أربعة ملفات شغلت الإعلام العربي في 2023

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: استحوذت أربعة ملفات رئيسية على اهتمام وسائل الإعلام في العالم العربي خلال العام 2023 حيث انشغلت بها وسائل الإعلام التقليدية والإعلام الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي التي تُعبر عن حالة الجدل التي تستهوي الشارع.

وحسب ما رصدت «القدس العربي» فإن الملف الأبرز على الإطلاق طوال العام كان الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وتداعياتها والتي أعقبت عملية «طوفان الأقصى» التي كانت أقوى ضربة عسكرية توجهها القوى الفلسطينية للإسرائيليين على الإطلاق، حيث لم يسبق أن تعرضت إسرائيل لهجوم بهذا الحجم منذ تأسيس الدولة العبرية في العام 1948.
أما الملف الثاني الذي طفى على السطح خلال العام 2023 فكان «قانون الجرائم الإلكترونية» في الأردن والذي أثار جدلاً واسعاً سرعان ما توسع إلى الدول العربية الأخرى، وذلك بسبب العقوبات القاسية التي فرضها القانون والتي تصل إلى السجن لعدة سنوات فضلاً عن الغرامات الباهظة.
والملف الثالث الذي شكَّل علامة فارقة في العام 2023 هو تلفزيون لبنان والذي يعاني من أزمة مالية خانقة اضطرته للتوقف عن البث في شهر آب/أغسطس الماضي، وذلك لأول مرة منذ تأسيسه قبل عقود طويلة.
والملف الرابع هو التدهور المستمر لسعر صرف الجنيه المصري وتعمق الأزمة الاقتصادية التي تحولت إلى مصدر قلق بالغ للمصريين على اختلاف فئاتهم، حيث أصبح سعر صرف الجنيه موضوعاً يومياً في حياة المصريين بسبب تأثيره على الأسعار وعلى الكثير من القطاعات.

حرب غزة

وأطلق النشطاء العرب في مختلف الدول العربية حملات مختلفة من أجل التعبير عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني ورفضهم للمجازر الإسرائيلية التي تستهدف المدنيين والأبرياء، وسرعان ما تحولت هذه الحملات إلى وسوم هي الأوسع انتشاراً والأكثر تداولاً على شبكات التواصل مع تعبير الملايين من العرب عن رفضهم للحرب الإسرائيلية التي تستهدف النساء والأطفال في غزة.
وتصدرت عشرات الوسوم المتعلقة بالحرب في غزة وسائل التواصل الاجتماعي، من بينها الوسم «#غزة_تستغيث» و«#غزة_تنتصر» و«#غزة_مقبرة_الغزاة» كما أطلق نشطاء حملة تنتقد موسم الاحتفالات المقامة في السعودية حالياً، وطالبوا بإلغائها تضامناً مع الشعب الفلسطيني، وسرعان ما تصدر الهاشتاغ «#غزه_تباد_والرياض_تحتفل» قوائم الوسوم الأوسع انتشاراً والأكثر تداولاً على شبكة «إكس» لعدة أيام.
وبالتزامن مع الغزو البري للقوات الإسرائيلية في قطاع غزة أصبح الوسم «#غزة_مقبرة_الغزاة» و«#غزة_تنتصر» من بين الأوسع انتشاراً، وأعرب الكثير من المعلقين عن اعتقادهم بأن الحرب الإسرائيلية ستتحول إلى مستنقع يُكبد الإسرائيليين خسائر كبيرة بعد أن ارتكبوا مجازر واسعة استهدفت المدنيين الأبرياء.
كما هيمنت «الهدنة الإنسانية» التي توصل لها الفلسطينيون والإسرائيليون بوساطة قطرية في أواخر شهر تشرين الثاني/نوفمبر على اهتمام واسع في العالم العربي، وتحولت إلى حديث النشطاء والمغردين والمدونين في كل مكان، حيث جاءت بعد 48 يوماً من الحرب الضروس والمجازر الدموية التي استهدفت غزة والتي لم تؤدِ إلى أي انهيار في القطاع.
وجاءت الهدنة متضمنة صفقة جزئية لتبادل الأسرى والمحتجزين بين حركة حماس وبين إسرائيل، حيث تم إطلاق 50 محتجزاً إسرائيلياً مقابل 150 أسيراً فلسطينياً، وهو ما كانت قد عرضته حركة حماس في اليوم الأول للحرب، فيما كان الإسرائيليون يرفضونه بشكل قاطع، وهو ما دفع الكثيرين إلى اعتبار أن هذه الصفقة تُمثل انتصاراً لحماس في الحرب، أو أنها بداية الانتصار وبداية تحقيق الأهداف التي يريدها الفلسطينيون.
وكانت وزارة الخارجية القطرية أعلنت التوصل للاتفاق بعد جهود بمشاركة كل من مصر والولايات المتحدة، ويقضي الاتفاق المعني بإفراج الاحتلال عن 150 أسيرا فلسطينيا من النساء والأطفال مقابل إفراج حماس عن 50 إسرائيليا من النساء والأطفال محتجزين بغزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
وفور الإعلان عن التوصل إلى الهدنة انتشرت الوسوم «#الهدنة_الإنسانية» و«#غزة_تنتصر» وغيرهما على شبكات التواصل الاجتماعي، وسرعان ما تحولت الهدنة وتفاصيلها إلى موضوع للجدل والحديث على مختلف المنصات، فيما ذهب الكثيرون إلى الاحتفاء بوقف القتال وتقديم الشكر والثناء لدولة قطر على المجهود الذي بذلته من أجل التوصل إلى هذا الاتفاق.

قانون أردني مثير للجدل

في الأردن دخل «قانون الجرائم الإلكترونية» حيز التنفيذ يوم الثاني عشر من أيلول/سبتمبر الماضي، وهو القانون الذي أثار جدلاً واسعاً في العالم العربي وغضباً كبيراً في أوساط الأردنيين الذين اعتبروه قانوناً لتكميم الأفواه وتقييد الحريات العامة والحد من حرية التعبير عن الرأي التي يتمتعون بها.
وتقول الحكومة والبرلمان إن القانون جاء بعد ارتفاع حدة الجرائم الإلكترونية ونوعيتها ونتيجة النقاش العام كان الأصل هو الحد من المشكلات والقضايا التي ارتفعت منذ عام 2015 وبنسبة وصلت إلى ستة أضعاف، مشيرين إلى وجود أكثر من 20 ألف مشتكى عليه، وأكثر من 16 ألف قضية تتعلق بجرائم إلكترونية.
وتضمن القانون عقوبات قاسية على جملة من الجرائم، أبرزها: بث الأخبار الكاذبة التي تستهدف الأمن الوطني والسِّلم المجتمعي، وانتهاك حرمة الحياة الخاصة، والحق في الخصوصية، وإنتاج مقاطع مصورة للتشهير بالآخرين والنيل منهم وابتزازهم، وجمع التبرعات بدون وجه حق، والتجارة بالأسلحة والذَّخائر، ونشر الإباحية الجنسية، والاعتداء على الأنظمة المالية والمصرفية، وازدراء الأديان وبث خطاب الكراهية، واستغلال من هم أقل من 18 عاما في أعمال إباحية.
وطلب القانون من منصَّات التَّواصل الاجتماعي العاملة خارج الأردن ولديها 100 ألف مشترك داخل المملكة، فتح مكتب خاص لها على الأراضي الأردنية لإيجاد حلقة وصل بينها وبين ضحايا الجرائم الإلكترونية وإيصال البلاغات الصادرة عن الجهات القضائية والرسمية إليها، وصولاً إلى حماية المتلقين من المحتوى غير القانوني.
ونظم عشرات الصحافيين الأردنيين اعتصاماً أمام مبنى نقابتهم احتجاجاً على مشروع القانون، مطالبين الحكومة بسحبه والتراجع عنه بشكل كامل، كما طالبوا البرلمان برفضه وعدم تمريره.
وسلّم نقيب الصحافيين الأردنيين راكان السعايدة مذكرة إلى رئيس مجلس النواب أحمد الصفدي تتضمن ملاحظات النقابة على مشروع قانون الجرائم الإلكترونية.
وشدّد السعايدة على أن نقابة الصحافيين من حيث المبدأ ضد أي إساءات أو تجاوز أو شطط على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن لا يمكن القبول بمعالجات تؤثر على الحريات الصحافية والعامة، لافتاً إلى ضرورة مراجعة مسألة العقوبات المغلظة والمصطلحات الفضفاضة الواردة في مشروع القانون مثل «الحض على الكراهية» و«اغتيال الشخصية» و«الأخبار الكاذبة».
من جهته، قال الصفدي إنّ مجلس النواب ينظر إلى الإعلام كشريك أساسي في الرقابة، و«نرى فيه ركناً أساسياً في عملية التحديث الشامل والذي طاول المسارات السياسية والاقتصادية والإدارية بتوجيهات ملكية سامية مع باكورة المئوية الثانية للدولة».
وأكد أن «المجلس مع حرية الرأي والتعبير وحرية الإعلام والصحافة، ومسألة العقوبة والغرامات باتت ضرورية بحق المسيئين والممارسين للابتزاز واستهداف المجتمع وسلامته، والمجلس يتعامل مع نصوص مشروع القانون وفق أعلى درجات المسؤولية الوطنية».
ووصفت جهات حقوقية عديدة مشروع القانون الذي احتج عليه المواطنون بأنه يكمم الأفواه، ما يعني أنه قد يقيد حرية التعبير، ويمنع المواطنين من نشر آرائهم بشكل مفتوح وحر، وهذا يتعارض مع التزامات الأردن بحقوق الإنسان التي تمنح الحق في التعبير الحر، وتطلب من الدول احترام وحماية هذا الحق.
وكانت 14 منظمة حقوقية دولية قد طالبت الحكومة الأردنية بإلغاء التعديلات المقترحة على قانون الجرائم الإلكترونية، مؤكدة أنه «يهدد الحقوق الرقمية وحرية التعبير».
وعبرت المنظمات عن قلقها الشديد من أن مشروع القانون «يهدد الحقوق الرقمية، بما في ذلك حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات» واصفة إياه بأنه ذو «طبيعة قمعية وغامضة ومعقدة».

أزمة تلفزيون لبنان

فوجئ الوسط الإعلامي في لبنان والعالم العربي بتفاقم الأزمة المالية داخل تلفزيون لبنان لتصل إلى درجة توقفه عن البث لأول مرة في شهر آب/أغسطس 2023 وذلك بعد أن تعثرت إدارة التلفزيون في سداد الالتزامات المالية المترتبة عليها للموظفين، ما دفعهم إلى الإضراب عن العمل وتعطيل البث.
وفي شهر حزيران/يونيو الماضي نفّذ العاملون في تلفزيون لبنان اعتصاماً أمام مبنى القناة التابعة للحكومة، وذلك احتجاجاً على تدني أجورهم وأحوالهم المعيشية وعدم وفاء السلطات بوعدها بتقديم مساعدات اجتماعية.
وقالت نقابة موظفي التلفزيون في ذلك الحين إنّ الاعتصام «بمثابة صرخة كي لا يبقى تلفزيون لبنان وموظفوه آخر أولوية المعنيين» وأضافت: «بعدما وصلت أحوالنا المعيشية إلى هذا الدرك غير المسبوق وبعد استنفاد كل الوسائل من حوار وانتظار ولم نلقَ إلا الوعود، لا يسعنا اليوم إلا أن نختار المواجهة المحقة كي نحافظ على شركتنا ومصالحنا ولقمة عيشنا وعيش عائلاتنا».
وأعلن تجمع نقابة الصحافة البديلة وقوفه إلى جانب موظفي وموظفات تلفزيون لبنان في «معركتهم لتحصيل حقوقهم وتحسين ظروفهم المعيشية بعد أن فشلت كل الوعود بتصحيح أجورهم منذ اندلاع الأزمة» أواخر عام 2019.
ولاحقاً لذلك وبعد أقل من شهرين على الاعتصام الأول، أي في آب/أغسطس، نفذ الموظفون إضراباً عن العمل احتجاجاً على رواتبهم المتدنية وأوضاعهم الوظيفية، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات المالية.
وجاء الإعلان عن الإضراب في أعقاب إعلام العاملين في التلفزيون من قبل إدارتهم بأن عملية تحويل الأموال من الحكومة بدأت ولكن الأمر يستغرق عدة أيام حتى تصل إلى حساباتهم.
وانقطع بث تلفزيون لبنان الرسمي لكنه سرعان ما عاد إلى العمل، حيث أكد وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية زياد مكاري عودة البث وتعهد بضمان حقوق موظفيه. وذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام» في لبنان أن مكاري «توجه بالشكر الجزيل إلى الموظفين في تلفزيون لبنان وأعضاء النقابة والمديرين الذين أعادوا الروح لشاشة تلفزيون الوطن، وأطلقوا عجلة العمل فيه من جديد».
وأضاف مكاري: «عهدنا متابعة كل الخطوات التي من شأنها ضمان حقوق موظفي تلفزيون لبنان، والعمل على استعادة دوره، في كل ما من شأنه حماية محطة الوطن وتحصينها».
وقبل تصريحات مكاري، نفى مصباح العلي، مستشار وزير الإعلام، صدور قرار بإغلاق تلفزيون لبنان، وقال إن ما حدث هو إيقاف بث مباشر كان مخصصاً لإذاعة بيان يتعلق بإضراب موظفي القناة.
وكانت قناة «أو تي في» ذكرت أن وزير الإعلام قرر إغلاق تلفزيون لبنان، بسبب مشاكل تتمثل في الرواتب، ورفض الموظفين مواصلة العمل رغم المحاولات العديدة لإيجاد حلول.

تدهور الجنيه المصري

وشهد العام 2023 موجات متباينة من الغضب في الشارع المصري بسبب استمرار التدهور في سعر صرف الجنيه، فيما تجدد القلق في أوساط المصريين من «تعويم جديد» للجنيه المصري بما يؤدي إلى مزيد من الانهيار في سعر صرفه أمام العملات الأجنبية.
وسرعان ما أصبحت أسعار السلع الأساسية وتوقعات تعويم الجنيه على رأس اهتمامات المصريين من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي، والمعلقين والنشطاء، في الوقت الذي تزداد فيه الأسعار ارتفاعاً وتتجه شرائح أوسع من المصريين إلى الفقر وصعوبة الحياة اليومية.
وتصدر الهاشتاغ التقليدي «#إرحل_يا_سيسي» قائمة الوسوم الأكثر تداولاً على تويتر في مصر بين الحين والآخر خلال العام 2023 كما تصدر الهاشتاغ «#التعويم_الجديد» أيضاً قائمة الوسوم الأوسع انتشاراً.
وتوقعت عدة بنوك عالمية أن تضطر مصر لاتخاذ قرار بتعويم جديد للجنيه، أي بخفض جديد في سعر صرفه أمام الدولار الأمريكي والعملات الأجنبية الأخرى، في ظل أزمة اقتصادية طاحنة تضرب البلاد.
ويأتي «تعويم الجنيه» على رأس شروط صندوق النقد الدولي للموافقة على القروض، إلى جانب اشتراط تخارج الحكومة من المشاريع الاقتصادية، وفتح مساحة أكبر لـ«الخصخصة» وتوقف عمليات الدعم المنفذة من قبل البنك المركزي المصري لدعم خطط الإقراض واعتماد الضبط المالي، وكذلك إدارة الديون من أجل الالتزام بمسار تنازلي للدين العام بالنسبة للناتج الإجمالي المحلي.
وتوقعت أربعة بنوك عالمية، من بينها كريدي سويس السويسري، وبنك أوف أمريكا، وسوسيتيه جنرال الفرنسي، في تقارير منفصلة، هبوطا قياسيا جديدا للجنيه المصري مقابل الدولار.
وكانت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني قد خفضت تصنيف الاقتصاد المصري من «B3» إلى»Caa1» حيث أشارت الوكالة إلى أن التخفيض يأتي في ظل تدهور قدرة البلاد على تحمل الديون.
ويقول خبراء إن عجلة الاقتصاد تأخذ وقتا حتى تبدأ المؤشرات في الظهور على الأسعار. لكن التصنيف الائتماني وانخفاضه يؤثران سلبا على تكلفة الاقتراض بالدولار حيث ستزيد التكلفة لزيادة التأمين، وربما زيادة الفائدة على اعتبار أن قدرات البلاد تراجعت على سداد التزاماتها طبقا للتصنيف الجديد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية