الإنسان مخلوق اجتماعي، خلقه الله سبحانه وتعالى لأهداف معلومة لا يتحقق معظمها منفردا منعزلا عن بني جنسه، وأدرك بدوره أن بقاءه واستمراره على هذا الكوكب لن يتحقق إلا بالتكتل داخل التجمعات. هكذا كبرت هذه التجمعات حسب الحقب الزمنية المتتابعة حتى آلت إلى قرى ومداشر وبلدات ومدن وأوطان يدفع الغالي والنفيس في سبيل الذود عنها.
وكنتاج لهذه التكتلات العظيمة هنا وهناك تولدت ضرورة للتنظيم المحكم والتسيير الدقيق للمواد والنفقات والخدمات التي يجب أن يعض بها المقيم داخل هذه المدن أو الدول التي ينضوون داخل نطاقها.
ويظهر مصطلح جديد ألا وهو العاصمة التي اعتبرت منذ القديم الواجهة المشرقة التي يجب أن تحمل جميع الإدارات والهيئات والسلطات كما تتضمن في الغالب إقامات الساسة والحكام، والملوك وما يمثل الدول والممالك الأخرى. هذه مفاهيم يعرفها العامة وهي من أبجديات الأمور التي لا يمكن جهلها، لكن وبحلول العام 1992 وأثناء إقامتي بالحي الجامعي بالقبة القديمة، شاءت الأقدار أن يكون زميلي في الإقامة طالبا من بوركينا فاسو. كان قمة في الحيوية والنشاط مقبلا على طلب العلم بنهم وشراهة حتى أنه كان لا ينام من الليل إلا سويعة أو ما يزيد. وفي إحدى الأمسيات المحلاة بالشاي وبعد تحاور حول مواضيع عامة لاح سؤاله الذي هزني وأعلمني كم كنا نبعد عن عالم اليوم. سؤاله وببساطة والذي لازلت أذكره تمثل في كلمات بسيطة أسردها كما وردت ‘ أين عاصمتكم السياسية’ سؤاله كان نتيجة منطقية للفوضى التي أرهقت كيانه والتي تتخبط فيها عاصمتي الجزائر. وللأسف لم يكن لدي ما أرد به. وبعد سنوات وبعد العودة إلى هذه العاصمة التي لا أدري سبب إلصاق كلمة البيضاء بها رغم أنها صارت تبعث على الغثيان والرغبة في إخراج كل ما احتوته أحشائي، تلوث وسيارات مكدسة على الطرقات بسبب ملايين المصالح التي لا تقضى إلا في أحشاء هذه المدينة العاصمة مصالح إدارية، تجارية، اقتصادية، تعليمية، وزارية، سفريات أي كل ما يتعلق بمصالح ملايين البشر الذين ينتمون إلى وطني الحبيب.
وهنا تذكرت الفكرة فتساءلت ‘ماذا لو كانت لنا عاصمة ثانية تتوسط البلاد’؟ عاصمة سياسية بكل المقاييس، تضاهي دبي والرياض والدوحة. ما الذي ينقصنا؟ وبوقزول الفكرة الأولى لرئيسنا الراحل ما زالت كما هي. ماذا لو تركوا مدينة الجزائر وما جاورها لما خلقت له، عاصمة اقتصادية بمينائها الشهير، وقطبا فلاحيا نحرره من وباء الإسمنت الذي أتى على الأخضر واليابس وأحال نتيجة الماضي بقرة فرنسا الحلوب أيام الاحتلال إلى بناءات فوضوية وطرق إلتوائية عشوائية عاجزة عن استيعاب السيارات المتدفقة من كل حدب وصوب.
نعم عاصمة جديدة تستقطب كل ما هو إداري، من وزارات، وسفارات، وقصر للحكومة ومقر للرئاسة، وإدارات لها علاقة مباشرة مع مصالح جميع المواطنين مع عدم نسيان المرافق التي يحتاج إليها الموظف من فنادق وسكنات ومستشفيات ومدارس للأبناء ومحلات تجارية… إلخ. وتخيل الكم الهائل من اليد العاملة التي ستستقطبها هذه العاصمة أثناء التشييد وعدد الموظفين بعد التشييد وعدد المواطنين الذين تتحول مقاصدهم اليومية إلى هذا القطب الجديد. وتخيل شوارع العاصمة الحالية التي ستهجرها أعداد رهيبة من العربات. وتخيل كيف ستتحسن معيشة العاصميين، وتخيل كيف سيصبح قلب الجزائر وقد نفخنا فيه طاقة متجددة.
كل يوم يقصد فيه المرء العاصمة يدرك حجم الورطة الذي وضعت فيه هذه المدينة المظلومة وحجم المعاناة التي يتخبط فيها ساكنوها. فمن غير المعقول أن تستمر هذه المسرحية التي لا تستطيع خشبة المسرح استيعابها، فمسرحية بأبطال عدة وبإمكانات هائلة تطلب فضاء أفسح لتستوعب آلاف الممثلين والمعدات. وكما هو معلوم أن جميع الحضارات القديمة منها والحديثة قامت على ضفاف المصادر المائية، فما الذي ينقص تلك المنطقة بوقزول، الجلفة، البيرين أليس الماء أفضل ما تجود به تلك المنطقة أضف إلى ذلك المساحة الشاسعة المستوية المنبسطة البعيدة عن جميع المخاطر الطبيعية. أم أن أصحابنا لا يستطيعون الابتعاد عن النوافذ التي تطل على الميناء الذي يدر حليبا وسكرا وحديدا.
عليان محمد[email protected]