أرادوها حربا مذهبية لتقسيم العراق

يكذب نوري المالكي ونظامه حين يزج بجيشه ويقول للعراقيين بأن ما يحدث في محافظة الانبار ومدن الرمادي والفلوجة من سخط وعصيان شعبي، هو نتيجة لوجود أعداد كبيرة من تنظيمي ‘داعش والقاعدة’ الإرهابيين اللذين يتخذان من هذه المدن الثائرة حاضنة لهما. في الوقت الذي ينفي نواب وزعماء العشائر من أهالي هذه المناطق وجود هذه الأعداد المبالغ بها من هذه المجاميع داخل هذه المدن، مؤكدين أن كل الموجودين في قصباتها وأحيائها هم من ثوار العشائر العراقية المعارضة للنظام العراقي، الذين جاؤوا للحماية وللدفاع عن أهلهم وأبنائهم من أي تعسف أو إساءة أو امتهان للكرامات من قبل حكومة بغـداد، التي ترفض مطالبهم في المساواة والعدل والإنصاف، وحقهم في المواطنة اسوة بباقي العراقيين، ناهيك في ما يتعلق بمطالبهم الشرعية لإطلاق سراح المعتقلين، وإعادة الموضوعية والعدل في عمل الفقرة 4 الطائفية في قانون مكافحة الارهاب، التي تطبق حصرا عليهم في إطار المخطط الذي يمارس منذ ثماني سنوات للنيل من صمود هذا المكون الوطني والأساسي للمجتمع العراقي.
وكما انه يكذب على نفسه حين يتمسك في تصريحاته وكلماته الطائفية ضد السنة العرب في العراق، ووصفهم بالإرهابيين والبعثيين والوهابيين، وأبناء يزيد، ومن ثم وضع اللوم والخطيئة عليهم في تشخيص الحالة الطائفية التي أوصلت العراق إلى هذه الدرجة من التشرذم والتقسيم، بعد ان انفلتت الأوضاع من سيطرة ‘دولته’ التي أرادها ان تكون احادية المذهب وديكتاتورية بامتياز’.
فمنذ بدء أحداث وحراك مدينة الرمادي والفلوجة، لم تنقطع تصريحات نوري المالكي ومسؤولي حزبه، على جميع مستوياتهم ودرجاتهم، في اتهام المكون العربي من أبناء بغداد وديالى ونينوى والأنبار وكركوك وصلاح الدين بالمسؤولية الأولى عن كل ما يتعلق بجرائم الإرهاب الطائفي، الذي ذهب ويذهب ضحيته بلدنا العراق وشعبه المسالم، وكأن كل ما حدث ويحدث في العراق لا يمت بعلاقة وصلة مع تداعيات الوضع السياسي الطائفي الجديد لفترة ما بعد الاحتلال، عن طريق التوافق الأمريكي مع إيران. حيث تحولت مؤسسات الدولة وأجهزتها إلى مراكز جذب لمشروع طائفي إقصائي لدويلة طائفية مرتبطة بنظام الولي الفقيه في طهران، ليضرب عرض الحائط الصورة التي يمثلها العراق والعاصمة بغـداد كرمز تاريخي وبوصلة وطنية لوحدة مكوناته ومذاهبه.
وما أكثر الشخصيات الحكومية، هذه الايام، التي تشتم وتنذر وتلقي اللوم على الطائفية والمكون السني، في تردي أوضاع العراق ووصوله إلى هذا المستوى الخطير من التفكك المذهبي والتخلف الثقافي والحضاري. لا ندري هل يفهم حكام العراق معنى ما يصرحون به؟ ولا ندري أيضا اذا كان نوري المالكي ورفاقه قد تناسوا انهم يمثلون أحزابا مذهبية لا تنطبق أفكارها مع ثقافة المكونات العراقية المهمة الأخرى، وان ثقافة هذه الاحزاب المذهبية هي التي قسمت أيضاً العراقيين الشرفاء وساهمت في رفع درجة عداء المتعصبين منهم. وهي التي جاءت بالتطرف المذهبي في العراق وسمحت له في التغلغل في العمق الاجتماعي والسياسي للدولة العراقية.
وإذا بقى نوري المالكي مصرا على خطابه والإشارة الى الدول التي ترعى وتمول الارهاب، كما يردد دائما بخطاباته، ناهيك عن اتهامه أهل الأنبار والموصل وديالى وبغـداد بالمسؤولية عن الإرهاب الطائفي، فليذكره العراقيون بطبيعة ثقافته ومصدرها، وارتباطها المباشر مع إرهاب الأحزاب المذهبية ومليشياتها، وما هو دور إيران وما شكل وأهداف نظام ولي فقيها الذي يحكم العراق، والتي عن طريقها تم المجيء بهذا النظام لحكم العراقيين ونشر الدين السياسي القائم على ثقافة المذهب الواحد.
وإذا كان من الطبيعي ومن الواجب الوطني تشخيص الأمور بموضوعية ووطنية والإقرار بخطورة الثقافة المتطرفة بشقيها المذهبيين، وان التطرف والتخندق الطائفي الذي يعيشه البلد في هذه الفترة يقع على عاتق ومسؤولية الجميع، بيد ان أغلبية العراقيين يحملون في الوقت نفسه نوري المالكي والقوى الخارجية التي جاءت به للسلطة مسؤولية الفتنة الطائفية والانفلات الأمني والفساد الذي حل على هذا البلد وشعبه منذ 2006، ويذكرونه في نفس الوقت بالدور الخطير الذي ساهم به شخصياً للوصول بوطننا وشعبنا المسالم الى مثل هذه الحالة الخطيرة التي سوف تقضي لا محالة’على وجود العراق ووحدة المجتمع.
ليس لنوري المالكي، كما ليس للأحزاب المذهبية التي جاءت بالتطرف المذهبي في العراق وسمحت له في التغلغل في العمق الاجتماعي والسياسي العراقي، الشرعية والصدق في نبذ الطائفية. ان من يحارب الطائفية هم بدون شك كل هؤلاء الملايين من العراقيين الذين يرفضون التفتيت بعد ان اختاروا العراق العظيم، وهم الذين لا يريدون دولة ‘داعش’ السنية ولا حتى دولة ‘ولي الفقيه’ الشيعية.
ان ما نراه اليوم في محافظات العراق الغربية ما هو إلا مخطط لتقسيم العراق. فثمة إشارات وحقائق على الأرض تدل على جاهزية ونية حقيقية لتفجير العراق من الداخل. يريدونها حربا مذهبية بين أبناء الوطن الواحد أنفسهم. على الرغم من كونها في الواقع حربا بين العراقيين والنظام في بغـداد. حرباً خاسرة لنوري المالكي من أجل كرسي السلطة ودولة المذهب. ليس لنوري المالكي ميزة القائد في الذكاء والحنكة السياسية. ان ما ينفذه في العراق هو عمل منظم لجهات جاءت به للسلطة. ليس لهذا الرجل الذي سلم نفسه لإيران وأمريكا من أجل الكرسي أي غيرة على وحدة الوطن. هذه الحرب التي يخوضها اليوم قد تدفع به إلى إجبار أهلنا في الجنوب إلى خيار التفتت والضياع. لقد كذب نوري المالكي، كما كذب حليفه السوري بشار الأسد حين قاما بتحويل ثورتي العراق وسوريا إلى صراع مذهبي بين الشيعة والسنة لفرض الفوضى والدمار والتفرقة’.
العراقيون في مدن الجنوب والفرات الأوسط ومثقفوهم مطالبون الآن أكثر من أي وقت مضى بمساندة اخـــــوانهم وأبناء عمومتهم في محافظة الانبار والموصل وبغـداد للحفاظ على وحدة هويتهم وانتمائهم العراقي المشترك. حفظ الله العراق وطناً للعراقيين، شيعة وسنة وكردا، مسلمين ومسيحيين وصائبة وإيزديين. فالعراق عراقهم وأهلنا في الانبار وبغداد هم أهلهم. من أجل أن تبقى بغـداد قبل فوات الأوان عاصمة للجميع.

‘ كاتب من تيار المواطنة العراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية