أدب الأطفال على درجة كبيرة من الأهمية والحساسية والخطورة، لتأثيره على الأطفال وأفكارهم وطرق تفكيرهم، ودوره البنائي لشخصياتهم وتوجهاتهم وأخلاقياتهم وسلوكياتهم، وما يضيفه إليهم من معرفة وخبرة وثروة لغوية، وما يستثير فيهم من أسئلة ورؤى وأحلام. وتكمن الخطورة في أن الطفل، وخاصة في مرحلة الطفولة المبكرة، هو مجرد متلقٍ لهذا الأدب، لا يستطيع الاختيار وتمييز الجيد من الرديء، وأحيانًا تلعب قلة المعروض أمام الطفل – وإن كان كبيرًا- دورًا في اضطراره لقراءة المُتاح، بغض النظر عن جودته ونوعيته ومناسبته.
والأردن، كغيرها من الدول العربية، تحظى بوجود كم جيد من أدب الأطفال، وعدد وافر من مبدعيه الذين يكتبون في فنون الإبداع المختلفة الموجه للأطفال، ولكافة فئاتهم العمرية، ويتمتع هذا الأدب في الأردن باهتمام جيد نسبيًا من بعض الجهات الرسمية والأهلية، إلا أنه يبقى أقل من المطلوب، ولا يتناسب مع أهمية هذا الأدب والفئة المستهدفة منه.
وتوجهت «القدس العربي» بسؤال لنخبة من المعنيين بأدب الأطفال في الأردن، حول «واقع أدب الأطفال في الأردن وآفاق مستقبله»، فكانت مشاركاتهم الآتية ..
حراك حقيقي
بداية يقول الشاعر والناقد ناصر شبانة .. أعتقد أن الأردن من الدول المتقدمة على مستوى أدب الطفل عن سواها من الدول العربية، فثمة حراك ثقافي حقيقي لأدب الطفل، وكتاب ينشطون في كل اتجاه: شعراء وقصاص وروائيون، رسامون ومخرجون، مصممون وكتاب مسرح وسيناريو، حصل عدد كبير منهم على جوائز عربية ومحلية، وثمة مجلة رفيعة المستوى «وسام» تصدر عن وزارة الثقافة منذ أكثر من ثلاثين سنة، أتشرف برئاسة تحريرها، وثمة مسرح للطفل، وجوائز مخصصة لأدب الطفل تصدر من مؤسسات رفيعة كمؤسسة شومان ورابطة الكتاب ووزارة الثقافة، وهي الجوائز التي تدفع بأدب الأطفال قدمًا. ولا ننسى مكتبات الأطفال المتنقلة والثابتة، والدورات التي تقدم للأطفال، والمبادرات المطروحة من المؤسسات والأفراد، ومثال ذلك صندوق الملك الحسين للإبداع الذي يصدر جوائز سنوية لمبادرات أعمال أدبية تقدم للأطفال. كل ذلك وسواه يجعل الأردن في واجهة الدول التي تهتم بأدب الأطفال بل تتصدر المشهد الأدبي والثقافي للطفل.
الأردن من الدول المتقدمة على مستوى أدب الطفل عن سواها من الدول العربية، فثمة حراك ثقافي حقيقي لأدب الطفل، وكتاب ينشطون في كل اتجاه
إنجازات مشهودة
وتقول الروائية وكاتبة أدب الأطفال تغريد النجار .. في العقدين السّابقين، قطع أدب الأطفال العربي شوطًا كبيرًا في مسيرته، وقد ظهر هذا جليًّا في منشورات متنوعة ومميزة في أنحاء الوطن العربي، وقد كان لأدب الأطفال الأردني دور فعّال في هذه المسيرة، حيث ترك بصمة واضحة فيها، تجلّت بظهور مبادرات فردية، ودور نشر متخصصة للأطفال عملت بجد على إنتاج إصدارات مختلفة ومميزة من أدب الأطفال، أصبحت معروفة ومطلوبة في كل أنحاء الوطن العربي، وعلى نطاق عالمي أيضًا حيث ترجم بعض هذه الإصدارات إلى لغات مختلفة. إضافة إلى حضور أدب الأطفال الأردني بقوة في الجوائز الإقليمية العريقة لأدب الأطفال. وبالرغم مما سبق، فإن هذا لا ينفي وجود كمٍّ هائلٍ من الإصدارات التجارية في الأسواق التي لا تراعي أصول فن كتابة أدب الأطفال الجيد، ولا تحترم عقولهم وقدراتهم. ما زال أدب الأطفال العربي بحاجة إلى المزيد من التطور ليواكب أدب الأطفال العالمي بتنوعاته، وليقدم للطفل العربي ما يحتاجه ويستحقه من أدب غني لمختلف الفئات العمرية. ولكن دعونا نفرح ونفخر بإنجازاتنا أيضًا.
وبالنسبة لمستقبل أدب الأطفال في الأردن فأنا متفائلة بأنه سيستمر في التطور والنمو وذلك بجهود مبدعيه اللذين يزداد عددهم يومًا بعد يوم. راجية أن تساهم الجهات المعنية الحكومية والثقافية في رفد هذا النمو بورشات تدريبية ودعم مادي ومعنوي وإعلامي، الذي من خلاله سيكون البقاء للأفضل وسيستطيع الأهالي أن يميزوا ما بين الكتب الأصيلة الجيدة والكتب التجارية التي تملأ الأسواق.
الجوائز وأهميتها
ويضيف الأديب والفنان نضال البزم .. حقيقة إنّ أدب الأطفال في الأردن جيد مقارنة مع دول أخرى، حيث أنّ وزارة الثقافة فيها مديرية خاصة بثقافة الطفل تنثر عبير نشاطاتها للأطفال وطلاب المدارس باستمرار، بالإضافة إلى نشر نتاج الأدباء الأردنيين على نفقة الوزارة، رغم أنّ سقف عدد ما تنشره كل عام، قلَّ بنسبة ملحوظة! وبما أنّ وزارة الثقافة بمثابة الأم الحاضنة للأدباء يجب عليها زيادة عدد نشر الكتب التي تعنى بأدب الطفل.
ورغم التكاليف المادية الباهظة التي تقع على عاتق أدباء الطفل لإنتاج أعمالهم، إلا أنّ هناك من يحرص على التواجد في الساحة الأدبيّة الأردنية والعربية بإصداراته الجديدة بين حين وآخر، وهذا يُسبب قلة إنتاج أدبي أردني.
ولمستقبل أدبي طفولي زاهر، من المهم كي لا يأتي يوم يقل، أو يندثر فيه أدب الطفل في الأردن، يجب التشجيع المستمر للأدباء من قِبَل الجهات الداعمة، سواء الحكومية أو الخاصة بنشر نتاجهم الأدبي، وإيجاد جوائز محلّية سنوية دائمة قيّمة خاصة بأدباء الطفل الأردنيين فقط، من دون حصرها بسن معين! في الوقت الذي تعتذر فيه أغلب دور النشر من أدباء الأطفال عن طباعة ونشر نتاجهم، إلا إذا كانت التكلفة المادية كاملة على حسابهم! وهذا لا يعود عليهم إلا بالخسارة، وثنيهم عن إصدارات أخرى ممّا سينعكس سالبًا على أدب الطفل الأردني.
تحديات كبيرة
أما الشاعر محمد جمال عمرو فيقول .. يواجه أدب الطفل الأردني تحديات كبيرة، تنعكس لزومًا على أطفال الأردن، الذين يتعرضون – كما يتعرض الطفل العربي عمومًا- للتغريب واستهداف الهوية بشتى الوسائل العصرية المتاحة، لمحو ثقافة الطفل ولغته ووجدانه، ونلمس ذلك في الأعمال والمضامين المبثوثة في برامج التلفاز وعبر المواقع الإلكترونية، وفي أغلب محتوى الأجهزة اللوحية المنقولة عن اللغات الأخرى دون مراعاة لخصوصية أطفالنا، من حيث البيئة واللغة وما إلى ذلك، وتتعاظم خطورة الأمر ونحن نرى أن ثقافة الطفل عندنا تفتقر إلى استراتيجيات وخطط وسياسات ثابتة حكيمة، تضمن توفير مخرجات ثقافية معتبرة تكون لبنة في بناء جيل متميز.
الكتابة للأطفال في كل مراحلها العمرية تحتاج أن يكون الكاتب على وعي واطلاع كبيرين في كل ما يخص الطفل ومراحل نموه الفكري والعاطفي
والحديث عن أدب الطفل يستوجب الحديث عن الأديب الذي ينتجه، فهو يواجه تحديات تضعه أمام مسؤولياته، ذلك أنه يكتب ما ينال رضا دور النشر، التي هدفها الانتشار وجني الأرباح! كذلك ضعف وعي المربين وأولياء الأمور بأهمية كتاب الطفل، يسهم في ضعف ازدهار أدب الطفل، في حين أن عليهم أن يضعوا الكتاب غذاء العقل إزاء غذاء الجسم تمامًا، ليصبح بذلك وجبة ثقافية أساسية يتناولها الطفل كما يتناول الطعام. ومما يعيق ازدهار أدب الطفل ارتفاع كلفة تنفيذ الكتب وطباعتها، وضعف إقبال الأطفال على القراءة، وتراجع المؤسسات الثقافية عن دعم الناشر والكاتب بشراء الكتب التي تصدر حديثًا، كذلك منافسة الوسائط الإلكترونية الحديثة، ومواقع النشر الإلكتروني للكتاب.
ولعلنا نشهد ازدهارًا ملحوظًا لأدب الطفل الأردني، يتمثل في الحرص على المطالعة في سبيل الفوز بالجوائز التي أنشئت مؤخرًا على مستوى الوطن العربي، وأهمها «تحدي القراءة العربي»، الذي أطلق في دبي، وصارت المدارس تحث تلاميذها على المطالعة على أمل الفوز، وتقيم أنشطة تدريبية لهذه الغاية.
الكُتاب الشباب
ويرى القاص والكاتب المسرحي يوسف البري أن الكتابة للأطفال في كل مراحلها العمرية تحتاج أن يكون الكاتب على وعي واطلاع كبيرين في كل ما يخص الطفل ومراحل نموه الفكري والعاطفي، وأن يمتلك لغة سلسلة وأسلوبًا مشوقًا بما يتناسب مع الفئة العمرية التي يوجه إصداره الأدبي لها، وكذا قاموسًا من المفردات المناسبة التي يمكنه من خلالها طرح فكرته بكل حرفية.
وعند الحديث عن أدب الطفل الأردني، فعلينا الاعتراف أن ثمة نهضة حقيقية فيما يتعلق في أدب الطفل الأردني على الرغم من الكثير من الصعوبات التي تواجهه وعلى أكثر من صعيد، بدءًا من صعوبات تنظيم العلاقة مع دور النشر، والتي تكون في أغلبها تصب في مصلحة الناشر على حساب الكاتب، وكذلك ارتفاع أجرة الرسم وبشكل ملحوظ، وغياب الدعم المالي الرسمي أو تقلصه إلى حد كبير، كل هذه الأسباب شكلت عوائق أمام نشر أي إصدار أدبي جديد موجه للطفل، لكن مما يبشر في الأمر أن ثمة جيل مميز من الكتاب الشباب الذين بدءوا يظهرون على الساحة الأدبية الأردنية من عدة سنوات، ولديهم طموح كبير وحلم أكبر بأن يكون لهم إصدراتهم الأدبية ولو على نفقتهم الخاصة.
ويضيف البري .. أعتقــــد أن أدب الطفل الأردني وهو يزخر بنخبة هامة من أهم الكتــــاب الذين حققوا حضورًا محليًا وعربيًا كبيرًا من خلال حصولهم على الكثير من التكريمات والجوائز الهامة يمضي نحو المزيد من العطاء والتميز، وسوف يكون له حضور وانتشار كبيرين، وسيحقق المزيد من الرقي في الطرح في الشكل والمضمون.
٭ كاتب أردني