القاهرة-“القدس العربي”: أراد أن يمضي في الطريق لنهايته بعد أن تذوق في الأعوام الخمسة الماضية لذة السلطة وأكل من “الشجرة” التي نبتت أوراقها من لحم المصريين الذين توافقوا نحو دستور ظنوا انه طريقهم نحو التداول السلمي للسلطة. غير أن ما شهدته الساحة مؤخراً كشف عن أن المصريين لم يكونوا يوماً من الأيام أبعد عن نيل ذلك الهدف من حالهم اليوم. عبر حفنة من رجال القانون يفتقرون للخبرة، قرر الرئيس عبد الفتاح السيسي إغلاق الباب المؤدي للسلطة بإحكام وحرص مساعدوه على زرع كافة الطرق السلمية بالمتفجرات ليؤمنوا له بقاء أبديا للعام 2034. عندها سيكون بلغ عمر سلفه مبارك، وعندها قد يعثر بين نسله من يعيد الحكاية نفسها التي يعيشها المصريون منذ عقود. تقول الحكاية أنه أراد أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه فحفر لنفسه نفقاً لا مخرج منه للأبد من غير أن ينسى اصطحاب من تبقى من أنصاره. أما أولئك الذين أحسنوا الظن به وبأعوانه فسينتهي بهم المآل في مواجهة نسخة من أشد الحكام الذين عرفهم التاريخ استبداداً وجوراً.
“ترزية” تحت الطلب
لم يكن الطريق ممهداً لمبارك من قبل للبقاء في المشهد طيلة 30 عاماً لولا خبراء في التعامل مع نصوص الدستور، بحيث يديم له المقعد الرئاسي طيلة تلك السنوات. وكي لا تتكرر المأساة التي ترزح تحتها الأغلبية، سعت لجنة الخمسين التي أشرفت على دستور 2014 على تحصين مواده من أي محاولة للاختراق وقد صدقت المخاوف التي اعترت أعضاء تلك اللجنة، فبعد أعوام تقل عن أصابع اليد الواحدة، تعرض الدستور لحملة عاتية كان مطلعها على لسان الرئيس عبر تصريحه الشهير “الدستور لم يكتب بنوايا حسنة” غير ان الحل كان عصياً إلى حد ما لأن رجال دولة السيسي لا يملكون مهارة رجال مبارك لذا أنتجت المأساة حتى الآن ملهاة. من أين له بداهة من يحفظ القوانين عن ظهر قلب مثل فتحي سرور ذلك الماهر في “حياكة” النصوص الدستورية والخروج من ذلاتها في غمضة عين والقادر على أن يصنع نصاً دستورياً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. البون شاسع ما بين عبد العال القادم من رحم المجهول وبين “سرور” ذلك الذي عاصر أساطين القانون الذين قدموا خبراتهم لعشرات الدول في مجال كتابة الدساتير.
في انتظار مأساة
لا يستبعد كثير من رموز المعارضة المدنية أن مصر باتت حال خروج تلك التعديلات و”دسترتها” على موعد مع ديكتاتورية بغيضة ستقضي على الأخضر واليابس وستنسف أشواق الحلم بالوصول لدولة القانون والديمقراطية. في هذا المضمار يؤكد المفكر الناصري عضو البرلمان السابق أمين إسكندر على أنه لا بديل سوى التصدي لكل المحاولات الرامية للانقلاب على الدستور مشدداً لـ”القدس العربي” بأن مجرد أن ترى مثل تلك التعديلات النور سنصبح على موعد ممتد مع الديكتاتورية والاستبداد. وفي السياق نفسه حذرت الكاتبة مي عزام، من خطورة ما يتم إعداده في الخفاء والعلن من مواد دستورية الهدف منها بقاء الرئيس في موقعه طيلة عقود، كما حذرت من مواد أخرى يجري الإعداد لها على مستقبل الحياة المدنية. ومن أبرز الخائفين على مستقبل مصر الجديدة الكاتب سليمان الحكيم، الذي تنبأ أكثر من مرة في السابق بكل ما أقدمت دوائر الحكم على القيام به مؤخراً، مشيراً إلى أنه يأمل في أن يسفر المستقبل القريب عن عودة الوئام بين قوى المعارضة المدنية.
مأزق حقيقي
قبل أن تدور عجلة التعديلات دورتها ويبدأ البرلمان في إحكام قبضته ضد قوى المعارضة المدنية، فجر الدكتور حسام بدراوي، البرلماني السابق قنبلة في وجه السلطة ورموزها، حيث كشف عن مادة دستورية تمنع تعديل المواد المطلوبة هي المادة 226 التي تنص على: “وفي جميع الأحوال لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة في إعادة انتخاب رئيس الجمهورية أو بمبادئ الحرية أو المساواة ما لم يكن التعديل متعلقًا بالمزيد من الضمانات”. ودعا بدراوي الراغبين في تعديل الدستور الآن للتريث والبحث عن كيفية التعامل مع هذه المادة التي على أساسها تم انتخاب البرلمان ورئيس الجمهورية. مشدداً على أن أي تعديل لا يمكن أن يطبق على السلطة الحالية وإلا نكون قد فتحنا بابا لن يغلق مره أخرى. وقد تسببت الأزمة التي وضع “ترزية” القوانين السيسي فيها لهبوط إضطراري لفرقة “الانشاد” الجماعي التي تم استدعاؤها من جوف التاريخ لمهمة عاجلة وهي الفرقة التي تتناسل منذ زمن السادات وحتى يومنا هذا لتجميل الحاكم واستدراج الجماهير للمتاهة التي عاشتها منذ أربعة عقود على رأس الكتاب الذين يروقهم لقب “المفكر” الدكتور مصطفى الفقي، الذي يمتلك أدوات سحرية تجعل من المتلقي يقبل طواعية على خلع رأسه ووضعه في أقرب “فترينة” للعرض. ومن جديد تجليات الفقي مبرراً الانقلاب الدرامي على ثوابت الدستور، قوله مؤخراً إن الدستور ليس “صنما لنعبده” متابعاً أن “دستور 2014 تمت كتابته في مرحلة صعبة، وأن ديباجة الدستور في حد ذاتها لا تصلح”. مشدداً على أن حالة النضوج السياسي والمستوى الثقافي في مصر تختلف كلية عن الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يلقي بظلاله على الانتخابات. وفند موقفه على أساس أننا “ظللنا من عام 1951 وحتى عام 1974 في إعلانات دستورية وليس دستورا مستقرا” مؤكدا أن أول دستور حقيقي كان في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وأن باب الحريات في دستور 1971 كان أفضل باب للحريات في التاريخ. وأشار الفقي إلى أن منصب نائب الرئيس المقرر سنه في التعديلات منصب هام رغم بعد المسافة بينه وبين منصب الرئيس. واعترف أنه يميل أكثر للنظام البرلماني الذي يكون فيه رئيس الدولة يملك ولا يحكم، إلا أن هذا يتطلب أحزابا قوية لا وجود لها في الوقت الراهن.
الكبار على مضض
يجمع خبراء الحروب أن “الدبابة” ليس في وسعها السير في الأزقة لأنها لم تخترع لهذا، لكن رجال السيسي مصرون على الزج باسم الجيش في التغييرات المرتقبة مما أسفر عن رواج طال بورصة الشائعات ما بين من يشير لمخاوف وشكوك تجتاح صدر الرئيس نحو المؤسسة التي خرج منها وما بين من يشير إلى أنه يريد ضمانات دستورية تحول بينه وبين أي مفاجآت مستقبلية من تلك المؤسسة التي تمارس عملها بحكم العرف في الخفاء أكثر منه في النور. واعترف النائب المعارض هيثم الحريري: “باعتباري أنتمي لنواب معارضين فنحن نستشعر الحرج عندما نتحدث عن القوات المسلحة المصرية ودورها، لكن هذه التعديلات تمنح الجيش حق التدخل في الحياة السياسية في أي لحظة، خاصة أن المادة بهذه الصياغة غير محكمة ومطاطة”. ويتخوف الحريري من محاكاة النموذج التركي مؤكداً أننا بهذا التعديل سنتحول إلى تركيا قبل 2007 عندما كان الجيش ينقلب على الحكم ويعزل الرئيس ويأتي بالبديل. لأجل ذلك يشدد على ضرورة أن تظل مهمة الجيش حماية أمن الحدود في نطاق المهام الموكلة إليه. وحذر الفنان التشكيلي مجدي ونس، في تصريحاته “القدس العربي” من أن تسفر مثل تلك التعديلات عن انسداد في عملية التداول السلمي للسلطة، ويقول إن الوقائع والدلائل تشير إلى أن مقبل الأيام سيكون شديد الصعوبة بالنسبة للمنادين بالحريات.
فيما يرى محمد زارع مدير برنامج مصر في مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، أن هذه التعديلات يخشى منها أن تتحول لذراع في يد الرئيس لاستدعاء الجيش للتدخل عند اندلاع أي مظاهرات أو اعتصامات. ويتخوف الناشط الحقوقي كذلك من أن التعديلات ستخل بحريات الأفراد، أو يتم تفعيلها لمواجهة الأزمات المختلفة مما يقلص الاعتماد على الجيش في الوقوف بجانب الشعب عند تكرار الثورة على غرار ما حدث قبل ثمانية أعوم. ويعترف زارع بأن للجيش دورا في الحياة السياسية منذ 96 عاما وخلص إلى أن أبرز المخاوف تتمثل في أن مثل تلك التعديلات قد تسمح بتدخله ضد الشرعية حال ما طلب منه ذلك.
غواية القضاء
قبيل ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير كانت أعين الجماهير تتجه نحو نادي قضاة مصر الذي لعب دوراً بارزاً في حالة الحراك الشعبي حينئذ، لأجل ذلك أخذت السلطة تضع عينيها على تلك الفئة من أجل محاولة استمالة أفرادها بالمزايا كي يقفوا على يمين مؤسسة الحكم عن رضى تام، وهو الأمر الذي يثير غضب قوى المعارضة. وعلى الرغم من تكذيب نادي القضاة بيانا منسوبا لرئيسه يعلن فيه رفضه أي تعديلات على الدستور إلا ان القوى الوطنية المعارضة للسلطة ما زالت تأمل في أن يخرج من بين القضاة من يعيدون اللحمة الوطنية مع الأغلبية التي باتت تضيق بسياسة النظام المعادية للأكثرية الفقيرة، وزاد من هواجس أفراد جماعات المعارضة التصريح الأخير للنائب أحمد حلمي الشريف، وكيل اللجنة التشريعية في مجلس النواب المصري والذي وجهه لحراس العدالة قائلاً: “قضاة مصر الأجلاء، نطمئنكم أنه ستتم مراعاة أن تكون للجهات القضائية موازنة مستقلة أثناء مناقشة التعديلات الدستورية”.