صافينار ـ أكرمك الله ـ صاروخ فضائي جديد في سماء الرقص الشرقي، وهي مصرية من أصل أرمني، واكتسحت السوق برقصاتها المثيرة في فيلم تجاري مبتذل حطم الأرقام القياسية في شباك التذاكر، وصعدت شهرتها إلى العالمية بتقرير سنوي لشبكة ‘غوغل’، أكد أن اسم ‘صافينار’ احتل المركز الأول في كلمات بحث المصريين على محرك البحث الدولي الشهير.
بدا الخبر لافتا بشدة، خاصة أن عام 2013 شهد دراما سياسية عاصفة في مصر، ملأت الدنيا وشغلت الخلق، وتخاصمت فيها وجهات النظر، ودارت حروب شوارع صاخبة، وسال دم كثير، وقامت وتقوم محاكمات، ويستعد البلد لاستفتاءات وانتخابات، تتقاتل فيها عشرات الفضائيات وبرامج ‘التوك شو’، وتقفز إلى السطح عشرات الأسماء مما يختلف فيه الناس، لكن دراما السياسة على ما يبدو لم تجذب الاهتمام بالقدر الكافي، وبدا اسم ‘صافينار’ أكثر جاذبية لشباب المصريين، أو قل أن جسدها وملابسها العارية حصدت النار من اسمها، ودفعت الشباب إلى التصويت لها دون غيرها، وتقدمت إغراءات الشغف بالجنس على دواعي الانغماس في السياسة.
ولا تبدو قصة الالتفات إلى ‘صافينار’ جديدة من نوعها، وربما لم نكن في احتياج إلى تقرير غوغل الجديد لنعرف ما يجرى، فالتقارير المشابهة ـ لسنوات بعيدة خلت ـ تعكس نفس المعنى، فكلمة ‘جنس’ ـ أو ‘sex’ بالانكليزية ـ هي الأكثر طلبا عند شباب العرب على محرك البحث الدولي، يستوي في ذلك شباب المملكة السعودية أو الشباب المصري، وحتى في أفغانستان وقت خروجها من حكم حركة طالبان ‘الإسلامي’ المتزمت، وهو ما يثير أسئلة ذات مغزى في مجتمعاتنا، التي يزهو البعض بتدينها وأخلاقيتها، فقد سادت عقود مما يطلق عليه البعض صفة الصحوة الإسلامية، وكانت لها دواعيها الموضوعية المفهومة، فقد جرى الانقلاب على مثال الدولة الوطنية الحديثة، وتوقفت حركة التحديث والتصنيع الشامل، وجرت نسبة هزائم الحروب إلى نقص التدين، وزادت هجمة ثقافة الغرب ‘اللاديني’ على مجتمعات التخلف، وكان الرد هو التطرف في إظهار معاني وطقوس اختلافنا، وهكذا بدت ‘الصحوة الإسلامية’ ردا دفاعيا، لكنه لم يكن دفاعا بوسائل العصر، بل بالانقطاع عنه، وبالخروج من سباق العصر الصناعي والعلمي والتكنولوجي، وعلى ظن أننا ننجو بأنفسنا من الرذائل، ونبنى أمة الأخلاق الحميدة، وهكذا انتشرت عادات الحجاب والنقاب وإطالة اللحى، وكل ذلك مما ينص عليه الدين أو تحبذه السنة، ولا عيب فيه، فهو يعكس خصوصية دينية وثقافية، لكن العيب كان في مكان آخر، كان العيب في السياق الذي حاولنا فيه اكتساب خصوصية الطقوس، خصوصية المظهر لا الجوهر، فليس الإسلام ـ فقط ـ فيما يلبس أحدكم، بل الإسلام فيما يتقنه، فالمسلم الحقيقي هو العامل المنتج المبدع الصانع، والإسلام في عمارة الأرض لا في تخريبها، وقد بدت بلادنا خرابا حقيقيا مفزعا، فنحن لا نصنع سياراتنا ولا طائراتنا، ولا نصنع سلاحنا ولا كساءنا، بل نستهلك ما يصنعه غيرنا، ونزهو على الناس بتخلفنا العميم، بل وينعق بعض مشايخنا بخرافات ما أنزل الله بها من سلطان، وعلى طريقة أن الله سخر الآخرين لخدمتنا بما يصنعون، وهو بؤس وسخف عقلي ووجداني يلصقونه بالدين، والإسلام منهم براء، فالإسلام في صعوده الأول صنع حضارة علمية كبرى، بينما بدت صحوتنا ‘الإسلامية’ المعاصرة كأنها الكبوة بالذات، فقد انتشرت المظاهر الدينية في شوارعنا، وتوالت عشرات الفضائيات الدينية، وظهر مئات ـ ربما آلاف ـ المشايخ ممن طالت لحاهم واكتنزت جيوبهم، وتحول بعضهم إلى مليارديرات، ووقعت الجموع في أسر بعض فتاويهم الملتاثة الضالة، فمنهم من يبرر و’يشرعن’ إقامة قواعد عسكرية أجنبية على أراضينا، ومنهم من يجيز الاستعانة بقوات ‘الكفار’، ومنهم من يرى في الاحتلال عين الاستقلال، ومنهم من يقدم المظاهر على الجواهر، وكلهم ـ إلا من عصم ربك ـ يصطنعون القطيعة المكذوبة بين الدين وسباق العصر، وهكذا تحولنا إلى ركام مهمل على أرصفة التاريخ الجاري، فلا استقلال وطني، ولا تصنيع شامل، ولا عدالة اجتماعية، ولا جيوش تسد عين الشمس، ولا حوار حر تتكافأ فيه الوسائل شرفا مع الغايات، بل ‘ولاية مشايخ’ ليست من الإسلام في شيء، وكل هذا الخواء العقلي جعل هذه الصحوة ‘الإسلامية’ تخطئ القصد الأصلي، فلم يزد منسوب الأخلاق مع كل هذا الفيض المدعي للتدين، بل بدا التدين قشريا بامتياز، وكانت النتيجة على ما نعرف، ليس ـ فقط ـ بدلالة صعود وأولوية الاهتمام باسم ‘صافينار’، ولا بأولوية كلمة ‘الجنس’ عند الشباب الزائرين للإنترنت، أو الساكنين في مواقع التواصل الاجتماعي، ولا بسيادة الولع بالميديا الإباحية، فقد تكون تلك ـ وغيرها ـ ضريبة استخدام التكنولوجيا التي لم نصنــــعها، لكن التكنولوجيا ـ أيضا ـ كانت لها نعمة كاشفة، فهي تكشف المخبوء الذي نتظاهر بغيره، وتفضح إزدواج سلوكنا، الذي انتقل من لوحة مفاتيح الكــــومبيوتر إلى حياتنا وشوارعنا، التي تبدو ملتزمة ومحجبة جدا، بينما شبكات الدعارة السرية والعلنية في أوج ازدهارها، وجرائم الاغتصاب والتحــــرش الجنسي صارت صداعا مزمنا، وكذا الغش والكذب والجرائم الأسرية، ومعدلات الطلاق والشذوذ الجنسي، كما تحولت السرقات والرشاوى والفساد إلى قانون سائد، وإلى غيرها من الجرائم مما لا يعد ولا يحصى، وإلى حد بدت معه صفحات الحوادث وأخــــبار الجرائم كأنها المــــرآة الأصدق لما تردى إليه حالنا الأخلاقي، والأعجب أن كل ذلك يحدث بعد عقود من وعظ وإرشاد وفتاوى ما سميناه بالصحوة الإسلامية (!).
ترى أين الخلل بالضبط؟ ليس الخلل بالطبع في التزام مظاهر التدين، بل الخلل في تفريغ التدين من محتواه الحقيقي، الخلل في ‘الفصام النكد’ بين الإسلام وحياة المسلمين، فلن يكون الإسلام بخير مادامت أحوالنا على ما نعرف، ولن يزدهر الإسلام بغير ثورة هائلة تغير حياتنا، ولن يؤدي الإسلام دوره في التربية وامتياز الخلق مع استمرار تخلف المسلمين، فالأخلاق لا تزدهر مع التخلف، والأخلاق لا تنهض مع الظلم، الأخلاق لا تستقيم مع الفقر والبطالة والجهل والعنوسة والمرض، كان الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ يقول ان ‘الفقر يورث الكفر’، والفقر يورث الجريمة، والبطالة تورث الابتذال، وما لم يتوازن المجتمع، فلن تنتصر الأخلاق، وتجريف الصناعة والزراعة والثقافة والسياسة والعلم، تجريف دواعي التقدم ينتهي بنا إلى تجريف الأخلاق، بينما الاهتمام بالعلم يرفع مكانة العلماء لا الراقصات، وتوفير فرص العمل يشغل الشباب عن الولع بالصور العارية، وتمكين الشباب من الزواج يفتح البيوت، ونيل الاستقلال الوطني يفجر المشاعر الوطنية لا الميول الجنسية، وبناء الصناعات الكبرى يعيد صياغة حياتنا، ويدخلنا في سباق العصر، لا في سباق الفوز بسوء الخلق، وحضور العدالة في التوزيع ينفي المظالم، ويستعيد الإيمان بحق الحياة وحرمة الدم، ويوقف فوضى الجرائم التي تستهين بذنب الدم، ويمتص ظواهر البلطجة المتفشية، التي لا تحمى منها مظاهر التدين، بل جواهر التدين هي التي تبقى وتدوم وتؤثر، وهي التي تمكث في الأرض وتنفع الناس، وتضع هرم القيم على قاعدته لا على رأسه، وترد الاعتبار لقيم العمل والانتاج والعدالة والتفوق العلمي، وتبني أمة ‘وقل اعملوا’ وأمة ‘إقرأ’، لا أمة شاهد واستمتع بصور ‘صافينار’.
‘ كاتب مصري