أدونيس وفاضل العزاوي (2 ــ 3): كيف دافع الشعراء الروّاد عن «يوتوبيا» الذات في سياق الحداثة؟

أخذت شعرية رُوّاد الحداثة تتكوّن في إطار ما ساقوه من حدوسهم النظرية وآرائهم الديالكتيكية والدوغمائية، مع اختلافٍ بيّنٍ بينهم في لغة هذا الخطاب وأطره وخلفياته المعرفية. كان المجال الحديث يُعبّر بقوة عن حيوية فاعليه، إذ لم يفتأ يعكس أوجه الصراع بينهم فكريا وجماليا، وبادرت إلى تثمينه واستقطابه مجلات أدبية رائدة، في طليعتها «الآداب» و«شعر» على اختلاف توجُّهاتهما الأيديولوجية، على نحو ما أشار إليه محسن جاسم الموسوي في «مسارات القصيدة العربية المعاصرة» باعتبار أنّ الأدباء انقسموا إلى «فرق وشيع، وتوزعت المجلات بين البرامج السياسية وتوجهاتها كان على الأدباء في الخمسينيات والستينيات أن يتعاملوا مع التحدي الحديث ببعده السياسي».

رائيًّا في «زمن الشعر»

أتاحت الحوارات الكثيرة التي أُجريت مع أدونيس، أن يستعيد ماضي طفولته في (قصابين) شمال سوريا، وذكرياته بها، وعلاقته بأبيه، وبدايات تعلُّمه وشعره والعوامل المؤثّرة فيها. وقد شكلت مجلة «شعر» المرحلة الأبرز في تجربة أدونيس، بحيث تجلّتْ فاعليته النظرية وآراؤه المختلفة في تقديم حركة الشعر الحديث ونقدها، قبل أن يتحوّل عنها إلى مرحلة جديدة لا تقلُّ خطورةً. يعرض أدونيس في سيرته الشعرية الثقافية «ها أنت أيها الوقت» (1993) جوانب من انتمائه الفكري ومساره الشعري قبل مجيئه إلى بيروت، «في وسط يؤالف بين محاولات التجديد أدبيا ومحاولات التميُّز عن الآخر- الأجنبي قوميا» واتصاله بالشعر الأوروبي، الفرنسي والألماني، الذي ترك أصداء في نفسه. كما يعرض في الأساس مرحلةً مُهمّةً من تطوُّر الشعر العربي الحديث، تتعلق بلحظة تأسيس مجلة «شعر» والغاية التي انطلقت من أجلها؛ فيتحدّثُ عن مداولات الاجتماع التحضيري، ولقائه الأول بأحد مؤسّسيها يوسف الخال، الذي تجاوب مع دعوته إلى «قيام حركة، إلى نشر فكرة – عبر المجلة وعبر الشعر، من أجل الشعر، والإبداع الشعري» وهو ما سوّغ لديه «الانشغال بالمسألة اللغوية، وبخلق أشكالٍ جديدة للتعبير» و«دون أيِّ ادّعاء رسالي، ودون انغلاق أيديولوجي». بل لا ينفي تأثُّره بكتاب أنطون سعادة الثقافية «الصراع الفكري في الأدب السوري» في أفكاره وتوجُّهه الشعري، وكيف كان هذا الكتاب مُلْهِمًا لكثير من الأفكار والآراء الشعرية في حلقات مجلّة «شعر» وما أثارته من نقاش. وقد وصفت خالدة سعيد في «يوتوبيا المدينة المثقفة» بأنّ المجلة «شكلت المحيط الذي تلاقت فيه المحاولات الجديدة، وغيّرت من ثمّ تاريخ الشعر العربي».
بيد أنّ المناخ الشعري العربي لم يكن ـ في نظره – مُهيّأ لاستقبال مثل هذه المجلة وأفقها التحريري؛ فعند صدورها مطلع 1957، تعرّضتْ لـ«هجوم صاعق، ومن جميع الجهات». ورأى وزملاؤه أنّهم واجهوا معركة أيديولوجية، ووُجِّه لهم نقد أيديولوجي ومن خارج الشعر، وكأنّما الأمر كان «إيذانًا بنشوء صراعٍ شعريٍّ – فنِّيٍّ وحسب، وإنّما كان كذلك إيذانًا بنشوء صراعٍ ثقافيٍّ شامل». كان العدد الأول قد ضمّ، عدا المقالات والترجمات الشعرية، قصائد بأشكال متنوّعة (العمودي، التفعيلي، النثري، العامي) عدّها أدونيس «صورة مُصغّرة، لكنَّها صادقة، عن واقع الكتابة الشعرية آنذاك» وفي نيّتهم أنَّهم كانوا «يؤسسون بوعي كامل لمرحلة جديدة في الشعر العربي، مفهومات وطرائق تعبير». يتحدّثُ أدونيس، هنا، عن «سياسة تحرير المجلة في احتضانها الشعرية العربية» ففيما هي «تؤكد على التجديد – أي على القطيعة الكتابيّة مع الأنماط التقليدية، تؤكد في الوقت ذاته على التواصل مع ماضٍ شعريٍّ ما»؛ لأنّ «الإبداع لا يُحدَّد بالشكل، ولا يحدّه أيّ شكل». إنّه – في تصوُّره- تجديدٌ في النظرة يرتبط بموقف جديد، شامل وجذريّ، من الإنسان والوجود.
وقد أتاح له هذا التصوُّر أن يناقش مشكلاتٍ وجودية ومعرفية ترتبط بالذات والآخر والهوية، وعلاقة التراث والحداثة، والذائقة الفنية، والتأويل، والشكل والمعنى، والوزن والإيقاع، وبنية القصيدة، والمعيار والانزياح، إلخ. وفي علاقةٍ بذلك كلّه، يؤكد أنّه يبدأ «داخل الذات- فكرًا ورؤيةً وحساسيّة، ودون هذا التجدُّد الداخلي، الكلّي- في ذات الشاعر، لا يقدر أن يجدِّد في طرق إفصاحه عن هذه الذات، وفي ما يصبح عنه».

مشروع أدونيس الأخطر الذي لم يكن شكلانيًّا صرفًا كما كان عليه الأمر في «شعر» تحت غطاء الدفاع عن استقلالية الشعر، بل صار في خضم المعترك السياسي والفكري المعارض، بحيث كان «أكثر إقلاقا للأنظمة وللمجتمعات العربية التقليدية والمحافظة والتوتاليتارية من مشروع مجلة شعر»

فمعنى التجديد، أو المعنى الحقيقي للحداثة الشعرية العربيّة، لم يكن يفيد النسق التشكيلي للقصيدة بحدِّ ذاته، وإنما من حيث هو نظامٌ لعلاقات جديدة بين الشاعر واللغة، وبين اللغة وأشياء العالم. ومثل هذا المعنى لا يمكن أن نفصله عن أسلوب الرؤيا الشامل الذي طبع مجمل شعره بوفرة الصور الخيالية والرمزية، مُبكّرًا كما دلّتْ عليه «خواطر حول تجربتي الشعرية» وهو يؤكد أنّ «كل إبداع هو إبداع عالم، فالشاعر الحق هو الذي يقدم لنا في شعره عالما شخصيا خاصا، لا مجموعة انطباعات وتزيينات» بل دلَّ أكثره على عالمٍ لا شخصيٍّ يغتني من التجربة الفردية التي تلتبس بنزعة أنطولوجية وميتافزيقية، يمكن أن نستقرئ مفرداتها مما كتبه ودافع عنه في مساره الإبداعي منذ «محاولة في تعريف الشعر الحديث». نُشرت هذه الدراسة في مجلة شعر (العدد 11 السنة الثالثة، صيف 1959) وأعيد نشرها في كتابه «زمن الشعر» ضمن مجموعة من المقالات الأخرى التي نشرها في مجلتي «شعر» و«الآداب» وفي بعض الجرائد العربية، أو شارك بها في بعض المؤتمرات، بما في ذلك «مؤتمر الأدب العربي المعاصر» ـ روما 1961، ومن جماعها نستقرئ نزعة غامضة، ومتقلّبة، ومُمْتدّة الأثر وفق لغتها التأويلية وطابعها التجريبي السجالي من جهة، ووفق توتُّرها في الذهاب – الإياب بين النظرية والممارسة عند الشاعر من جهة أخرى.
تعكس القراءات التي قدمها أدونيس في كتبه: «زمن الشعر» «فاتحة لنهايات القرن» «الشعرية العربية» «سياسة الشعر» على سبيل المثال، صورة واضحة لهذا التوتّر، إلى حدّ جعل نظرية «فنّه الشعري» خاضعة للإغراء الذي كانت تمارسه عليها كتابته الإبداعية، صعودًا وهبوطًا، بل على مرحلة بكاملها. ولكنّها كانت دائمة التدفُّق في هذا «الأفق الأدونيسي» الذي غشي المشهد الشعري العربي لفترةٍ من الزمن، كانت تعبرها الفوضى السياسية والثقافية، وهذا الأفق بطبيعة الحال لا يتوقّف عند مرحلة «شعر» بل تشعب أكثر منذ انسحابه من المجلة (1962) وانفتاحه على «الآداب» ودراسة التراث الشعري العربي، ثم تأسيسه لـ«مواقف»؛ مشروع أدونيس الأخطر الذي لم يكن شكلانيًّا صرفًا كما كان عليه الأمر في «شعر» تحت غطاء الدفاع عن استقلالية الشعر، بل صار في خضم المعترك السياسي والفكري المعارض، بحيث كان «أكثر إقلاقا للأنظمة وللمجتمعات العربية التقليدية والمحافظة والتوتاليتارية من مشروع مجلة شعر».. كما لا يمكن أن نفصله، تاليا، عن الشرائط الكتابية الجديدة التي أصابت القصيدة العربية في صميمها، وشرط قصيدة النثر تحديدا، وعبّرتْ عنها بوضوح مجلة «مواقف» بطابعها الثوريّ – بديلًا عن «شعر» التي توقّفتْ نهائيًّا عام 1970؛ أي بعد مسألة الخلاف اللغوي بينه وبين يوسف الخال، الذي عُرف بـ(جدار اللغة) غير أنه يسكت عما يعتبره «الكلام الشخصي» في نشاطهما المشترك.
وقد أثار مجيء قصيدة النثر وبروزها التدريجيّ في حقل الممارسة الشعرية العربية، وقبل ذلك قصيدة التفعيلة، كثيرا من البيانات، ومن السجال حولها بسبب الأفعال ردود الأفعال المتسرعة أكثر من واجب الفهم والاستيعاب، أو بسبب غياب بنية سوسيوثقافية مُهيّأة لاستقبال كلّ جديد بحكم تبعيّتها للسياسي والأيديولوجي. يسمي أدونيس ثلاثة تيّارات أساسية كانت تتصارع على الصعيد الشعري: الأول يشدّد على «عروبيّة الشعر» وتمثله الأيديولوجية القومية العربية، ويشدّد الثاني على «جماهيريّة الشعر» مستلهما الأفق الماركسي ـ العروبي، في ما الثالث كان ذا نزعة قومية لكنّه يستند إلى «نظرة ثقافية».

جيل الغضب والعصيان

إذا كان خطاب التبشير بقصيدة النثر بوصفها شكلا شعريا وتعبيريا جديدا، قد أُعلن عنه في مجلة «شعر» البيروتية وتحمّسَ له شعراؤها في حِلٍّ من أي التزام سياسي أو اجتماعي واضح، بذريعة «الفنّ من أجل الفنّ» فإنَّ تداعياته في ما بعد لم تسمح إلّا بخلق مناخٍ من الخصومات بينهم وبين سواهم من شعراء تيار الشعر الحُرّ، أو شعر التفعيلة كما ذاع في ما بعد، ابتداءً من بدر شاكر السياب إلى شعراء أيّامنا هذه. وقد يكون (بيان) الشاعر يوسف الخال الذي عنونه بـ«مستقبل الشعر في لبنان» (1957) مشروعا حقيقيا لتحديث الشعر العربي بوجهٍ عام؛ لأنه يتعدّى حقل العَروض (وكان هو نفسه شاعرا تفعيليا بالأساس) إلى تجذير أهمية الرؤية والمعرفة والخبرة الكيانيّة في الحياة للشعر، مثلما يرتبط بـروح العصر كفعل له وضعية الشمول والمغايرة والاختلاف، لكن البيان لم يذهب بعيداً، حتى لا نقول لم يكن إلا صيحة في وادٍ، بعد أن تمَّ توجيهه لمقاصد أخرى غير شعرية. في المقابل، يكتسب «البيان الشعري» الذي ألحقه فاضل العزاوي بكتابه «الروح الحية..
جيل الستينيات في العراق» ووقّعه العراقيون سامي مهدي وفاضل العزاوي وفوزي كريم والفلسطيني خالد علي مصطفى، ميزةً خاصّةً ليس لأنّهم أبرز مُمثّلي جيل الستينيات في العراق وحسب، بل لأنّ البيان نفسه طبعته نبرة تجريبية ومتمرّدة؛ إذ يطمح إلى تغيير العالم «من خلال نسف أضاليل الماضي والحاضر، وإعادة تركيب العالم، داخل رؤيا شعرية جديدة».
يدافع فاضل في هذا الكتاب، بفصوله الخمسة، عن «جيل الستينيات» الذي تعرّض ـ في نظره- إلى الاتهام بنشر روح اليأس والهزيمة، وتبنّي «المدارس والأفكار البورجوازية المنحطة» والتنكر للحركة الثورية، ويحاول أن يقرأ «منجزات» هذا الجيل ضمن «ظاهرة الستينيات» كظاهرة تحريرية، تميّزت بتطور الوعي الجمالي ضمن حركة الحداثة، وبزخم الأحداث السياسية والسوسيوثقافية والفنية التي تركت تأثيراتها في شعراء الجيل ونمط كتاباتهم وإبداعاتهم ورؤاهم الأيديولوجية المتنوعة بين شيوعية وماركسية وقومية وبعثية، ليس على المستوى العراقي والعربي حسب، وإنما على المستوى العالمي كذلك (ثورة 14 تموز/ يوليو 1958، سقوط حكم البعث في أواخر عام 1963، تشكّل الوعي القومي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وصعود حركات التحرر الوطني، وتأثيرات السحر الناصري عليها، الحركة النسوية، إعلان موت الأيديولوجيات الشمولية، رفض كلّ سلطة وتقديس العفوية، تحرير المخيّلة، مقاومة الرأسمالية والاشتراكية الستالينية) نافياً عن الجيل أن يكون قد شكّل مدرسة فنية، أو اتجاهاً أدبياً واحداً، أو هو مجرّد نزوع شكلي لتجديد الكتابة على غرار ما فعله الجيل السابق لهم. كان الجيل في نظره يعكس تحوّلاً كاملاً في الوعي الفكري والسياسي والاجتماعي، أصاب محتوى الكتابة والقيم التي تتبنّاها وتدافع عنها، وفرضته الأحداث التي عصفت بكل الأسس القديمة التي كانت تشكل «الصورة الفردوسية عن العالم والحياة».
يقول فاضل: «ولذلك تكتسب الكتابة الستينية في نظرنا أهمية خاصة، ليس فقط لأنّها قدمت أعمالها بحساسية ثقافية وجمالية جديدة وانتقلت من الكتابة الرومانسية للرواد إلى الكتابة الجديدة، وإنّما لأنها اكتشفت قبل كل شيء حرية الكاتب والفنان، وأعادت الاعتبار إلى دور المبدع داخل مجتمعه وفي زمنه، كضمير حي خارج كلّ سلطة أو وصاية».

من العناصر المنشودة، التي من المفترض أن ستينيّي العراق رأوا فيها جوهر الحداثة الفعلية، فسعوا إليها ووضعوا كتاباتهم تحتها: اكتشاف قيمة الفانتازيا، الإيروتيكية (الصدمة، الدهشة) الاستبطان الداخلي، الكتابة الآلية، الحلمية، الواقعية المفتوحة، عدا الدعوة إلى العصيان والحرية.

يُميّز داخل جيل الستينيات بين ثلاثة اتجاهات أساسية: الاتجاه الطليعي الممثل لفكرة الحداثة الشاملة، والاتجاه الشكلي ذي المنحى الأدبي الصرف (يُمثّلهما شعراء جماعة كركوك وبعض المتأثرين بالثقافة الغربية في وجهها الأنغلوساكسوني) والاتجاه التجديدي المواصل لتجربة الرواد (يضمّ تشكيلة متنوعة من البعثيين السابقين والقوميين والمنحدرين من أصول ماركسية) ورغم التحليل الذي يعطيه لهذا الاتجاه أو ذاك، إلا أنه من الصعب دراستها بمعزل عن تأثر بعضها في البعض الآخر داخل الفضاء العام للستّينيات، التي تَميّزت بروحها التحريرية الجديدة، كما تميّزتْ كتاباتُها بطليعيّتها وبعدها عن «الحزبويّة» بقدر مواجهتها للأيديولوجيات القمعية. لكن يبقى أن هؤلاء الستينيين ـ في نظره 1 تختلف العلاقة بينهم وبين «الروّاد» فهي «ليست علاقة حاضر بماضٍ، وإنّما علاقة داخل الحاضر، أي داخل زمن الحداثة نفسه». وهذا ما يفضي إلى حقيقة مهمّة؛ وهي أن الحداثة سلسلة من «العمليات» القائمة على الهدم والبناء بشكل دائم. وردّاً على الآراء النقدية التي تهاجم الجيل بخصوص موقفه من التراث، يرى «أنّ كل كتابة في الحاضر هي بالضرورة موقف من التراث وعلى علاقة جدلية به» وهو ما تَمثَّله شعراء الجيل، بل مجموع الإبداع الستيني، الذين استوعبوا النقد الجديد للتراث والمنطلق من رؤيا الحداثة، ونقلوا الصراع الفكري إلى داخل فكرة الحداثة، بخلاف جماعة «شعر» اللبنانية التي ظلّتْ ـ في نظره- «بلا مفهوم حقيقي وعميق للحداثة». فالصراع لم يعد قائماً بين الكتابة القديمة والجديدة، بين الشعر العمودي والشعر الحر، وإنما بين الاتجاهات الجديدة نفسها، وبالتالي، لم تكن حركة شعرية وحسب، بل حركة أدبية وفنّية شاملة رافقتها كتابات نظرية ذات طبيعة تأسيسية.
من العناصر المنشودة، التي من المفترض أن ستينيّي العراق رأوا فيها جوهر الحداثة الفعلية، فسعوا إليها ووضعوا كتاباتهم تحتها: اكتشاف قيمة الفانتازيا، الإيروتيكية (الصدمة، الدهشة) الاستبطان الداخلي، الكتابة الآلية، الحلمية، الواقعية المفتوحة، عدا الدعوة إلى العصيان والحرية. وبالقياس إلى شعراء جماعة «شعر» التي كانت تنعم بأجواء الليبرالية، عاش ستينيّو العراق وضعاً صعباً وقاسياً، وكانوا يكافحون من أجل نشر قصيدة أو إعلان رأي. ولهذا يجد العذر لتمثيلهم بحركة (البيتكنس) الأمريكية، أو (الجيل المهزوم) كما جرى تلقيبهم به. فقد كانوا هم بدورهم جيلاً مهزوماً بطريقة ما؛ «خرجوا من رماد الانقلابات والديكتاتوريات العسكرية» وفقدوا الأمل في الأيديولوجيات التي لم تجلب لهم إلا البؤس والشقاء.
يربط فاضل العزاوي هذا التاريخ الذي لا يخلو من التباسات متراصّة بتجربته الشخصية على المستويين الفكري والسياسي (أيام المدرسة والجامعة بين أعوام 1958 و1962، تجربة الاعتقال في سجن الحلة الذي أمضى فيه ما يقرب من العامين، قراءة نيتشه ودستويفسكي وكافكا وماركس وغيرهم وتأثيرها في وعيه بالكتابة ورؤيته إلى الحياة، الإيمان بالوحدة العربية، علاقته بالشعراء الروّاد وموقفه الانطباعي منهم، نشاطه الأدبي والصحافي بعد خروجه من السجن، والكتابات الأولى التي ضاعت أو أخذ ينقذها بنشرها في «الآداب» و«شعر» وغيرهما من الجرائد والمجلات العراقية، اختلاطات المقاهي الثقافية، تطوّر وعيه الأدبي والجمالي..) أو بالأحرى يضيء أحدهما بالآخر مع ما في الأمر من مجازفة خطرة ومسؤولية جسيمة من الصعب أن تصمد طويلاً لـ«قول الحقيقة» لكن من الضروري اعتبارها شهادة على عصر مضطرب بكلّ المقاييس. لا ينكن أن نفصل تحليل فاضل العزاوي عن اللاوعي السياسي لجماعة كركوك الأدبية (1955- 1964) التي انتمى إليها جمالياً وفكرياً، وعُدّ أبرز مؤسسيها إلى جانب سركون بولص، وجان دمو، ومؤيد الراوي، وصلاح فائق – تمثيلاً لا حصراً. فهو يستعيد أيّام الجماعة، ولقاءاتها، ومصادرها الأدبية والفنية، وعلاقاتها التي لا تخلو من الشجار والغيرة الطفولية حول الكتابة.
في بغداد التقوا من جديد وأسهموا بدورهم في إشعال نار المغامرة الستّينية، قبل أن يغادر أفرادها إلى مهاجر العالم واحداً تلو الآخر.
أما البيان الشعري الذي ألحقه بالكتاب، ففيه يمكن أن نلتقط إشارات العصيان بمعناه السياسي والجمالي. عُرف بـ «بيان الشعر 69» (نسبةً إلى المجلة الشهرية التي نشرته في أول أعدادها بتاريخ أيار/ مايو 1969). ركّز البيان على سياسات الفعل الشعري، وهو يحيل على علاقته ببيان الحركة السيريالية الأول (أندريه بريتون، 1924) فقد تطرّق إلى دور الحلم في الإبداع، وإلى قيمة مراجع الأسطورة والتصوّف والفلسفة في توسيع الرؤية الشعرية وسعيها الداخلي إلى الإمساك بـ«الحقيقة» وإلى تجاوز «الروح السلفية» التي سادت الاتجاهات الشعرية إلى ذلك الوقت. لكنّ البيان رغم قيمته الذاتية والوعي الذي طرحه، لم يحدث التأثير المنشود منه لأسباب ذاتية وموضوعية، فذهب صيحةً في واد؛ لقد كان العداء في كل مرة للتقاليد الأدبية الجديدة مستحكماً بصورة أو بأخرى.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية