حسين سليمان برزت فعالية الفيس بوك ايام ثورة تونس بشكل فاق التوقعات وها هي تستمر بشكل أقوى في مرافقتها ثورة شباب مصر التي لا تزال مستمرة وأمل الجميع أن تنتهي بنتائجها الإيجابية عما قريب. ماكنة إنتاج تقدم بأعشار الثواني الأخبار والمعلومات والتي بالدرجة الأولى لهما اليد الطولى لكسب أي معركة بغض النظر نفسية كانت أم مادية. تتتالى الأخبار وتتدحرج من جبل عملاق على مدار الساعة ولا يملك المتتبع لها إلا الانبهار بأن ما يسمعه يسبق ما تنقله الميديا ( قناة الجزيرة على سبيل المثال) التي ترافق الأحداث وتتابعها بمراسيلها المتواجدين هناك – حتى ان شاعرة عربية مقيمة في كندا تتابع ما يحدث على الفيس بوك كتبت منبهرة تقول إن انهيال المعلومات يكاد أن يشل قواها العقلية. وإذا كنا نريد أن نتصور حجم إدارة هذه الفعالية فإن حجمها يكاد يكون لا نهائيا مفتوحا دوما على الأفكار والمعلومات والتوقعات والإرشادات وعلى لفت نظر العالم الخارجي عما يحدث في المنطقة المصيرية. إنها العزم الافتراضي الذي يقود الثورة ويتتبعها ويمشي مرة وراءها ومرة أمامها. تحيا مصر ويحيا شباب مصر. هم غير معزولين، فهناك ثوار في كل بقاع العالم معهم في ساحة التحرير يراقبون ويهتفون بزوال نظام حسني مبارك.
الإدارة الكبيرة يحملها موقع ‘شبكة رصد’ RNN على الفيس بوك يشترك في هذا الموقع تقريبا نصف مليون مشترك وهو ما زال يتسع ويتشعب. مقيمون في شتى مدن وبلدان العالم، ينقل هذا الموقع من مصر وإلى مصر ويلصق في حال انطفاء الاتصالات وشبكة النت فيها أرقام التلفونات الخليوية الفعالة لاستخدامها في نقل رسائل قصيرة من مصر وإلى مصر. من سيقف في وجه هذه التقنية الجبارة؟ ومن سيقول لا لما تريده؟
إن الفيس بوك ( وبالتالي النت عموما وتكنولوجيا الاتصالات) بدا وكأنه الأسطورة الضاربة في القدم، التنين الذي يملك ألف وجه وألف سوط نار يصارع شيطان الظلام ـ بالقدر الذي تنمو فيه قوة الطاغوت بالقدر الذي تنمو فيه قوة هذا التنين وكي يكسب الجولة يدخل ميادين غير محسوبة تكاد تكون قوتها تفوق قوة الأحلام والخيالات والكوابيس.
تشتغل في الميدان القريب الذي فيه صفحتي على الفيس بوك الشاعرة منال الشيخ ليل نهار كما خلية النحل لا تهدأ وهي تصرخ صرخة المرأة العربية الحرة. كتبت تقول حين علمنا أن النظام الحاكم في مصر منع الصلاة في المساجد يوم الجمعة الماضي: ‘الصلاة ليست حكرا على المساجد… صلوا واصرخوا في الطرقات!’ وتكتب الشاعرة سمر دياب ‘ترى بماذا يفكر النيل الآن؟!! … مجازر تحدث في مصر ولا من ينقل الصورة.. رأسي جبهة مفتوحة، وسألعن دي.. من يخط في صفحتي حرفا واحدا عن شعر وفخذي حبيبته’، وإنني ارى أرواح النساء وصرخاتهن بهذه القوة إشارة كبيرة على قرب الخلاص من الطغيان ووجع سنوات عمر بل أعمار قاسى فيها الإنسان العربي وغير العربي، إنسان المنطقة عموما أشد ما تحمله الحياة من غطرسة وإهمال ورمي لآمال وحقوق شعبية في النفايات. صرخات النساء هي الصرخات الأولى التي تنتبه لها الشعوب الرجال وتدفعهم إلى الفعل.
ومن جانب آخر يتسلل إلى هذه الآلة الجبارة الجواسيس والمنتفعون من رجالات الانظمة الديكتاتورية التي اقتربت ساعة انهيارها، يتسللون بأسماء مستعارة يراقبون ما يحدث فيها ويبثون الأكاذيب التي تزعزع الإيمان بالنجاح والنصر. ولقد حدث في يوم السبت ليلا أن كتبت الكاتبة الجزائرية المقيمة في واشنطن سهيلة بورزق على صفحتها في الفيس بوك، عما يحدث في بلدها الجزائر من تسلط ووحشية وحكم عسكري، تطالب المنظمات والجهات الحزبية المختلفة في الجزائر على إقامة مسيرة احتجاجية ضد النظام الحاكم. وقد تصدى لها بعض المعارضين لفكرتها والذين أظنهم من مؤيدي النظام الحاكم وربما من موظفين حكوميين جزائريين في واشنطن ـ كون الذين عارضوها مقيمين في نفس المدينة واشنطن المقيمة فيها سهيلة – وظاهرة التصدي والنقاش لا غبار عليها لكن حين لا يقوم التصدي على المنطق والحكمة بل على المنفعة فإن الجدال هو جدال عصابات. لقد اقتحم أحدهم صفحتها وغير كلمة السر بحيث يمتنع عليها الدخول مرة أخرى وراح يبث، من الصفحة التي تحمل اسمها وصورتها مع صورة أسرتها، صورا جنسية فاضحة مع كلمات بذيئة باللهجة الجزائرية لا يكتبها إلا سافل تمتلئ نفسه بالنذالة والفجور. ولقد علمت ماعلمته من خلال اتصال شخصي معها أن الفاعل ليس من المراهقين فلقد دخلت قبل ذلك مع عراك بالكلمات عن طريق الايميل مع بعضهم ذلك بعدما كتبت تطالب بمسيرة الاحتجاج تلك ثم بعد ساعات اقتحموا صفحتها وحدث ما حدث.
قراءة ما حدث هنا هو قراءة الصيرورة التي تتحرك فيها الجماعة التي تدافع عن الحكم، قراءة السلوك أو الشخصية التي تحملها، فهي شخصية متدنية بذيئة لا تصلح إلا للشوارع واللصوصية والسمسرة وليست صالحة لبناء بيت وليس دولة. هذه الشخصية هي الشخصية الحاكمة اليوم وهي التي تسيّر أقدار معظم الدول العربية من امتلاك للموارد الشعبية وتحكم في الانتاج وخرق لحقوق الانسان. وهي التي تطغى وتفحش وتقتل من دون رحمة.
كيف لبلد المليون شهيد ان يتحول حكامه والمدافعون عن الحكم إلى هذه الدرجة ويسقطون هذا السقوط؟ نتساءل بعد مرور زمان الثورات هل إهدار دماء المليون شهيد.. هل كانت شهاداتهم وتضحياتهم من أجل أن يصل الوطن الجزائر إلى ما وصل إليه اليوم؟
هؤلاء الحكام وسماسرته يجب أن ينتهوا ويذهبوا بجبروتهم الفارغ إلى قاع البشرية حيث ينتمون، فهم جبابرة على شعوبهم وفئران أمام العدو الحقيقي يتنازلون ويتصالحون ويرفعون شعارات الاستسلام. من لا يملك الحياة كيف له أن يهاب الموت؟ شعوبنا عموما لا تملك الحياة فانتبهوا أيها الطغاة.