أربعة تحديات رئيسية تواجه التنمية في العالم العربي

إبراهيم نوار
حجم الخط
3

لا تعكس خريطة توزيع الثروة في العالم العربي قدرا كبيرا من التجانس، بقدر ما تعكس تباينا عميقا في توزيع الموارد والقدرات، خصوصا مع تركز الكثافة السكانية في «دول العسر» التي تشكو من تعثر التنمية بسبب المعدلات المرتفعة لنمو السكان، من منظور «مالتوسي» تقليدي (نسبة إلى عالم الاقتصاد البريطاني توماس مالتوس) في حين تتركز الثروات الطبيعية وعلى رأسها النفط في «دول اليسر» قليلة السكان، التي تتمثل أساسا في مجموعة دول مجلس التعاون بشكل عام. وليس غريبا أن تكون الدول الست الأعضاء في المجلس ضمن قائمة الدول الأكثر ثراء في العالم وعلى رأسها قطر، على الرغم من أن نصيب هذه الدول في سلاسل الإنتاج الصناعي العالمية يكاد لا يذكر، باستثناء الصناعات النفطية. بينما تنقسم دول العسر نفسها إلى مجموعتين، تضم الأولى الدول ذات الدخل المتوسط النفطية مثل العراق والجزائر، وغير النفطية مثل مصر والمغرب والأردن، والثانية هي الدول الفقيرة مثل اليمن والسودان.

مؤشرات نمو ضعيفة

لم يبرهن الثراء النفطي في السنوات الأخيرة على أنه محرك قوي للنمو. بل على العكس من ذلك أدت تقلبات أسعار النفط وسياسات الإنتاج إلى تذبذب شديد في معدلات النمو، مع استمرار ضعفها بشكل عام، كما أدت إلى تقلبات في الإيرادات. وقد تجلى ذلك ماليا في زيادة حاجة الدول العربية النفطية الغنية إلى التوسع في سياسات اقتصادية داخلية وخارجية لزيادة الايرادات العامة، سواء من خلال بيع الأصول لمستثمرين محليين وأجانب، أو الاقتراض من أسواق المال الإقليمية والعالمية، إضافة إلى فرض ضرائب ورسوم مستحدثة على المواطنين والوافدين، أهمها ضريبة القيمة المضافة والرسوم على الإقامة لأسر الوافدين. ولم تختلف الصورة كثيرا عن ذلك في دول العسر العربية، حيث استمرت معدلات النمو ضعيفة في دول مثل مصر والمغرب، رغم اختلاف السياسات الصناعية في البلدين.
ولا توفر مستويات النمو الحالية في العالم العربي قدرة ملائمة على زيادة مستويات المعيشة ورفع كفاءة العمل ورأس المال وتوطين التكنولوجيا المتوافقة مع المتطلبات البيئية. ويعتبر انخفاض معدلات النمو من أخطر التحديات التي تواجه التنمية في العالم العربي، خصوصا مع ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب، وانتشار التشوهات في سياسات تلبية احتياجات الطلب المحلي، التي تميل إلى تفضيل الاستيراد على إقامة طاقات إنتاجية جديدة. إضافة إلى ذلك فهناك أيضا تأثير ضعف علاقة الاقتصادات العربية بشكل عام بسلاسل القيمة العالمية في قطاعات الإنتاج، خصوصا في الصناعة، وكذلك في قطاعات الخدمات القابلة للتداول مثل الخدمات المالية. وتعود مظاهر الضعف وتشوهات النمو في دول اليسر إلى سيطرة قطاع النفط على ما يقرب من نصف الناتج المحلي الإجمالي وأكثر من ثلاثة أرباع الإيرادات العامة للدولة، وما يقرب من أربعة أخماس الصادرات. أما في دول العسر فإن ضعف معدلات النمو وتشوهات السوق تعود بشكل أساسي إلى أخطاء في السياسات الصناعية، وانهيار الاهتمام بتنمية رأس المال البشري، وانخفاض إنتاجية رأس المال بسبب انخفاض الاستثمار والتخلف التكنولوجي.

ضعف النمو في دول اليسر

تحقق الدول العربية النفطية الغنية معدلات نمو شديدة التواضع، الأمر الذي يثير شكوكا حول فرص ضمان معدلات نمو كافية في عصر ما بعد النفط. وتمثل السعودية نموذجا واضحا في ذلك. على سبيل المثال فإن البيانات الإحصائية للسعودية، وهي أكبر اقتصاد حجما في العالم العربي، تظهر أن متوسط النمو في قطاع النفط بلغ 1.43 في المئة خلال الفترة من عام 2011 حتى عام 2024. وفي خلال هذه الفترة تعرض نمو قيمة الإنتاج النفطي لتقلبات شديدة، فوصل إلى أعلى معدل له على الإطلاق عند زيادة بنسبة 22.50 في المئة في الربع الثاني من عام 2022 وحقق أسوأ معدلاته بهبوط بنسبة بلغت (-) 16.20 في المئة في الربع الرابع من عام 2023. ونظرا لأن استخراج النفط وحده يستحوذ على نسبة تبلغ 46 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فإن أي تقلبات في الايرادات النفطية تترك آثارا مباشرة واسعة النطاق على قطاعات الإنتاج المختلفة، بما في ذلك قطاع الخدمات التي يستحوذ على 36 في المئة من الثروة بما في ذلك الخدمات الحكومية 13 في المئة. كذلك فإن النشاط في القطاعات الاقتصادية الأخرى مثل تجارة الجملة والتجزئة والمطاعم والفنادق 8 في المئة والتمويل والتأمين والعقارات 7.9 في المئة، وقطاعات التصنيع 10 في المئة والبناء والكهرباء والغاز وتوزيع المياه 6 في المئة والزراعة والغابات وصيد الأسماك 2 في المئة، يتوسع أو ينكمش فصليا أو سنويا على التوازي مع اتجاهات حركة النمو في القطاع النفطية. وقد سجل معدل النمو الاقتصادي في العام الماضي انكماشا بنسبة 0.8 في المئة، كما سجل النمو السنوي حتى نهاية شهر حزيران/يونيو الماضي انكماشا بنسبة 0.4 في المئة بسبب انخفاض قيمة الإنتاج النفطي. لكن احتمالات التعافي في النصف الثاني من العام الحالي تعزز قدرة الاقتصاد السعودي على تجاوز الانكماش الذي تعرض له في العام الماضي، إلى تحقق نمو بنسبة تتراوح بين 1.9 إلى 2.5 في المئة بنهاية العام الحالي.
وقد بلغ متوسط معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي في السعودية خلال السنوات العشرين الأخيرة حوالي 3.9 في المئة سنويا، لكنه مع ذلك تذبذب بين انخفاض بنسبة 3.6 في المئة في العام 2020 وهو العام الذي تعرضت فيه أسعار النفط لهبوط حاد بسبب جائحة كورونا إلى نمو قوي بنسبة ارتفعت إلى 11 في المئة عام 2011. غير أن ما يلفت النظر عندما نقوم بتحليل بيانات النمو في السنوات العشرين الأخيرة 2014 – 2023 أننا نجد أن متوسط معدل النمو السنوي قد انخفض إلى 2.27 في المئة فقط في السنوات العشر الأخيرة، أي ما يقرب من نصف معدل النمو في العقدين الأخيرين معا. كما نجد أيضا أن التقلبات في أسعار النفط وسياسات الإنتاج قد أدت إلى تقلبات حادة في معدلات النمو السنوي من ذروة بلغت 7.5 في المئة عام 2022 إلى انكماش بنسبة 3.6 في المئة في عام 2020. هذا الاستنتاج لا يضمن للسعودية تحقيق معدلات النمو المستهدفة للوفاء باستحقاقات رؤية 2030. ومن ثم فإنه يكون من الضروري على السياسة الاقتصادية السعودية أن تعمل بقدر عال من التصميم على الخروج من مصيدة النفط، وتسريع معدل تنويع الاقتصاد، والعمل على زيادة إنتاجية رأس المال والعمل، وزيادة درجة الاندماج في السوق الإقليمي، وبناء علاقات أقوى مع سلاسل الإنتاج العالمية، فهذه متطلبات جوهرية لرفع معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي، والناتج المحلي للفرد، وزيادة درجة الرفاهية ورفع مستوى المعيشة لأغلبية السكان.

ضعف النمو في دول العسر

يظهر ضعف معدلات النمو في دول العسر، سواء تلك التي تعتمد سياسة صناعية نشطة مثل المغرب، أو تلك التي تزيد من اعتمادها على القطاعات الريعية العينية والخدمية مثل مصر. وقد لاحظنا من خلال تحليل بيانات النمو في مصر، أن الأداء الاقتصادي قد تأثر إلى حد بعيد بالظروف الجيوسياسية الإقليمية والعالمية وكذلك بالظروف الطبيعية والبيئية السلبية. هذا في حقيقة الأمر يعكس إلى حد بعيد ضعف قدرة الاقتصاد على التحمل، وفشل السياسة الاقتصادية في تطوير هذه القدرة بالسرعة المطلوبة، من أجل تجنب آثار التقلبات الحيوسياسية والبيئية الحادة. ولا شك أن التوتر العسكري في البحر الأحمر ترك آثارا سلبية كبيرة على ايرادات قناة السويس. ويؤكد التأثير السلبي للتوتر الجيوسياسي الإقليمي الحاجة إلى بذل المزيد من أجل تعزيز قوة الاقتصاد المصري، لمنعه من الانزلاق إلى أزمة أشد مما يعانيه حاليا. هذا في واقع الأمر ما يفسر زيادة تدفق الاستثمارات الخليجية المباشرة إلى مصر، خصوصا بواسطة الإمارات والسعودية وقطر. وعلى الرغم من التدفقات المالية الضخمة في العام الحالي، فإن معدل النمو المتوقع للعام الحالي يبلغ حوالي 2.8 في المئة فقط حسب تقدير البنك الدولي، وهو ما يقل عن متوسط معدلات النمو في العالم وفي المنطقة ككل.
ويواجه الاقتصاد المصري معضلة كبيرة في علاقاته بالعالم الخارجي، حيث أن ما يقرب من 40 في المئة من الواردات يتكون من المواد الخام والمنتجات المعدنية والكيميائية والسلع الرأسمالية (الآلات والأجهزة الكهربائية ومعدات النقل) وحوالي خمسها من المواد الغذائية، والباقي سلع استهلاكية أخرى. وتشمل أهم صادراتها البترول والمنتجات البترولية والذهب، تليها القطن الخام والغزول القطنية والمنسوجات. كما يتم تصدير المواد الخام والمنتجات المعدنية والكيميائية والسلع الرأسمالية. من بين الصادرات الزراعية الأرز والبصل والثوم والحمضيات. ومن أهم الشركاء التجاريين لمصر الصين والولايات المتحدة وإيطاليا وألمانيا ودول الخليج العربية. ومن الظواهر التي يمكن رصدها بسهولة في معاملات مصر مع العالم الخارجي ان كلا من الإمارات والسعودية قد أصبحتا في السنوات الأخيرة من أكبر شركائها التجاريين، تصديرا واستيرادا. لكن مصر التي كانت قد حققت طفرة في تصدير الغاز الطبيعي منذ عام 2017 عادت لتصبح مستوردا للغاز، إضافة لوارداتها من النفط والمنتجات النفطية. وقد بلغت قيمة فاتورة واردات مصر من الوقود 6.4 مليار دولار في النصف الأول 2024 منها ما يزيد على 3.6 مليار دولار للمنتجات البترولية. وتظهر أرقام النمو بشكل عام ضعف معدل نمو الناتج المحلي في السنوات العشر الأخيرة، حيث سجل متوسط معدل النمو السنوي خلال الفترة من 2014 إلى 2023 حوالي 2.4 في المئة فقط، وهو ما يقل عن ثلث متوسط معدل النمو في دولة مثل فيتنام.
أما في المملكة المغربية فإن قيمة الناتج المحلي الإجمالي عام 2023 تزيد بمقدار 6.5 مرة مقارنة بما كان عليه في عام 1980. فقد كانت قيمة الناتج المحلي الإجمالي للمغرب في العام الماضي حوالي 141 مليار دولار مقابل 21.7 مليار دولار عام 1980. ومع ذلك فإن متوسط معدل النمو السنوي في السنوات العشر الأخيرة يبلغ 2.3 في المئة فقط. ويختلف هيكل التجارة الخارجية للمغرب كثيرا عن مثيله في مصر، حيث ترتفع قيمة الصادرات الصناعية للمغرب من السيارات ومكوناتها إضافة إلى الفوسفات ومنتجاته. ويبلغ معدل النمو المتوقع للعام الحالي (البنك الدولي) حوالي 2.9 في المئة، وهو معدل ضئيل بكل المقاييس تحتاج المملكة المغربية إلى مضاعفته ثلاث مرات على الأقل من أجل اللحاق بقطار الدول النامية المتوسطة الدخل الذي ينطلق بسرعة ناحية تحقيق دخل مرتفع.

ملامح لسياسة اقتصادية جديدة

الخلاصة هنا هي انه على الرغم من التباين في توزيع الثروة بين الدول العربية وانقسامها إلى «دول اليسر» الغنية و«دول العسر» الفقيرة والنامية ذات الدخل المنخفض، فإنها جميعا تعاني من ضعف النمو، لأربعة أسباب رئيسية الأول هو انخفاض إنتاجية العمل بسبب سوء التعليم والتدريب التقني. والثاني انخفاض إنتاجية رأس المال بسبب انخفاض الاستثمار وغياب سياسات جادة لتوطين التكنولوجيا مع تفضيل استيراد تكنولوجيا «تسليم مفتاح» بواسطة دول اليسر، وعجز دول العسر عن ذلك. والثالث هو أن معظم الدول العربية ترفع شعارات شكلية غير جادة في شأن التحول إلى الطاقة الخضراء، سواء بالعمل على تأجيل تنفيذ أهداف الانتقال من جانب دول اليسر، أو باستخدام هذه الشعارات من أجل الحصول على تمويل أسهل من الخارج بواسطة دول العسر. أما السبب الرابع فإنه يعود إلى ضعف الترابط مع سلاسل القيمة العالمية، مع التسليم بأن بعض الدول العربية تحاول تعزيز هذا الترابط في قطاعات محدودة مثل دور قطر في صناعة الغاز المسال على مستوى العالم، ودور الإمارات في صناعة النقل البحري، ودور مصر في صناعة السياحة، ودور المغرب في صناعة السيارات.
وعند تقييم سياسات التنمية في الدول العربية فإننا نتفق مع خبراء البنك الدولي في تقريرهم الأخير عن التنمية في العالم بضرورة تجنب الاعتماد على مقاييس سطحية نسبيا مثل معدل نمو الناتج المحلي، وحجم المشروع، ومصادر الطاقة، والاعتماد بدلا من ذلك على مقاييس ذات مصداقية غير مشروطة مثل القيمة المضافة للمشروع التنموي، والحراك الاجتماعي الاقتصادي الناتج عنه، وقياس كثافة الانبعاثات السامة من مصادر الطاقة المستخدمة. وسيتعين على صناع السياسات الاقتصادية والتنموية أن يكونوا أكثر استعدادا لجعل البيانات الحساسة عامة ومتاحة، ومناقشة السياسة علنا، واغتنام الفرصة للتخلص من النظم والترتيبات القائمة، التي تعوق التنمية، وتكبح فرص نمو عوامل التجديد والابتكار والتغيير.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية