أدب الوباء بين دانييل ديفو ونازك الملائكة: ما أشبَهَ الليلةَ بالبارحة!

عبدالواحد لؤلؤة
حجم الخط
1

هذا شطر بيتٍ للشاعر الجاهلي البحريني طَرَفَة بن العبد (543-569م) يُعَرِّض فيه بأعمامه الذين لم ينصفوه في حقِّه من الميراث، إذ كانوا يشبهون بعضهم في السوء، فقال: كُلُّهُمُ أروَغُ من ثَعلَبٍ/ ما أشبه الليلة بالبارحة!

ومناسبة تذكُّر هذا القول ما اشتدّ على ذاكرة المرء هذه الأيّام من محاولة الهروب من متابعة أخبار الوباء الذي استشرى في العالم من شرقه إلى غربه. ونتساءل: هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يتعرّض فيه إلى أزمة صحِّية مشابهة أو أكثر سوءاً، ولم يَعُدِ الناس يذكرونها اليوم، عمداً، لتناسي كلّ ذكرى مؤلمة، أو جهلاً، لأن أغلب الناس يحسبون: ما مضى فات، والمؤمّل غَيبٌ/ ولك الساعة التي أنتَ فيها؟

لكن بعضنا يتذكَر تفصيلاتِ وباءٍ استشرى في لندن عام1665 يرويه لنا “شاهد عيانٍ” هو الروائي الإنكَليزي دانيال ديفو (1660-1731) في كتابٍ له بعنوان “يوميّات عام الوباء” أي: عام الطاعون الذي انتشر في لندن عام 1665. وقد نُشِر الكتاب عام 1722قُبَيل وفاة الكاتب بحوالي عشر سنوات.

ولكن لماذا لا نبدأ بتذكُّر أوصافٍ لانتشار وباءٍ أقرب إلى زماننا من أواخر القرن الثامن عشر في لندن، وذلك في قصيدة “الكوليرا” لشاعرة العراق الأولى، نازك الملائكة”(1923-2007) التي نظمتها ضحى يوم 27-10-1947 في دارها في بغداد؟

تقوم القصيدة على تخيّل ما حدث في مصر يوم ظهر فيها وباء الكوليرا (الهيضة) عام 1947. ولم تدّعِ الشاعرة أنها كانت “شاهد عيانٍ” على ما جرى في مصر، لكن أوصافها تُقنعنا أنها تصف أحداثاً واقعية نكاد نلمسها ونراها. فلغتها الشاعرية تثير فينا الخوف والإشفاق والتعاطف، وهي صفاتٌ لا نجدها في لغة الروائي النثرية، التي لا تثير فينا إلاّ نوعاً من الخوف مما سيحدث قريباً في مناطق أخرى من لندن. وهذا خوفٌ لا يستهان به، لكنّه قد يبعث على الملل من تكرار الأوصاف التي قد تحمل القارئ ضعيف الصبر على ترك الكتاب جانباً، واعداً نفسه، على مضض، أنه سيعود إلى الكتاب لاحقاً.

في قصيدة نازك نقرأ المقطع الثاني:

طَلَعَ الفجرُ

إصغِ إلى وَقعِ خُطى الماشين

في صَمتِ الفَجرِ، أصِخ، أنظر رَكبَ الباكين

عشرَةُ أمواتٍ عشرونا

لا تُحصِ أصِخ للباكينا

إسمع صوت الطفلِ المسكين

موتى، موتى، ضاعَ العَدَدُ

موتى، موتى، لم يَبقَ غَدُ

هنا صُوَرٌ مرئيّةٌ ومسموعةٌ، وهو ما تفتقر إليه الرواية النثرية، التي تفتقر كذلك إلى الإيقاع الذي هو قوام الشعر. والقصيدة هنا توفِّر شرطَي الشعر من الوزن والقافية. ولكن الذي أبدعته نازك هو “تحرير” الشطر الشعري من “عدَد” التفعيلات التراثية، لأنها ترى أن الصورة أو الفكرة يمكن التعبير عنها بتفعيلتين، أو ثلاثٍ، أو أكثر، وليس ثمة ما يدعو أن تتكرّر تفعيلة “فعلن” ثماني مرّات ليستقيم البحر التراثي، إذا كان الخَبن والطيّ وأمثالهما يتكفّل بتوفير الإيقاع.

لم يَبقَ سوى نَوحٍ وزفير

الطفلُ بلا أمٍّ وأبِ

يبكي من قلبٍ مُلتَهِبِ

وغداً لا شكّ سيَلقفه الداء الشرّير

يا شَبَحَ الهَيضةِ ما أبقيت

لا شيء سوى أحزان الموت

المَوتُ، المَوتُ، الموت…

هذا التحرير لعدد التفعيلات في بيت الشعر التراثي هو ما أطلقت عليه الشاعرة إسم “الشعر الحر” وهي تسميةٌ تُجانب الدقّة، لأن الشاعرة تعرف قبل غيرها أن الشِعر الحرّ، كما صوّره الأمريكي والت وِتمَن في مجموعته الجميلة بعنوان “أوراق العُشب” عام 1855 هو الكلام الجميل ذو الشحنة الشعرية الذي يخلو من الوزن والقافية. لكن الشاعرة أطلقت الإسم الخطأ للسبب الصحيح.

ونعود إلى رواية دانيال ديفو بعنوان “يوميّات عام الوباء” التي يقول إنها ملاحظات “شاهد عيان”. لقد أثارت هذه العبارة كثيراً من التعليقات بين الكتّاب اللاحقين، لأن الكاتب كان في الخامسة من العمر عندما انتشر الطاعون في لندن عام 1665 وقد تبيّن لاحقاً أن الكاتب قد اعتمد على مذكّرات ويوميّات تركها عمّه هنري فو مذيّلة بالأحرف الأولى من إسمه H.F والإسم فو هولنديّ في جذره، لكن الكاتب أضاف عليه مِسحةً أرستقراطية فصار De Foe ده فو،

لكن براعة الكاتب جعلت روايته تبدو كأنه هو الذي شهد ظهور الوباء وانتشاره في لندن، لأنه يورد أسماء حقيقية معاصرة لمناطق سكنية بعينها، وأسماء شخصيّات معاصرة وأسماء ومواقع كنائس وساحات مدافنها، مع أوصاف الناس المكلّفين بنقل الموتى من الوباء، الذين كانوا يدورون في الأحياء السكنية بعرباتهم وينادون: “هاتوا موتاكم”. ومما يُكسِب هذه الأوصاف إمكان التصديق هي هذه التفصيلات الكثيرة بالأرقام وقوائم الموتى، مصنّفة حسب المناطق السكنية وكنائسها.

والتشابه المؤلم المحيِّر بين هذه الليلة والبارحة، أن أحداث اليوم في جوهرها تُشبه أحداث الأمس. ففي الرواية يذكر الكاتب أن الوباء ظهر في هولندا أولاً ثم تضاءل قليلاً ثم عاد بصورة أشدّ عام 1663 ومنها انتقل إلى لندن عن طريق التجّار. وقال إنه صدر عن بلاد المشرق أولاً، حملته سفن التجارة التركية. ألا يشبه هذا حديث اليوم أن وباء اليوم صدر عن يوهان الصينية عن طريق الاختلاط بوجود قوات عسكرية أمريكية في الصين عاد بعضهم إلى أمريكا يحملون العدوى وهم عنها غافلون؟ وتشابه آخر نجده في طريقة تعامل حكومة لندن مع انتشار الطاعون عام 1665 وطريقة تعامل حكومة لندن مع الفيروس هذه الأيام. ففي الرواية نقرأ أن عُمدَةَ لندن كان يتعاون مع الكنيسة في محاربة الوباء. فقد أمر الإثنان بغلق البيوت التي ظهرت فيها إصابات، وهو إجراء تتخذه الحكومات المعاصرة التي ظهر فيها الفيروس هذه الأيام. وتذكر الرواية شيوع أخبار عن إصابات وموتى، في أنحاء متعدّدة من لندن، تحقّق منها موت اثنين من الفرنسيين في “دروري لين” في أطراف المدينة. فأرسل العُمدة طبيبَين مع جرّاح للتحقّق من الخبر، وقد تحقّق ذلك من فحص الخبراء، لكي يمتنع بعض الناس من إشاعة أخبار زائفة. وهذا ما تفعله الحكومات الحالية بإصدار أخبار الإصابات والموتى من جهة رسمية، مدعمة بالأرقام والتواريخ وتحديد المواقع.

وتذكر الرواية صدور أوامر حكومية مشدّدة على الالتزام بالنظافة، وكنس الشوارع، والتحذير من اللحوم والأسماك القديمة والقمح والحبوب التي أصابها العَفَن! وقد صدرت الأوامر بمنع الاحتفالات والتجمّعات لأي سبب كان وذلك “من أجل الصالح العام والحرص على سلامة المواطنين”. وهذا ما تفعله بعض الحكومات في الوضع الحالي من وباء الفيروس. وتذكر الرواية أن بعض الموتى كانوا بسبب “الحمّى المرقّطة” وأحسب أنها “التيفوس” الذي انتشر في لندن في القرن السابع عشر، ومصدرها إسبانيا. ونلاحظ أن الرواية والأخبار الحكومية الحالية تنسب صدور الوباء إلى بلاد “غير صديقة” لحكومة لندن: هولندا وإسبانيا قديماً، والصين حديثاَ لحكومات آخر زمان! وفي الحالين تمنع الحكومة الخروج من الحجر المنزلي ولو على حساب الخسارة الاقتصادية. لكن رؤساء آخر زمان يسوّغون كسر الحجر احتراماً “للحريّة الشخصيّة” أي حرية الشخص في التعرّض للموت من دون أن تخسر تجارته!

وقد أظهرت الإحصاءات التي توردها الرواية أن الوباء الذي دام حوالي السنة في لندن اكتمل بنشوب حريق هائل في نفس الحيّ اللندني الذي ظهر فيه الوباء. وكان أن فقدت لندن أكثر من 100 ألف نسمة، وهو ربع سكان المدينة في تلك الأيّام.

يا تُرى كم ستبلغ ألوف الموتى في بلد الدمقراطية إذا سمحوا “بفتح الاقتصاد” احتراماً للحرية الشخصيّة؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية