في المقال الذي نشره هنا بني موريس قبل أسبوع، وصف بصورة صحيحة الماضي في سياق حرب الاستقلال وموضوع اللاجئين الفلسطينيين. ومن الجدير أن الملخص الذي كتبه يتم تدريسه ويوفر علينا مقالات يقطر منها الجهل («هآرتس»، 18/1). مع ذلك، موريس يفسر الحاضر بصورة أحادية الجانب من خلال عرض خاطئ ومضلل للحقائق، ويعتبر النزاع الذي عمره مئة سنة كتواصل تاريخي واحد ليس فيه تغييرات ـ البحر هو نفس البحر ومحمود عباس هو الحاج أمين الحسيني. والأخطر من ذلك هو أنه بذلك يساعد في تحقيق نبوءته للمستقبل ـ انهيار دولة إسرائيل وتحولها إلى دولة عربية مثلما كانت البلاد قبل مئة سنة.
موريس يعتقد أن رفض الفلسطينيين للتنازل الجغرافي في 1937 و1947، يشبه رفضهم في 2000 و2008. ولكن الأمر ليس هكذا. في حالة الرفض الأول الفلسطينيون أداروا الحوار على قاعدة تفسيرهم للعدالة. حسب رأيهم، الحق في تقرير المصير في فلسطين، الذي كان لديهم في نهاية الحرب العالمية الأولى لكونهم يشكلون أكثر من 90 في المئة من سكان البلاد، وأصحاب كل الأراضي الخاصة فيها، مع صلة جغرافية عمرها 1300 سنة مع البلاد ـ تم سحبها منهم بصورة غير عادلة ـ بناء على ذلك، رفض الفلسطينيون القرارات الدولية التي اعترفت وأيدت الحركة الصهيونية في إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في أرض إسرائيل: وعد بلفور، ومؤتمر سان ريمو، والمصادقة على الانتداب من قبل عصبة الأمم وقرار التقسيم للأمم المتحدة.
حالة الرفض الأخيرة مختلفة. في عملية طويلة ذروتها كانت في 1988، غيرت القيادة الفلسطينية (م.ت.ف) مقاربتها وانتقلت إلى خطاب طلبات يرتكز على القرارات الدولية وعلى رأسها القرار 181 وقرارات الأمم المتحدة 194 و242 و338. أقوال محمود عباس في مقابلة من العام 2008 مع «قناة العربية»: «لقد ضاعت فرصة التقسيم لعام 1947، وقبلها ضاعت فرصة التقسيم للجنة بيل. ولكننا لا نريد أن نفقد فرصة أخرى. بناء ذلك، وافقنا على تقسيم 1948 و1967، التي لا تتضمن أكثر من 22 في المئة من أرض فلسطين التاريخية». رفض ياسر عرفات في العام 2000 ما نبع من أن إسرائيل برئاسة اهود باراك أنها أرادت فرض اتفاق دائم مختلف عن التفسيرات المقبولة للقرارات الدولية ـ دولة فلسطينية على أقل من 22 في المئة، بدون عاصمة في شرقي القدس.
اتهام بالرفض
اتهام عباس بالرفض هو عرض أحادي الجانب للواقع. أولاً، كمؤرخ، موريس لا يمكنه تجاهل تصريحات عباس حول دولتين لشعبين. مثلاً، في أيلول 2005 في خطابه في غزة قال «يجب إزالة آثار النكبة من خلال حل دائم يستند إلى مبدأ دولتين لشعبين. إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل سيؤدي إلى مصالحة تاريخية بين الشعبين».
هذه التصريحات وغيرها من التصريحات تقلب ادعاءه بأن عباس «معصوب العينين» إلى ادعاء مثير للسخرية. ثانياً، في أنابوليس في 2008، اهود اولمرت وعباس، وافقا على أن القرارات الدولية ستكون أساس المفاوضات. عباس، صحيح أنه لم يوافق على عرض اولمرت، لكن في المقابل، اولمرت أيضاً رفض اقتراح عباس، الذي كان أكثر سخاء حسب رأي الفلسطينيين: إبقاء معظم المستوطنات تحت سيادة إسرائيل في إطار تبادل الأراضي، وفلسطين منزوعة السلاح، أما القدس فيهودية وتشمل الأحياء في شرقي المدينة وحائط المبكى والحي اليهودي ونصف حي الأرمن وباقي جبل صهيون، وعودة رمزية ليس لها أي تأثير ديمغرافي للاجئين. لماذا يتجاهل موريس هذا الرفض؟ ولماذا لا يعتبره تفويتاً لفرصة تاريخية؟ لو أن اولمرت وافق على هذا العرض، ألم يكن سيوقع الاتفاق؟
بالنسبة للحاضر، موريس متمسك بالادعاء أن م.ت.ف غير مستعدة لأي تنازل جغرافي، وأنها لا تعترف بحق الشعب اليهودي في البلاد وتسعى إلى القضاء على إسرائيل.
أولاً، موريس يدعي ذلك لأنه يفترض أن اتفاق سلام بين إسرائيل وم.ت.ف يجب أن يكون نتيجة للمصالحة والاعتراف الصادق بحق الآخر، لكن هذا ليس ما يعلمنا إياه تاريخ النزاع.
موريس امتنع عن الإشارة إلى أن استعداد اليشوف اليهودي لمصالحة جغرافية بدءاً من العام 1937 لم ينبع من الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني، بل من الإدراك بأنه في واقع ميزان ديمغرافي وأقليمي يميل بشكل واضح لصالح الطرف العربي الذي له طموحات قومية مناقضة، لن تقوم دولة ديمقراطية يهودية في كل أرض إسرائيل.
«تقليص الأرض، هذا هو الثمن الذي علينا دفعه بسبب التأخر القاتل للشعب العبري في بناء البلاد وبسبب النمو السريع للحركة العربية»، قال مردخاي نمير في مؤتمر مباي في حزيران 1936. هذا أيضاً كان تنازلاً مؤقتاً، مرحلة في نظرية المراحل اليهودية، كما أضاف دافيد بن غوريون: «دولة يهودية جزئية ليست النهاية، بل هي البداية» (في رسالة لابنه عاموس في 1937).
الطلب اليهودي للتقسيم
هكذا أيضاً الطلب اليهودي للتقسيم في 1947. في رسالة أرسلها بن غوريون لوزير الخارجية البريطاني في شباط من نفس السنة كتب «التسوية الوحيدة المحتملة والفورية، التي فيها أساس للنهاية، هي إقامة دولتين، دولة يهودية ودولة عربية». بكلمات أخرى، دولة ديمقراطية مع أكثرية يهودية يمكنها القيام فقط إذا قامت دولة عربية في نفس البلاد. ورغم أن بن غوريون قال في نهاية حرب الاستقلال إنه «كان بإمكان الجيش الإسرائيلي احتلال كل المنطقة التي تقع بين البحر والنهر»، إلا أنه امتنع عن ذلك، لأن «دولة يهودية، في الوضع (الديمغرافي) القائم… أمر غير ممكن، إذا كانت ستكون ديمقراطية». هذا الحسم هو الذي وجه أيضاً اسحق رابين للبدء في عملية أوسلو وباراك واولمرت للسعي إلى اتفاق دائم في كامب ديفيد وانابوليس. ليس بسبب حقوق الفلسطينيين، بل من أجل الحفاظ على إسرائيل «يهودية وديمقراطية».
المؤرخ لم يميز بين سبب رفض الفلسطينيين للتنازل الجغرافي قديماً وحديثاً..
هذا أيضاً بالنسبة للفلسطينيين، فبسبب التغيرات الدولية والإقليمية التي سبقت اتفاقات اوسلو: انهيار الاتحاد السوفييتي، والسلام مع مصر، والانتفاضة الأولى، وظهور قيادات منافسة لـ م.ت.ف، والمنفى في تونس والأزمة الاقتصادية ـ بسبب كل ذلك اضطروا إلى الاعتراف في 1988 بقرار التقسيم الذي يعترف بدولة يهودية وبقرار 242 و338، التي تبقي للفلسطينيين فقط 22 في المئة من فلسطين الانتدابية. أي، المرحلة الأولى لانفصال سياسي متفق عليه يبقي كل طرف مع نصف طموحاته في يديه، يمكن تحقيق بدون «غرام متأخر» ولكن ذلك يمكنه أن يخلق الظروف لمصالحة والاعتراف برواية الآخر.
زيادة الاستيطان
ثانياً، موريس يعترف بأن «القيادة الإسرائيلية الحالية أيضاً ترفض فكرة دولتين لشعبين، وبذلك تقوم بزيادة الاستيطان في المناطق». ولكنه يتجاهل كل تصريحاتها بشأن إلغاء اتفاقات أوسلو وحل السلطة الفلسطينية والتحويل إلى الأردن. يبدو أنه بذلك يوازن الصورة، لكن هذا مضلل، إذ ما هو السبب وما هو المسبب بين الطرفين الرافضين؟ هل غيّر محمود عباس مواقفه منذ 2008؟ في الوثيقة بعنوان «الموقف» التي توزع في المقاطعة بثلاث لغات كتب: «في الجزائر في 1988 أعلنت القيادة الفلسطينية عن موافقتها على مبدأ حل دولتين في حدود 4 حزيران 1967 كأساس لإنهاء النزاع الإسرائيلي الفلسطيني ـ أجل «إنهاء النزاع»! وكتب أيضاً «إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 مع تعديلات حدودية بسيطة ومتفق عليها بين الطرفين». ألا يعرف موريس أن نتنياهو تراجع عن المبادئ التي تم الاتفاق عليها في «أنابوليس»؟.
وكتب أيضاً في «الموقف»، أن عاصمة فلسطين ستكون في شرقي القدس، كما تم الاتفاق عليه في أنابوليس. وما هو موقف نتنياهو من ذلك؟ «سنحافظ على القدس الموحدة تحت سيادة إسرائيل إلى الأبد»، قال نتنياهو في 2015. بذلك، موريس يمنع الإسرائيليين من الاعتراف بالوضع القائم في الحاضر، والعمل على تغييره وتطبيق حل الدولتين، لأنه في أي سيناريو آخر ستكون إسرائيل هي الخاسر الأكبر على المدى البعيد.
يجب الإصغاء جيداً لتحذيرات موريس الذي يرفض حل الدولة الواحدة، والحذر من حلم «الذئب يعيش مع الحمل»، الذي يسعى إليه الأشخاص الذين يدعون إلى إقامة دولة واحدة ويتجاهلون تاريخ الصراع الحالي والنزاعات في أماكن أخرى في أرجاء العالم. كل تسوية لدولة واحدة لن تؤدي إلا إلى حرب أهلية وفي نهاية المطاف إلى دولة عربية.
موريس يؤيد حل الدولتين على أساس مصالحة جغرافية. لكنه يعتقد أن هذا الحل غير قابل للتطبيق. ولكن تبريره لعدم قابليته للتطبيق هو تبرير ضعيف، وأساسه الخشية من استيعاب اللاجئين الفلسطينيين. وكما أشار موريس، فإن الأمر يتعلق باستيعاب اللاجئين من سوريا ولبنان، حيث إن نصف إجمالي اللاجئين يعيشون منذ عام 1948 في أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وأغلبية الباقي في الأردن. في إطار المفاوضات بين إسرائيل وم.ت.ف تقرر أنه سيعطى للاجئين الحق في اختيار مكان عيشهم. أحد الاحتمالات سيكون البقاء في أماكنهم والحصول على التعويض. في الاستطلاعات التي أجريت، معظم اللاجئين في الأردن اختاروا هذا الخيار. عدد الفلسطينيين في لبنان ـ حسب الإحصاء السكاني الأخير هناك ـ هو 174 ألف شخص فقط، و45 في المئة منهم فقط يعيشون في المخيمات. في سوريا، أما في أعقاب الحرب الأهلية، فقد انخفض عدد اللاجئين الفلسطينيين إلى النصف، وبلغ عددهم 250 ألف شخص. بناء على ذلك، أيضاً مع الافتراض المبالغ فيه بأن جميع هؤلاء اللاجئين سيريدون العودة إلى دولة فلسطين في الضفة والقطاع، ولن يستغلوا الخيار الذي تم الاتفاق عليه في المفاوضات باختيار دولة ثالثة ـ فإن استيعابهم ضمن خطة متعددة السنين، لا يتوقع أن تشكل تحدياً كبيراً لدولة فلسطين والنظام الدولي الذي سيقام لصالح ذلك.
إن احتمال حل دولتين لشعبين ما زال قائماً ويرتكز على الصفقة الأساسية لأنابوليس. القيادة الإسرائيلية الحالية ترفض تبنيه من جديد، وتفعل كل ما في استطاعتها من أجل الانتقال من الضم الزاحف إلى ضم الضفة الغربية أو أجزاء منها بواسطة تشريع في الكنيست. للأسف، معظم المرشحون الذين يريدون استبدال نتنياهو ما زالوا غير مستعدين لتبنيه. في الجانب الفلسطيني، الانقسام الآخذ في التعمق بين فتح وحماس واليأس الذي يتملك كل زاوية في غزة والضفة، يدفع الكثير من الفلسطينيين إلى تبني حلم الدولة الواحدة. انسحاب الولايات المتحدة من مكانة الوسيط النزيه وضعف أوروبا، تضمن أن الخلاص لن يأتي من الخارج، وأن السيناريو الذي يصفه موريس ـ والذي وصفه كثيرون قبله ـ يمكن أن يتحقق.
شاؤول اريئيلي
هآرتس 25/1/2019