(أخيرا وصل الشتاء) لعبد الرحيم الخصار: كفن الانتظار المطروز منذ الولادة

حجم الخط
0

(أخيرا وصل الشتاء) لعبد الرحيم الخصار: كفن الانتظار المطروز منذ الولادة

يونس الحيول(أخيرا وصل الشتاء) لعبد الرحيم الخصار: كفن الانتظار المطروز منذ الولادةحتي قبل صدور مجموعته الثانية التي اجترح لها عنوان (أري وأكتفي بالنظر) بأيام، مازالت باكورة إنتاج الشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار (أخيرا وصل الشتاء) ((1 التي صدرت عن منشورات وزارة الثقافة المغربية سنة 2004 لم تحظ بالالتفاتة النقدية المتناسبة مع بصمة هذا الشاعر وحضوره في المشهد الشعري المغربي الجديد.والحقيقة أن الخصار يستمر في شق مغامرته الإبداعية التي بدأها في التسعينيات من القرن السابق بعدد من المنابر الشعرية المغربية والعربية محاولا تمييز صوته عن شعراء جيله بالإخلاص للنثر كوسيلة وحيدة لبناء خطابه الشعري، ذلك أن قصيدة النثر عنده تقف عند التخوم القصوي لأجناس أدبية أخري في مقدمتها السرد، مسهما بذلك في تحويل النظر عن المفهوم الثابت للقصيدة. ففي فعل الكتابة عند الخصار عامة وفي مجموعته الأولي خاصة تتعدد الأصوات وتتقاطع، ويتحول السرد إلي أحد إمكانات تفجير اللغة، أي جعلها قابلة لاستيعاب أفق الرؤية، بانتقالها من السياق الشعري إلي سياقات خطابية أخري، أو ما نسميه بالتعتيم الأجناسي (2).تتأسس مجموعة (أخيرا وصل الشتاء) علي نصوص مختلفة الأحجام، تلحمها تيمة لا تخطؤها العين و يكاد لا يخلو منها أي نص من نصوص الديوان، وهي تيمة الانتظار التي يفصح عنها العنوان سريعا انطلاقا من ركوبه علي خرق تركيبي فاضح، يتجسد في ترتيب جديد ومختلف لأجزاء الكلام، بتقديم كلمة (أخيرا) المفترض نحويا أن تتذيل الجملة لا أن تتقدمها، هذا الترتيب الذي هو تبئير للكلمة وتسليط مقصود لانتباه القارئ عليها، ليدرك أن هذا الشتاء لم يصل إلا بعد انتظار مرير وقاس عاشت فيه الذات الشاعرة كل أشكال الخوف والتوجس ليس فقط من موت أشجار الكستناء والطرفاء والصفصاف، وأزهار المارغريت و الغاردينيا والوستيريا.. التي تؤثث فضاءات قصائد المجموعة، بل أيضا وأساسا من يباس الحب في قلب المرأة التي ينتظرها بنفس الرجاء الذي يحمله علي القطرات الأولي لفصل الشتاء، نقرأ في نص (لست وسيما بما يكفي):صوت الكناري في القفصيحدس أنك قادمة من الصحراءمنذ أزيد من فصل وأنا أنتظر رجاء لا تتأخري فمن فرط الحرارةقد يجف الحب في قلبك (ص38)إن قسوة الانتظار والنظر إلي الأفق بخوف من ألا تحمل الغيوم سوي تبشير مزيف هو ما يجعل الشاعر يحدق في الماضي بنوع من اليوتوبيا حيث كل شيء كان علي ما يرومه، يقول في نص (خارج القفص):هامتي محنية باتجاه الماضيوعيناي تحدقان في الذي راحمن تلك الشرفةكانت تطل فتاتي الصغيرةبشري، ذات التنورة الحمراءقرب عمود الكهرباء المائل (ص15)أو يحتمي بالمتخيل، حيث نافذة اللاوعي تشرع أكثر من مرة في المجموعة، ليتسلل عبرها الشاعر فاردا ذراعيه للحلم، هاربا من سطوة يومي جاف ذاق فيه القسوة من أكثر من كأس وتلقي في دروبه وابلا من الصفعات، إنه في الحلم فقط يري ما يريد:هل كنت تلبسين فستانك الأبيض الشفافأم أن أطرافك كانت مغطاة بالثلج؟لقد كان الضباب كثيفالذلك لم أرك جيداوأنت تعبرين كالبرق في حلم البارحة (ص38)إن الشتاء المنتظر كمخلص للشاعر من عذاباته يتأخر كثيرا علي الرغم من النهاية المتفائلة التي يعلن عنها عنوان المجموعة، ولا حدائق الماضي أو جنان الحلم قادرة في هذه الحالة علي الصمود أكثر في وجه واقع لا يتورع عن عزل الشاعر أكثر والإمعان في إيذائه، لذلك يبدو الانتظار من جديد الخيار الأوحد للشاعر أمام عدم قدرته ـ هو الوحيد الأعزل المليء جسده بالرضوض ـ علي مجابهة جبروت الحياة، وإن كانت بعض سطور المجموعة تحمل تمردا علي الواقع وتعزف نغمة انتفاض علي الوضع سرعان ما تخفت أمام توق الذات الشاعرة إلي السكينة واكتفائها بعزلة تستسلم فيها للآتي وترقبه بعنق مشرئب، لنقرأ هذا المقطع من نص (لا أحد يطرق الباب):أعرف أيضا أن الفراشة التي كنت أوزع أجنحتها علي رفاقيستعود إلي حينما تزهر أشجار الخيزرانوفي انتظارهافي انتظار أن تعوددون أن يراها رفاقيأطفأت مصابيح العالموأشعلت قنديلا صغيرا في قلبي (ص33)إن ما زاد تيمة الانتظار نتوءا في الجغرافية الواهدة للمجموعة هو الطابع السردي الذي يلقي بظلاله علي أغلب القصائد، خاصة وأن فعل الانتظار غالبا ما يكون ردة فعل سلبية تجاه معاكسة الوقت لرغبات الشاعر، ردة تنتهي بها النصوص ولكنها لا تشكل خلاصا لذات يتضح أنها تقع أحيانا فريسة نزوع مازوشي تستلذ من خلاله بالعكوف في صومعة الانتظار، الذي يبدو أحيانا وكأنه مكتوب في لوحها المحفوظ، فحتي الشتاء المفترض أن يأتي مبرقا مرعدا محملا بسحب الخلاص لا يفعل سوي أن يعمق وحدة الشاعر وعزلته، نقرأ في نص (أخبئ حزني في شجرة الطرفاء):وحين يهزمني الانتظارويجمد الثلج قدمي الواقفتين لأجلكأعود إلي حجرتيمستأنسا بنحيب البرد والمطر (ص10)ولعل القارئ من هنا يستنتج بأن الانتظار في مجموعة (أخيرا وصل الشتاء) ليس ذلك الانتظار الذي يعيشه الجميع، ويتبدد بوقوع الحدث الذي نترقبه، إنه انتظار آخر، انتظار من أجل الانتظار، انتظار هدفه المضمر تأجيل الآتي أكبر وقت ممكن خوفا وتوجسا من هذا الآتي الذي يمكن أن يشكل خيبة مدوية ويقود إلي فراغ داخلي شاسع، فحتي في نص (رجل الثلج) الذي قدٌ منه عنوان المجموعة ككل، نجد أن انتشاء الشاعر بسقوط المطر بإشعال النار في المدفئة وتعليق المصابيح وأجراس النحاس والشرائط الملونة علي شجرة العيد، ووضع الشموع الحمراء علي أطراف الطاولة، سيتحول إلي فرح مؤجل ومنسي بسبب التوتر الذي يصاحب النظر إلي الساعة، وانتظار قدوم رجل الثلج الذي يبدو أنه أخلف وعده علي غير العادة مسلما الشاعر إلي فؤوس الحيرة والألم: (أراقب بندول الساعة وأنتظر..لكن رجل الثلج لم يمر، لم أسمع صرير عربته كالعادة، أوه، رجل الثلج، لم يطرق النافذة، ولم يهبني نصيبي من الهدايا) (ص48).إن شتاء عبد الرحيم الخصار إذا شتاء مخادع، يخاتل القارئ موهما إياه بكونه وصل أخيرا لكي يفك اللغز الذي يلقي بظلال غير مرئية علي المسالك التي تقود للإمساك بمفتاح النصوص: لغز الانتظار، الذي يمسي في المجموعة ككفن جاهز ينتظر فقط لحظة تأبين الشاعر لقطعان آماله الراكضة بهمة صوب مهاوي اليأس، أوليس في أي حال من الأحوال المعني الذي أراده الشاعر المغربي الكبير عبد اللطيف اللعبي حين قال:ليس هنالك سوي الانتظارولغزهوالأسئلة تزدرد الأسئلةما يتبقي منهافلفل لاذع هو طائر تحت اللهاةدليل علي اللعنة تشكله الحجارةالتي يقذف بها أكثر من مرةلتزجية الوقتالانتظار كفنمطروز منذ الولادة.(3)قد يكون السعي في عرف الإرادة الإنسانية هو المحبذ، والفعل المنظور إليه بعين الرضا، انطلاقا من المتاع الذي خلفته في الذاكرة ممارسة الشعوب، ولكن الأدب، وحده، امتدح الانتظار وتوّجه علي عرش التمزق الإنساني وأعطاه قيمة لا تقل عن السعي. الانتظار لا يعني الصبر او امتحان أعماق الكائن وإنما يعني، أيضا، الحيرة وانعدام اليقين، و الحيرة وانعدام اليقين هما ذهب الأدب وفضته (4).ربما من هنا ومن مناحي أخري بالتأكيد تأتي النغمة الحائرة في مجموعة (أخيرا وصل الشتاء) لعبد الرحيم الخصار، النغمة التي أعطت لفعل الانتظار طابعه القلق، الذي بدونه يصعب الإمساك بجمرة الإبداع.شاعر من المغربهوامش:1- مجموعة (أخيرا وصل الشتاء) لعبد الرحيم الخصار. منشورات وزارة الثقافة لسنة 20042- (الكتابي والشفاهي في الشعر العربي المعاصر) صلاح بوسريف، دار الحرف للنشر والتوزيع، ط1، 20073- (شذرات من سفر تكوين منسي) عبد اللطيف اللعبي، ترجمة مبارك وساط، منشورات الموجة. آذار (مارس) 2004.4- (القدس العربي) أمجد ناصر، عدد 1 كانون الاول (ديسمبر) 2006QMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية