي أقعده المرض، وأن قرار تعيين حليفه مصطفي ميرو رئيساً للوزراء خلفاً للزعبي كان جزءاً من مخطط تمكين بشار من السلطة، بينما يبدو أن ملاحقة الزعبي كانت أحد مظاهر صراع القوي وأحد بوادر تصفيات المعترضين علي التوريث.(3) في مصر أخذت تظهر ملامح سيناريو يكاد متطابقاً، بدأ بتعيين رئيس وزراء جديد عام 2005 من التكنوقراط، محسوب (وبعلانية أكبر هذه المرة) علي الوريث المنتظر، مروراً بسيناريو تصفية الحسابات مع من يظن أنهم يعترضون علي التوريث. وقد شمل هذا ملاحقة المعارضين الليبراليين أمثال د. سعد الدين ابراهيم وأيمن نور، ثم إبعاد رجال الحرس القديم بدءاً من يوسف والي والشاذلي وصفوت الشريف وغيرهم.(4) المسعي الجاري حالياً لإجراء تعديلات دستورية وتوجيه ضربة حاسمة لتنظيم الإخوان المسلمين يحمل كل سمات تصفية الحسابات المتعجل وتمهيد الطريق الذي طبع أيام الأسد الأخيرة بعد أن أيقن المتسابقون علي الوراثة أن الوقت لم يعد يسعف. ولكن هذا التعجل المتخبط يذكر أيضاً بأن مصر ليست سورية. ففي سورية تمت تصفية الإخوان قبل ربع قرن من ترتيبات التوريث، بينما لم تكن في سورية حركة كفاية ولا إعلام معارض. كذلك فإن الوريث المقترح في مصر هو من الوزن الخفيف مقارنة مع رصيفه السوري الذي جاء من داخل أروقة النظام وحلقته الأمنية الداخلية.(5) إذا شئنا الدقة، فإن حركة الإخوان ضربت في مصر أيضاً منذ أكثر من نصف قرن، ولا يزال قرار حظرها الصادر في عام 1954 ساري المفعول. الإعلام الرسمي والحكومة لا يفتران من تذكيرنا بأن الحركة محظورة ولا وجود لها. ولكن هذه الحركة غير الموجودة تستطيع علي ما يبدو أن تحرز من الأصوات والدعم الشعبي في انتخابات حرة في أي من البلدين أكثر مما يمكن أن يحرزه الحزبان الحاكمان غير المحظورين. ولا شك أن حزباً تهزمه حركة لا وجود لها لا بد أن يكون في درجة أقل من درجة العدم.(6) مشكلة الأحزاب الحاكمة في البلدان العربية لا تكمن في شعبية هذا الفريق المعارض أو ذاك، بل في فقدان هذه الأحزاب لأي شعبية، بحيث أن الليكود لو نازلها لفاز فوزاً ساحقاً. وإذا كانت هذه هي المشكلة فإن تصفية المعارضين لن تحلها. والسؤال الذي يجب أن تطرحه هذه الأحزاب علي نفسها ليس هو: لماذا تتمتع حركة محظورة ومطاردة بشعبية أكثر منا؟ ولكن السؤال هو: لماذا فشلنا بعد عقود من احتكار السلطة والمال وحق الحديث في أن نقنع الشعب بأن يقبلنا؟(7) ما تفعله هذه الأحزاب المرفوضة شعبياً من تنكيل بالمعارضين لا لسبب إلا لأنهم أكثر شعبية أشبه بفريق كرة يهزم في المباراة فينهال علي أعضاء الفريق الفائز لكماً ورجماً وضرباً بالهراوات. مثل هذه الممارسة قد تشفي غليل الفريق المهزوم، ولكنها لن تجعل منه بطلاً في كرة القدم، فوق أنها قد تلفت نظر الحكم، بل والشرطة، مع تبعات كل ذلك.(8) البطولة في السياسة، كما في كل رياضة وأي نشاط إنساني آخر، إنما تأتي بالمهارة والتدريب والجدية في احترام قواعد اللعبة، وهي قواعد تتطلب في السياسة الاستماع لرأي الشعب وممارسة عملية الحوار والإقناع لا البلطجة والكذب والتضليل والتآمر في الظلام لتنصيب من لا يستحق ولا يصلح من أجل مصالح نخبة ضيقة.(9) في اللعبة السياسية، الشعب هو الحكم الأول والأخير. ولعل ما تواجهه أحزاب السلطان العربية حالياً من رفض شعبي هو إبراز للبطاقة الصفراء تحديداً لأن هؤلاء يمارسون اللعب الخشن ولا يحترمون القواعد. وهناك دلائل كثيرة علي أن الحكم الآن يمد يده إلي جيبه لإخراج البطاقة الحمراء، ربما في الثواني القليلة القادمة. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية