أخيرا أقرا الامريكان: تحقيق الديمقراطية في العراق خيار لا اكراه فيه

حجم الخط
0

نبيل ابو جعفر

حتي بعد استشهاده، ما زال الرئيس صدام حسين ونظام حكمه والمآل الذي وصل اليه احتلال العراق، شغل الامريكيين وشاغلهم، والسبب الرئيس وراء تخبّطهم في قراراتهم وتذبذب مواقفهم ممن نصّبوهم حكاماً بعد فشل كل مشاريعهم وخططهم لتهدئة الاوضاع منذ اندلاع المقاومة قبل اكثر من اربع سنوات.

لقد اصبحوا في وضع يتلمسون فيه اي وسيلة للانسحاب غير المهين، ويأملون الخروج من المستنقع الذي غاصوا فيه اليوم قبل الغد، ولكنهم يكابرون علي طريقة يتمنّعن وهنّ الراغبات، خصوصاً وانهم يخشون عواقب عديدة ـ غير فقدان المصالح والهيبة امام العالم ـ في مقدمتها ان يشمت بهم الشهيد في مثواه قبل اي انسان او نظام آخر.

المزاج واهانات المالكيبعد اربع سنوات ونصف من الغزو والاحتلال، ما زال الرئيس الامريكي لا يدري ـ رغم كل عناده ـ علي اي جنبٍ يميل بشكل نهائي، ولا علي اي قرار يستقر، سواء بالنسبة للانسحاب او التعنت بالبقاء. هل يواصل دعم قواته وزيادة عددها عند الحاجة، ام يقوم بخفضها حسبما يطلب منه بإلحاح شديد.

هذه الخربطة في شخصية بوش وتناقضاته اخذت تنعكس بوضوح صارخ اكثر من السابق علي موقفه من أداء حكومة المالكي التي نصبتها ادارته، ولم يعد غريباً ان يتغير من يوم لآخر، وحتي في اليوم الواحد نفسه اكثر من مرة. ولعل ما حدث في يومين متتاليين فقط هما 21 و24 آب (اغسطس) الماضي خير دليل، حيث تغير موقف بوش من المالكي ثلاث مرات علي مسمع العالم!

فبعد ان اعرب الرئيس الامريكي مساء الثلاثاء 21 آب (اغسطس) عن تذمره وعدم ثقته بحكومة المالكي، واوحي بقرب تغييرها ـ من مكان تواجده وهو يشارك في قمة كيبك الثلاثية مع كندا والمكسيك ـ عاد في اليوم الثاني الي القول انه رجل طيب وله ملء الثقة فيه، وكرر عبارة he is a good guy مرتين علي التوالي.

ولم تمض ساعات علي هذا الكلام الاستدراكي لبوش حتي طالعتنا صحيفة نيويورك تايمز بآخر ما استقرّ عليه رأي الاستخبارات الامريكية في تقرير جديد قدم للرئيس حول حكومة المالكي، ومدي التشاؤم الكبير من امكانية استمرارها والاعتماد عليها، وكان لافتاً تعميم النقطة الابرز في تقرير التشاؤم علي نطاق واسع في سائر وسائل الاعلام الامريكية والعالمية ايضاً.

اما اللافت اكثر من ذلك لمن يريد ان يدقق في حالة عدم انضباط البارومتر الامريكي تجاه المالكي وحكومته، فهو تزامن تعكّر مزاج بوش وارتفاع حمي الهستيريا لديه، مع ارتفاع وتيرة عمليات المقاومة وسقوط اكبر عدد من القتلي في صفوف قواته المحتلة. وكان هذا البارومتر اكثر وضوحاً في التأشير علي مدي الاحباط وفقدان الاعصاب اثر تحطم آخر مروحية عسكرية ـ حتي كتابة هذه السطور ـ وقتل 14 عسكرياً وفنياً امريكيا من جراء ذلك، مما يدلل علي ان المالكي ـ مع كل حكومته ـ سيبقي ملطشة علي الطالع والنازل من قبل بوش. مرة يوبخه ويهينه، ومرة يتراجع ويبدي بعض العطف عليه، ثم يعود لإهانته من جديد والاعلان عن عدم صلاحيته وفقدان الثقة فيه.

استهزاء بالحاضر ومقارنة مع الماضيفي ظل استمرار هذا المشهد المتكرر لم يعد غريباً ان تصبح هذه الحالة مصدر استهزاء الامريكيين علي رئيسهم وادارته، وعلي صاحب اكبر قدر من الاهانات الموجهة الي انسان مسؤول، مع تصاعد وتيرة خوفهم علي ابنائهم المرسلين للتعرض الي القتل المجّاني. وكان من الطبيعي ان نسمع عن مشروع جديد يتعلق بالانسحاب وخفض عدد القوات، كشفت النقاب عنه صحيفة لوس انجيليس تايمز (عدد 24 آب ـ اغسطس)، علي لسان رئيس هيئة الاركان الامريكية الجنرال بيتر بيس، الذي قالت انه سيطلب من بوش في جلسة مغلقة خفض عدد القوات الي النصف، وسيكشف له دون مواربة ان سبب ذلك يعود الي ان الوجود العسكري في العراق قد انهك قواتنا وافقدها القدرة علي الرد المطلوب اذا ما واجهت ظروفاً اصعب، لانها امست تعيش حالة غير مسبوقة من الاحباط، نتيجة ما ألم بها من خسائر وسط ضبابية الاهداف، وعدم حسم الموقف الرسمي بالنسبة للانسحاب او عدمه.

هذه الحالة بكل ابعادها اصبحت مع الايام واتساع دائرة المخاطر بوصلة امام الامريكيين بمختلف مشاربهم، يقارنون من خلالها بين الوضع الذي خلقوه والمأساة التي سبّبوها للعراقيين، وعهد الرئيس صدام الذي سطوا عليه بالعربدة والتزوير وقوة التدمير الهائلة، وقد عبّرت عن توجّه هذه البوصلة صحيفة بوسطن كلوب في 24 آب (اغسطس) بعبارات محدّدة قالت فيها بالنص: كان من الافضل لو تَركَ الرئيس بوش صدام حسين في الحكم بدلاً من التورط في اربعة اعوام حرب مزّقت العراق، وراح ضحيتها 3700 من عسكرنا، واضعاف ذلك من الارواح العراقية.

ولم تقتصر المقارنة بين الماضي العراقي والحاضر، بل تكرّرت في معظم الصحف الامريكية بين فيتنام والعراق، وكان جيم هوغلاند اكثر وضوحاً وجرأة في طرحها من علي صفحات واشنطن بوست حيث قال بالنص ايضاً: .. انه من الخطأ الكبير ان يستغلّ بوش الفشل الامريكي في فيتنام وما تلي انسحاب قواتنا منها، ليربط بين عواقب الانسحاب من العراق ومبررات استمرار وجودنا فيه. فاذا كان الرئيس الامريكي نيكسون قد آثر البدء بالانسحاب من فيتنام بعد اربعة اعوام ونصف من التورط هناك، فاننا لا نري اية استراتيجية امريكية مماثلة للانسحاب من العراق رغم مرور مدة مماثلة علي الحرب والاحتلال!

وما لم يقله الجنرال الامريكي انه رغم سقوط كل الذرائع والاتهامات التي لم تملّ الصحافة الامريكية ذاتها من تكرارها باستمرار، سواء فيما يتعلق بتصنيع اسلحة الدمار الشامل، وتهديد الجيران، او العلاقة مع القاعدة وتهمة الدكتاتورية في بحر من الديمقراطيات العربية.. الخ، الا ان ثمة توجهاً جديداً طرأ علي الموقف الامريكي، وقد مر علي المراقبين والمهتمين بالشأن العراقي مرور الكرام، ويتعلق بعدم الالتزام في تحقيق مطلب الديمقراطية في العراق، وقد ورد علي لسان احد اكبر القادة العسكريين، وهو الجنرال في قيادة الصاعقة الامريكية بنجامين ميكسون، الذي قال ان الديمقراطية ليست لدينا اكثر من خيار، والعراقيون احرار في قبولها ام لا بعد كل هذه السنوات. واستطرد قائلاً: دعونا ننظر الي دول الشرق الاوسط لنكتشف ذلك!

طار الهدف اليتيم الباقي!

علينا التذكر هنا كيف كان الساسة الامريكان والقادة العسكريون يُجيبون عندما يسألهم العراقيون ـ قبل سقوط الذرائع وبعدها ـ عمّا فعلوه ببلدهم من قتل وتدمير وتقسيم وحرب اهلية، بترداد العبارة الكاذبة والبلهاء: … ولكننا حققنا لكم الديمقراطية! والتذكر ايضاً كيف حملت لنا كلمات الجنرال التي لا تُعبر عن رأي شخصي مقطوع الجذور ما مفاده ان الامريكان لم يعودوا يتشبثون بما كانوا يعتبرونه هدفهم، بل بدأوا يعترفون صراحة ان هذا الهدف لم يكن صائب الطرح، وانهم اسقطوه من حساباتهم وطروحاتهم بعد خراب البصرة.

اما المطلب الامريكي البديل والملح في هذه الايام فهو في نظر الجنرال العمل علي تهدئة الاوضاع وتخفيف حدّة هذا الجحيم الذي يستهدفهم عن طريق ايجاد حكومة قوية وفاعلة تكون قادرة علي تحمل مسؤولية تحقيق المطلوب.

اي باختصار: العودة لنقطة الصفر بالنسبة للامريكان وبدء التفتيش عن القوة والاقتدار ولو علي ايدي دكتاتور كسائر قيادات دول الشرق الاوسط، وما علينا الاّ النظر الي تجربة كل منها حتي تتأكد لنا ابعاد الاكتشاف الجديد للجنرال!

صدق في استقرائه.. وكذبوااستناداً لكل ما سبق، يحق السؤال بعد سقوط ورقة التوت الاخيرة التي استمر التذرع بها عند عملية اجتياح الكويت: وماذا تبقي للامريكان من اعذار بعد؟

اذا كانوا يريدون تحقيق مصالحهم المشروعة كأي دولة بين دول العالم، فقد حسمها الرئيس صدام منذ القديم وقبل 17 عاماً من اليوم، وتحديداً بعد دخول الكويت وقبل تحريره من قبل التحالف الدولي، ولكنهم لم يسمعوا رأيه، ولم يجب بوش الاب ـ وقتها ـ علي الرسالة التي طلب من القائم بالاعمال الامريكي في بغداد جو ولسون نقلها اليه، وتقول حرفياً علي لسان الرئيس الشهيد ما يلي: اذا كان ما يريده الرئيس الامريكي هو المعلن فيما يتعلق بمصالح الولايات المتحدة في المنطقة مثلما تحدّثنا عن ذلك، فاننا نري ان التصعيد والتوتر والتصرف العسكري هو ضد هذه المصالح.

اما اذا كانت هناك مصالح اخري غير معلنة ولا نعرفها، فهذا شأن آخر، وفي كل الاحوال، نحن نريد الاستقرار والسلام، ولكننا نكره الخضوع ولن نقبله، ونكره الجوع لان شعبنا جاع الف سنة، ونتطلع بشرف وبمجهودات انسانية مشروعة الي المستقبل، بما في ذلك بناء علاقات متطورة وجيدة مع الولايات المتحدة ان ارادت هي ذلك.

وبدل الردّ بالعقل كان جواب بوش الاب فتح نار جهنم علي العراق، واكمل الجريمة ابنه من بعده بالغزو الشامل والاحتلال، ومع ذلك لم تخرج الولايات المتحدة بنتيجة حتي الآن علي صعيد كسر ارادة الناس، بل علي العكس تحقق ما قاله الشهيد في لقاء صحافي مُغلق تم في بغداد بعد الخروج من الكويت وبدء عملية الحصار الشامل، تحدث دون اي حرج عن محاولات اعداء العراق وضع مسؤولية ما حدث علي رأس النظام والتشكيك بقدرة شعبه علي الصمود وقال كلاماً جرت محاصرته يومها والتعتيم عليه، جاء فيه: اننا نعرف بالطبع ان العراقي كان وطنياً قبلنا، اي قبل مجيئنا، ولكن الزهو بوطنيته من موقع النظام ومن موقع المقارنة مع محيطه القريب او البعيد هو امر لم يحصل الاّ في هذا العهد، او في العصور البعيدة جداً في تاريخه، فكيف يمكن ان يقنعوه بامكانية الاتيان بنظام يقدّم له خدمة افضل من هذا النظام؟ هذا امر ليس بامكانهم ان يفعلوه…. وها هي الايام تثبت ذلك، رغم الغزو والاحتلال وشلالات الدم ومئات الالوف من الضحايا والشهداء.

لقد صدق في استقرائه وكذبوا في ادعاءاتهم… ولهذا كله كان ما كان، ولكن الي.. حين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية