علاء فوزي أبو طه
لم تشهد غزة اسبوعا عنيفا كما حدث بين يومي 8 ـ 12/6/2007، وما احدثته القوة التنفيذية وكتائب القسام التابعين لحركة المقاومة الاسلامية حماس.
حدث من هذا النوع كان منتظرا لعدة اسباب، ولعل اهمها كثرة وتعدد وتكرار شكاوي المواطنين الآمنين في غزة من حالة الفلتان المجنونة التي اصابت القطاع، وخصوصا بعد الانسحاب الاسرائيلي منه، مظاهر مسلحة واستعراضات وعربدة وقتل وتنكيل واغتيالات وعصابات نهب وتجارة سلاح ومخدرات بشكل علني، ومشاكل عائلية يوميا تحصد الارواح، وعمليات سرقة وسطو غير طبيعية، انهيار تام للقيم المجتمعية، عاش خلالها المواطن في غزة بأسوأ الكوابيس، فكل من يسير في شوارع غزة قبل اسبوع الحسم يراوده شك في قدرة اي قوة بأن تضع حدا لهذه المظاهر، ومع فوز حماس في الإنتخابات وتشكيلها الحكومة وانشائها للقوة التنفيذية، وللحقيقة كانت مرحبا بها من قبل المواطنين في البداية، لما علق عليها من آمال لوضع حد لهذه المظاهر المخيفة في غزة، ولكنها سرعان ما انخرطت في الحالة وزادت من تعقدها، وادخلتها نحو فصل جديد ومصطلح الإقتتال علي الاساس السياسي، وعدم وضع حد للفلتان الاجتماعي والأخلاقي.
ما شهدته غزة بعد أسبوع الحسم من هدوء نسبي عم شوارعها، كان من أهم إيجابيات ما حدث، مع عدم تجاوز مجموع الاخطاء التي حصلت من قبل حماس، كذلك ما سبقها من مجموع الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها فتح، وليس هذا كلاما للمناصفة او المواربة والحياد، بل انها الحقيقة كما يراها ويؤيدها الكثير من أبناء غزة، سنحاول من خلال هذه العجالة الوقوف علي أهم السلبيات والأيجابيات التي تلت أسبوع غزة الدموي.
من وجهة نظرنا علي الأقل تنحصر أخطاء حركة حماس في هذه الحادثة بثلاثة أسباب رئيسية، جعلت الكثير من أبناء غزة ينتابه الريبة والشك من نوايا حركة حماس وطريقة إدارتها للأزمة، وهذه الأخطاء:
ہ العنفية والدموية غير المسبوقة والتي مارستها حماس ضد أبناء الأجهزة الأمنية، الذين ليس لهم أي ذنب، هؤلاء المغرر بهم والذين يذهبون الي مقراتهم ليس إيمانا منهم بحقانية قادتهم السياسيين والأمنيين، بقدر حرصهم علي وظيفتهم ورواتبهم، هؤلاء أبناء وجنود الأمن الوطني والأمن الوقائي، ما هم إلا أولادنا وأبناء شعبنا الذين يجري عليهم ما يجري علي أبناء القسام وأبناء القوة التنفيذية، هؤلاء الذين قتلو برصاص القسام في مقراتهم لم يرتكبوا ذنب سوي أنهم كانوا في المناوبة في مقرات عملهم ومصدر رزقهم، هذا ونحن ندرك جيدا المنطق العشائري الذي تتحرك به الثقافة الغزاوية علي وجه التحديد، فكيف لعائلات هؤلاء الشباب أن ينسوا دماء أبنائهم، وكيف لهم أن يقتنعوا بأن ما قامت به حماس هو لمصلحة أمنهم وأمن أبنائهم.
ہ ثانيا وهو مرتبط بالأول، بأن حماس لم تفلح في النيل من أي من رموز الفساد المعروفين للشعب، والذين تقول حماس بأنهم سبب حالة الفلتان الأمني بغزة، هؤلاء بأسمائهم التي تشهر بهم حماس ليل نهار، لم تصل الي أحد منهم، بل إستطاعوا أن يهربوا بأموالهم وأسلحتهم تاركين مؤتمريهم يواجهون مصيرهم بالموت، لم تشف حماس غليل أهل غزة الذين كانوا ضحية فساد هؤلاء، وممارسه حماس في غزة تنم عن عدم وجود نية محكمة وصادقة للوصول الي رأس الفساد وتقديمهم للمحاكمة.
ہ أما الخطأ الثالث والذي لا يقل أهميه عن سابقيه، وهو إستهداف المقرات والمباني ملك الشعب الفلسطيني وليسوا ملك فتح أو ما تسميه حماس التيار الخياني في فتح، فهذه المقرات والتي دفع الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا للحفاظ عليها، فاذا كانت حماس تخشي علي عناصرها من الإنكشاف للطيران الإسرائيلي إذا ما استقرت في تلك المقرات، فلتسلمها لأيد نظيفة أو تؤمنها من السرقة والنهب والتخريب الذي مورس علي المباني والحجر التي بنيت من أموال الشعب، وهي حق للشعب، وليس لفصيل بعينه. كنا نأمل أن تخلص حماس غزة من الطابور الخامس الذي يعبث بأمن الوطن والمواطن، بدون هذا الدم وهذا الخراب، كما أن تبرير هذه الأعمال لا يقل عن ذنب إرتكابها من الأصل، هذا العنف غير المسبوق الذي مارسته حماس أخاف الشعب منها، وجعل أبنائها غير قادرين علي تبرير ما حدث، وبإعتراف الجميع وعلي رأسهم خالد مشعل أن هناك أخطاء، هذه الأخطاء لا يمكن أن تنسي، إلا إذا أعادت حماس للشعب الفلسطيني بغزة الطمأنة والأمان علي مستقبله وحرية التعبير، وعدم ممارسة الإقصاء.
أما أخطاء فتح، فهي معروفة طيلة 15 عاما من الحكم، ومنذ دخول السلطة للأراضي الفلسطينية، وهناك مجموعة كبيرة من ملفات الفساد والتجاوزات الأخلاقية والقانونية والوطنية، لم يسعنا هذا المقام للإحاطة بها، ولكن بإعتقادنا أن أكبر الأخطاء التي تقع فيها فتح بعد الإنقلاب، هو عدم الإعتراف بما حصل، وهو قد حصل بالفعل، وتمارس الحرد السياسي الذي لا يتماشي ومصلحة الشعب، فتح الآن تعاقب غزة تحت شعار محاصرة غزة، هربت قيادة غزة خوفا من الموت والآن لا ترغب بالعودة وتصحيح المسار، وهناك تخوف حقيقي عند أهل غزة بأن فتح باتت تنوي بيع غزة لحماس ولو لفترة قصيرة وتراهن علي حصار حماس فيها، حيث قطعت فتح كل إمكانية لإعادة ترسيخ فتح غزة.
أبناء السلطة وموظفوها في غزة ينتظرون من قيادة السلطة مصيرهم، وأهل غزة المدنيين ينتظرون عودة الحياة للمؤسسات الفلسطينية، فكل القرارات التي صدرت عن الرئيس تنتج في الواقع قطيعة مع غزة، فكيف لمليون ونصف المليون أن يسيروا معاملاتهم القانونية ويمارسوا عملهم ويجددوا جوازات سفرهم في ظل تعميم قرار علي الموظفين بعدم الدوام، هناك حياة في غزة تحتاج من السلطة وقياداتها الإهتمام أكثر بها.
فإلي متي سوف يبقي موقف فتح بعدم الحوار مع حماس، وهل بهذا مسؤولية وادراك لهموم المواطن بغزة؟
، وكيف للرئيس ان يهتم بأهل غزة وهو رافض تماما الذهاب الي غزة؟
، الا يعتبر الرئيس رئيسا للشعب الفلسطيني منتخب انتخابا مباشرا؟ كيف له ان يتخندق في خندق فتح؟ ويفضل ان يكون رئيسا لفتح علي ان يكون رئيسا للشعب كله؟ غزة مدت الحركة الوطنية الفلسطينية بروافد النضال المستمر شخصيات وطنية ومجموعات وحركات وشهداء وأسري وضحايا، ورفعت لواء الثورة الفلسطيني طيلة سنواتها، وكانت الشرارة الاولي والشوكة في حلق الاعداء، غزة كانت ومازالت الرقم الصعب والمراهنة الكبري للقضية الفلسطينية، فكيف لها أن تعزل هكذا وتعاقب من حماس ومن فتح؟!9