أربعة أطباء عملوا في غزة: عندما تشيطن عدوك يصبح القتل المفرط أمرا عاديا

عبد الحميد صيام
حجم الخط
2

الأمم المتحدة ـ «القدس العربي»: بدعوة من رابطة الصحافيين المعتمدين لدى الأمم المتحدة، عقد أربعة أطباء عملوا في مستشفيات غزة في فترات متقطعة مؤتمرا صحافيا الخميس 30 كانون الثاني/يناير الماضي، وتحدثوا عن تجاربهم المباشرة مع المرضى والمصابين والقتلى في مستشفيات غزة وعن امكانية استعادة العاملين في مجال الرعاية الصحية، وتسهيل عمليات الإجلاء الطبي، وزيادة المساعدات والمعدات على نطاق واسع خلال المرحلة الأولى من تنفيذ وقف إطلاق النار؛ والدور الحيوي للأونروا وضرورة حماية العاملين في مجال الرعاية الصحية، سواء الذين في الميدان أو الذين تم اعتقالهم وتعذيبهم بشكل تعسفي بمن فيهم الدكتور حسام أبو صفية من مستشفى كمال عدوان؛ وإعطاء الأولوية لإعادة بناء البنية التحتية للرعاية الصحية في غزة؛ ومواضيع أخرى تتعلق بكارثة الرعاية الصحية في القطاع.
والأطباء الأربعة هم، الدكتور ثائر أحمد، والدكتورة عائشة خان، والدكتور فيروز سيدهوا، والدكتورة محمودة «ميمي» سيد. وأربعتهم شهود عيان عاشوا التجربة بتفاصيلها وخاصة الهجوم على المستشفيات والبنية التحتية للرعاية الصحية التي حدثت مرارًا وتكرارًا في انتهاك للقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان.
والتقى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بالأطباء الأربعة في مكتبه واستمع إلى شهاداتهم وقالوا إنه تأثر كثيرا ووعد أن يساعد في تسهيل الإخلاء الطبي من جهة والعمل على تحديد مكان وحالة الطبيب حسام أبو صفية.
الدكتورة محمودة «ميمي» سيد، متخصصة في طب الطوارئ وأستاذة مساعدة في الطب السريري في جامعة واشنطن وجامعة ولاية واشنطن، عملت في غزة خلال عام 2024، في كل من مستشفى الأقصى ومستشفى ناصر. قالت إن كل شيء في غزة معقد وصعب وخطر. «الإخلاء الطبي مرهون بالقيود المفروضة على المعدات الطبية. كما أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، بما في ذلك الطرق وأنظمة المياه، بحاجة إلى إعادة ترميم شاملة لتمكين سكان غزة من إعادة بناء منظومتهم الصحية التي سبقت حرب الـ 471 يوما».
الدكتورة عائشة صالحة خان، طبيبة متخصصة في طب الطوارئ وأستاذة مشاركة في طب الطوارئ في جامعة ستانفورد. عملت على بناء قدرات أنظمة الرعاية الصحية في ثلاث عشرة منطقة حول العالم، وعملت في مستشفى الأقصى في وسط غزة من 26 تشرين الثاني/نوفمبر إلى 1 كانون الثاني/يناير 2025، وقالت إنها عملت في أكثر من 30 منطقة حول العالم لكنها لم تر شيئا شبيها بما شاهدت في قطاع غزة أو قريبا منه. «إن أكثر ما أثر في الأطفال من 5-8 سنوات المصابون بالقذائف والرصاص. هؤلاء الأطفال في الغالب سيموتون لأن وسائل العلاج والتعافي من الجروح والتغذية الصحية غير متوفرة». وعرضت صورا لأطفال بعضهم لا تزيد أعمارهم عن العام الواحد أصيبوا إصابات طفيفة في الأرجل لكن بسبب غياب العلاج سينتهي الأمر إلى بتر الأطراف. وعرضت صورة لأختين تتشاركان في كرسي طبي واحد وقد فقدتا والديهما ولا أمل لهما في الحياة إلا إذا تم نقلهما للعلاج خارج غزة. المشكلة أن إسرائيل لا تسمح بمرافقة الطفل إلا لشخص واحد وهذا الشخص لا يسمح له بالعودة.
ما يميز هؤلاء الأطفال أن معظم إصاباتهم ناجمة عن متفجرات أو جروح رصاص. والعديد منهم سيموتون بسبب سوء التغذية ونقص البروتين. حتى العيش في شوارع مليئة بمياه الصرف الصحي يؤدي إلى معدلات عالية من العدوى وبتر الأطراف بدون وجود أرض مناسبة للمشي عليها.
الدكتور ثائر أحمد، طبيب معتمد في طب الطوارئ، يعمل مساعد مدير برنامج تدريب طب الطوارئ ومدير الصحة العالمية لقسم الطوارئ في مركز أدفوكيت كريست الطبي في أوك لاون، بولاية إلينوي. وهو أستاذ سريري مساعد في جامعة إلينوي وعضو مجلس إدارة الجمعية الطبية الفلسطينية الأمريكية. تشمل خبرته في الاستجابة للطوارئ والإغاثة الإنسانية الوقت الذي قضاه في غزة ولبنان وسوريا والأردن وتركيا واليونان وكينيا. تطوع الدكتور أحمد في غزة من 6 إلى 24 كانون الثاني/يناير 2024، في كل من مستشفى الأقصى وناصر.
وقال ثائر لقد أصبح قتل العاملين في مجال الرعاية الصحية أمرًا طبيعيًا. الأطباء يتعرضون للتعذيب حتى الموت أو يتم إخفاؤهم تماما. يتعرض الأطباء الفلسطينيون لمضايقات عند الدخول وقد يعيدونهم من المعابر. وأكد على ضرورة إيصال الإمدادات الطبية على وجه السرعة بعد وقف إطلاق النار، فأي تأخير يعني المزيد من الوفيات، ومنع الإمدادات أمر مميت بنفس القدر.
الدكتور فيروز سيدهوا، جراح عام وجراح صدمات وعناية حرجة، هو مدير برنامج التدريب في مستشفى سان جواكين العام في ستوكتون، كاليفورنيا. وقام بأعمال طبية في الخارج في زيمبابوي وهايتي وجمهورية الدومينيكان وأوكرانيا وفلسطين. وعمل في المستشفى الأوروبي بخان يونس بغزة من 25 اذار/مارس إلى 8 نيسان/أبريل 2024. وقال لقد اعتقل العديد من العاملين في مجال الرعاية الصحية أو قتلوا. وناشد كل المسؤولين الدوليين الإسراع في إخلاء الأطفال والسماح للأطباء بدخول غزة لسد الفجوات الكبيرة التي تعرض لها النظام الصحي خلال الحرب.
وأضاف إنه عمل في كل تلك المناطق التي دمرتها الحروب لكن «لم أر شيئا شبيها بما رأيته في غزة طوال حياتي». وقال «كأطباء رأينا كيف تم تدمير البنية الصحية في مستشفيات غزة. كل المستشفيات هوجمت، وكلها تعرضت للقصف والخراب. لكن الأخطر هو تخريب وتدمير الأجهزة الطبية، التي لا يمكن تعويضها وبدونها تصبح عمليات العلاج صعبة ومعقدة للغاية». وقال إنه أثناء عمله في المستشفى الأوروبي كان هناك 250 طفلا بحاجة لمعاينة وعلاج يوميا. ولم يكن هناك إلا أربع غرف للعمليات. هناك 2500 طفل بحاجة ماسة إلى الإخلاء الفوري لإجراء عمليات لهم خارج غزة وإلا فالموت ينتظرهم. ومجموع الذين بحاجة إلى إخلاء خارجي يصل إلى 25000.
شيطنة الفلسطينيين
وردا على سؤال «القدس العربي» للدكتور ثائر أحمد حول تفسيره لهذه الثقافة والتعبئة العمياء التي تبرر قتل آلاف الأطفال دون أي رادع أخلاقي «كيف تكونت هذه الثقافة؟» قال: «هذا ما عانينا منه كفلسطينيين لعقود طويلة. إنها ثقافة تبدأ بنزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين والتي استمرت لسنوات طويلة قبل السابع من أكتوبر، سواء في الولايات المتحدة أو على مستوى العالم. يعتبر الفلسطيني إنسانا أقل من الآخرين. وعندما تنزع صفة الإنسانية عن خصمك يصبح القتل أمرا عاديا وطبيعيا. لقد سمعناه من المسؤولين المنتخبين الإسرائيليين. أطفالنا ليسوا عاديين بل يكبرون ليصبحوا أقل إنسانية. لهذا ترى ما يجري في غزة وفي الضفة الغربية الآن. فحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني يتوقفان عند حدود غزة. وهذا ما يحدث». ويضيف «يقولون هؤلاء يجب أن يذهبوا إلى مصر أو الأردن. نحن لسنا قطيعا من المواشي لنساق خارج وطننا». وأضافت عائشة خان تعليقا على نفس السؤال: «يجب عدم إلقاء اللوم على الثقافات. فالأمم المتحدة أنشئت لمنع مثل هذه الحوادث ومن المفترض أن تعالج الأزمات وتستجيب للأخطار فورا لا بعد وقوعها، فالمطلوب استجابة إنسانية بحتة بدلاً من الوقاية. لا توجد ثقافة تدعو إلى قتل الأطفال، لكن ما نشاهده يتعلق بتصرفات بشرية تتعلق بنزع الصفة الإنسانية». وأضافت: «نحن بحاجة إلى ثقافة للإنسانية جمعاء تقوم على الاحترام والمساواة ونبذ التمييز والعنصرية».
وردأ على سؤال لـ«القدس العربي» حول وضع المستشفيات الآن قالت الدكتورة محمودة «ميمي» إن «معنى أن تكون مستشفيات غزة تعمل فهذا أمر نسبي. لا يوجد أي مستشفى يعمل بكامل طاقته. لا تستطيع أن تجد أي مستشفى بكافة التخصصات والمعدات الطبية فقد لا تجد جهاز المسح الضوئي (سي تي سي) مثلا، أو سيارة الإسعاف المجهزة لتأخذك إلى مستشفى آخر لديه هذا الجهاز. فكل المستشفيات لحق بها خراب ودمار. فمثلا مستشفى ناصر فيه أجزاء مدمرة من الداخل، خروقات الرصاص في كل مكان. والوضع في الشمال أسوأ بكثير. فمستشفى المعمداني الأهلي ومستشفى الشفاء غير قادرين على استيعاب المصابين والمراجعين وليست لديهما القدرات اللوجستية والإمكانيات الفنية لعلاج الحالات الكبيرة التي تصل إليهما».
وردا على سؤال لـ«القدس العربي» حول ما إذا دخلت غزة فرق طبية بعد وقف إطلاق النار؟ قال الدكتور ثائر «إن فريقا من الأطباء الأمريكيين دخلوا القطاع مؤخرا. من بينهم الدكتور آدم فحماوي الذي كان طبيبا في الجيش الأمريكي، وصل مستشفى ناصر الآن وهو يتصل بنا يوميا ليعطينا معلومات عن الوضع الصحي بشكل متواصل».
وقال الدكتور فيروز إن الأطباء الفلسطينيين الذين يعملون مع وكالة الأونروا هم أفضل من يقوم بالخدمات الطبية ولا يمكن استبدالهم بأحد غيرهم لأنهم موضع ثقة شعبهم ولا يمكن نقل خدماتهم إلى الوكالات الأخرى. «إن محاولات تدمير الأونروا في غزة والضفة الغربية والقدس يعني أن كثيرا من المرضى والمراجعين سيفقدون حيواتهم».
وردا على سؤال حول ما قدمه الأمين العام من تعهدات إثر مقابلة الوفد، قالت الدكتورة عائشة خان إن الأمين العام وعد الوفد أن يساعد في عملية إخلاء الأطفال المحتاجين لعمليات خارج غزة وعددهم 2500 كما وعد أن يحاول أن يعرف شيئا عن أحوال الطبيب المعتقل حسام أبو صفية.
وقالت عائشة إن عدد ألأطباء وعمال الصحة المعتقلين يصل إلى 450 شخصا من بينهم 200 طبيب ولا نعرف بالضبط كم طبيبا بقي الآن يعمل في غزة. وقالت «نحن سعداء أن المتطوعين الآن يصلون وجزء من الأطباء الموجودين في جنوب غزة بدأوا يتجهون نحو الشمال حيث الوضع كارثي. هؤلاء الأطباء يعملون 16 ساعة في اليوم بدون توقف لشهور متواصلة بدون أن يتقاضوا أي رواتب ويعيشون على وجبة واحدة في اليوم. إنهم ملتزمون بخدمة شعبهم ولا أعرف من يقبل مثل هذه الظروف الخطيرة. ولا أعرف من أين جاءتهم كل تلك الشجاعة والقوة والصبر».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية