أربعون عاما علي وفاته هل حان الوقت لانصافه؟:
أسئلة وعلامات استفهام ما زالت تبحث عن أجوبة مقنعة لأسباب الحادث وحقيقة الدور المصري!عارف مرحلة هامة ومؤثرة وغامضة من تاريخ العراق الحديث… لم يعدم أحدا حتي الذين تآمروا عليهأربعون عاما علي وفاته هل حان الوقت لانصافه؟:د. أيمن الهاشمي المشير عبد السلام محمد عارف هو أحد رؤساء الجمهورية في العراق، وبذات الوقت هو شخصية أثيرت حولها الكثير من الآراء المتناقضة، والمواقف الانفعالية، ومثلما كانت موضع المديح والاطراء فانها كانت معرض التشويه والتهجم، فبعض القوي اتهمته بالطائفية والتحيز الأعمي للسنة كونه من عشائر الرمادي، والبعثيون اتهموه بسرقة ثورتهم في 8 شباط (فبراير) 1963 واغتيالها والتآمر عليها في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963، والشيوعيون اتهموه بالشوفينية ومعاداة الشيوعية والتعصب للقومية العربية، والتحيز المبالغ فيه للوحدة العربية والولاء الأعمي والمطلق لجمال عبد الناصر، قوميون عرب اتهموه بخيانة القومية العربية وـــعدم الوفاء لعبد الناصر! اسلاميون اتهموه بأنه أقحم الاشتراكية في الاسلام من خلال مناداته باشتراكية الاسلام واصداره قرارات التأميم الشهيرة عام 1964، أما من صودرت ممتلكاتهم وشركاتهم ومصارفهم وأراضيهم في قرارات التأميم وتضرروا من القرارات الاشتراكية فهم ما زالوا يحنقون عليه ولا يذكرونه الا بسوء!مهما كان عبد السلام محمد عارف ومهما كان موقفنا منه، فانه شئنا أم أبينا قد دخل تاريخ العراق الحديث واحداً من الشخوص العراقية التي حفرت اسمها وأفعالها ومواقفها في سجل التاريخ العراقي، ولسنا في موقع التحيز أو التقييم الذاتي، ولا في معرض النقد والتنكيل الشخصي، ولكن جزما فان عقودا أربعة مضت منذ احترقت جثة (الرئيس عارف) في حادثة (سقوط أو اسقاط!) طائرة الهليوكوبتر التي كان يستقلها مع مجموعة من مرافقيه ووزرائه فوق منطقة (النشوة) بمحافظة البصرة وهو في جولة تفقدية للاطلاع علي أحوال الناس هناك في عاصفة ترابية يوم 13 نيسان (أبريل) 1966، أعتقد أنها تشفع لنا أن نطالب من جديد باعادة دراسة وتقييم هذه الشخصية العراقية التي حفرت اسمها في سجل التاريخ العراقي، وانصاف هذا الرجل الذي ضحي بحياته من أجل بلده، وينبغي اعادة اثارة موضوع (سقوط أو اسقاط) طائرته في الحادث المشبوه المثير للجدل، ومن كان يقف وراء الحادث المذكور، ولماذا لم تعلن نتائج التحقيقات التي قيل إنه قامت بها لجان فنية هندسية عسكرية من عراقيين و(مصريين!) في هذا الحادث؟ ثم لنا أن نتساءل ونبحث هل كان عبد السلام عارف فعلا كما يتهمه البعض (طائفيا)؟ أو هل كان (مهووسا بعبد الناصر والوحدة العربية)؟ وهل كان عارف طاغية أم دكتاتورا؟ هل أعدم أحدا من خصومه أو معارضيه أو الذين قاموا بمحاولات انقلابية ضده؟ أو اغتالهم أو قام بتصفيتهم؟ أو… أو… الخ! وما هي حقيقة علاقته بالنظام المصري والدور الذي مارسه السفير المصري ببغداد (أمين هويدي) أيام عارف.لماذا عبد السلام عارف.. الآن؟اضافة لما تقدم، فان ما حفزني للكتابة بهذا الموضوع، أربعة مواقف اعلامية مهمة برزت مؤخرا وهي:1 ـ ما كتبه السيد حازم جواد من مذكرات في جريدة القدس العربي مؤخرا، وكانت مثيرة للنقاش والجذب بين محب وكاره ومحايد.. وهذه المذكرات وما أثير حولها وضدها من ردود جعلتنا نعزز فرضية أن لا وجود للحياد في كتابة التاريخ، فالمؤرخ لا بد أن يكون منحازا والحيادية أمر صعب المنال حين يتعلق الأمر بتفسير الاحداث التاريخية لا بل وحتي عرضها.. فاذا كان الجدال والتناقض وصل هذا الحد في حوادث عشناها وشهدناها وتابعنا أحداثها في حياتنا فكيف بالذين رووا لنا قصصا وأحداثاً تاريخية قبل أن نلد بعشرات القرون؟ أليس ذلك يعزز المثل الشعبي العراقي الشهير (حِبْ واحكي.. اكره واحكي!) أي أن الانسان حين يتكلم ليس بامكانه أن يبقي علي الحياد فلا بد اما أن يكون محبا واما أن يكون كارها والحب والكره لا بد أن يطغي ويظهر في ما يكتب شاء أم أبي… فبعض الكتاب جعلوا من عبد الكريم قاسم قديسا لا بل جعلوه نبيا.. وآخرون أنزلوه الي حضيض الخيانة والتآمر والشعوبية.. وكل يتكلم من منطلق الحب والكره.. وكلهم يتكلم من زاوية نظره وعقيدته وقناعاته.2 ـ ما كتبه السيد زهير عبد الرحمن في جريدة (الزمان) بعددها 2148 بتاريخ 29/6/2005 تحت عنوان (الاستجارة عند العرب: واقعتان من القرن العشرين ـ عارف يرفض تسليم الخميني) من أن (الرئيس عارف رفض عرضا من شاه ايران باغلاق الحدود الايرانية أمام المتمردين الأكراد مقابل تسليم عدد من الرموز الايرانية اللاجئة للعراق وفي مقدمتهم الخميني). وهذه المقالة تثير البحث في فترة حكم الشقيقين عارف، وما تم تلفيقه لاحقا من تهم ضد تلك الفترة من تاريخ العراق.3 ـ تصريحات الدكتور عدنان الباجه جي التي نشرتها احدي الصحف العربية وتقييمه لفترة نظام حكم الشقيقين عارف بقوله إن نظامي عبد السلام عارف وشقيقه عبد الرحمن عارف القوميين العربيين في الستينات، لم يعتمدا العنف ولا الاعدامات لتصفية اعدائهما . وقال الباجه جي في المقابلة في الستينات، وتحت قيادة الرئيسين العراقيين الراحلين عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف، مثلت العراق في الامم المتحدة وكنت ايضا وزيرا للخارجية. وكان اهتمامنا الأكبر آنذاك القضايا العربية، وعلي الأخص قضية فلسطين، وقد نشطنا جدا في الدفاع عن هذه القضايا اثناء وبعد حرب 1967. كنت وزيرا للخارجية في حكومتي عبد الرحمن البزاز وناجي طالب وفي حكومة الرئيس عبد الرحمن عارف. الرئيسان عبد السلام وعبد الرحمن عارف كانت لهما توجهات قومية ووحدوية عربية تتوافق مع اقتناعاتي . وقال: اود ان اؤكد لكم انه في زمان حكم عبد السلام وعبد الرحمن عارف لم يعدم اي شخص لاسباب سياسية، بالرغم من انه قامت عدة محاولات انقلابية. واشير الي انه حتي في العهد الملكي العراقي تمت اعدامات سياسية في حق مؤيدي رشيد عالي الكيلاني والحزب الشيوعي العراقي، كما انه في مطلع عهد عبد الكرسم قاسم اعدموا العائلة المالكة ومنظمي ثورة الشواف، غير انه منذ اطاحة عبد السلام عارف بنظام البعث في 18/11/1963 وحتي انتهاء نظام عبد الرحمن عارف في 17/7/1968 لم يعدم أحد لاسباب سياسية…. ان عبد السلام وعبد الرحمن عارف كانا قائدين نزيهين برأيي .4 ـ مشاهدتي لبرنامج علي احدي الفضائيات العربية مؤخرا استضيف فيه العلامة (الشيخ محمد مهدي الخالصي)، والذي تكلم بصراحة وانصاف وموضوعية عن المرحوم عبد السلام عارف، وعندها شعرت بمقدار تقصير الكتاب والأكاديميين والباحثين وبالاخص من العراق، بحق الرئيس الشهيد عبد السلام محمد عارف وعدم ايفائه حقه بين سلسلة الزعماء والحكام الذين تتابعوا علي حكم العراق، ومقدار الغبن الذي تعرضت له شخصية المرحوم عارف من لدن عدد من المؤرخين والكتاب، وبالأخص من العراقيين في محاولة الصاق تهم باطلة بشخصيته كالتهمة الطائفية وتهمة الدكتاتورية وغيرها من التهم التي تنطلق من ثأرات ومواقف متحيزة غير موضوعية وغير منصفة. فالرئيس عبد السلام كان يتمتع بمزايا قيادية وانسانية وصفات يندر وجودها لدي كل الذين تولوا حكم العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة 1921.من هو عبد السلام عارف؟عبد السلام محمد عارف واحد من أبناء عشائر جميلة العربية، المشهورة بتمسكها بالقيم العربية الاسلامية، كان والده (الحاج محمد عارف) صاحب محل بزازة (بائع أقمشة) في منطقة السوق حمادة بالكرخ التي نشأ وترعرع فيها عبد السلام، وكان الحاج محمد عارف يرتدي العمامة، وكان حريصا علي تربية ابنه تربية اسلامية ملتزمة. دخل عبد السلام الكلية العسكرية العراقية وتخرج منها عام 1939، وشارك مع قطعات الجيش العراقي في (حرب فلسطين) 1948 كما واشتهر بميوله القومية العربية المشبعة بالاسلام وحب الوحدة العربية. ودخل تنظيم (الضباط الأحرار) أوائل الخمسينات مع مجموعة من الضباط الوطنيين من مختلف التوجهات الذين أعلنوا أنهم يسعون لانهاء الحكم الملكي ـ الذي يرونه نظاما رجعيا مرتبطا بدائرة الاستعمار ومعاديا للتطلعات الوحدوية العربية.كان عبد السلام عارف واحدا من ضمن منفذي ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، وهو الذي قرأ بيان الثورة الأول بصوته من الاذاعة العراقية، وعين بعد نجاح الثورة نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للداخلية، وبعد نجاح الثورة بأيام طار الي دمشق للالتقاء بالرئيس جمال عبد الناصر وهناك تعرف الاثنان علي بعض عن كثب، وألقي عبد السلام خطابه الشهير في ميدان دمشق، وطالب بانضمام العراق الي الجمهورية العربية المتحدة، وطبعت صورته مع عبد الناصر ووزعت في مدن العراق وفي دمشق والقاهرة، مما أثار شكوك وحفيظة معارضي الوحدة العربية من الشيوعيين وغيرهم، فناصبوه العداء وكادوا له المكائد، وحرضوا عبد الكريم قاسم ضده ورتبوا قصة المؤامرة التي يدبرها عبد السلام لاغتيال عبد الكريم، ووصل الأمر الي أن تشاجر الاثنان داخل مبني وزارة الدفاع وقيام عبد السلام بتوجيه مسدسه نحو قاسم وتدخل الزعيم فؤاد عارف لمنعه وسحب المسدس منه، هذا الحادث أدي الي اصدار قرار من قاسم بابعاد عبد السلام وتعيينه سفيرا للعراق في (بون) أواخر 1958، ثم تم سحبه بعد أسابيع الي العراق واحالته الي المحكمة العسكرية العليا الخاصة (محكمة الشعب برئاسة العقيد فاضل المهداوي) لمحاكمته بتهمة التآمر علي (الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء ووزير الدفاع) وحكم علي عبد السلام بالاعدام، الا أن الحكم لم ينفذ وخفض الي السجن المؤبد، ثم بعد فترة تم الافراج عن عارف وأودع الاقامة الاجبارية في مسكنه بمنطقة الأعظمية، لغاية قيام ثورة 8 شباط (فبراير) 1963 واسقاط حكم عبد الكريم قاسم، حيث أسند الانقلاب لعارف رئاسة الجمهورية تكريما لنضاله الطويل ومواقفه الوطنية العروبية. واستمر عبد السلام رئيسا للجمهورية، لغاية 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 حين قاد بنفسه حركة تصحيحية ضد تصرفات البعثيين، بعدما تفاقمت انتهاكات الحرس القومي، واعتداءاتهم علي المواطنين وتحديهم لسلطة القانون وتجاوزاتهم التي فاقت حدود الصبر (كما وصفها عارف في بيان حركة 18/11)، وبعد أن وصلت النزاعات الحزبية الداخلية حد استخدام الطائرات الحربية العراقية يوم 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 من قبل بعض الضباط البعثيين (منذر الونداوي وجماعته) لقصف القصر الجمهوري ووزارة الدفاع بالصواريخ، فاضطر العسكريون بزعامة عارف ومن معه الي القيام بحركة مسلحة لتصحيح الأوضاع، واقامة نظام حكم وطني بعيد عن التحزب. تميز عبد السلام عارف خلال فترة حكمه بالسعي الدؤوب لتحقيق الوحدة العربية من خلال احياء اتفاق الوحدة الثلاثية مع مصر في 17 نيسان (أبريل) 1963 (رغم خروج سورية البعث من الاتفاق بعد سوء علاقة البعثيين بعبد الناصر علي أثر فشل المحاولة الانقلابية التي قام بها القومي جاسم علوان في دمشق بتموز (يوليو) 1963، وأدت لاعتقاله ومحاكمته مع بقية القوميين والناصريين في سورية، وبالتالي تم تجميد الاتفاق، وفي 25 ايار (مايو) 1964 وقع عبد السلام عارف مع عبد الناصر اتفاقية انشاء القيادة المشتركة بين العراق ومصر، واعلان الوحدة العسكرية بين البلدين. قوات مصرية تحل مكان القوات السورية في شمال العراقكانت القيادتان البعثيتان في كل من العراق وسورية اتفقتا عام 1963 (قبل سقوط نظام البعث بالعراق 1963) علي ارسال قوات عسكرية سورية الي شمال العراق لمواجهة ما سمي وقتها بحركة التمرد الكردي، ونظرا لمطالبة النظام السوري باعادة تلك القوات، طلب العراق من مصر احلال قوات مصرية بدلا عن السورية في شمال العراق، وفعلا تم ذلك خلال عام 1964 بناء علي اتفاق الوحدة العسكرية والقيادة المشتركة.حول مذكرات أمين هويدي عن عبد السلام وحادثة مقتله:أمين هويدي كان سفيراً لمصر في العراق اثر اعادة العلاقات المقطوعة بين البلدين بعد سقوط نظام عبد الكريم قاسم 1963 وحتي نهاية حكم العارفين وكان له دور هام ومؤثر في العراق نتيجة الدور المصري في الشأن العراقي حينها، وكانت سفارة مصر في وقته تتخذ دارا سكنية في منطقة العطيفية الأولي بالكرخ مقرا لها لحين اعادة موقع السفارة بالوزيرية عام 1964، وبرغم كل الانتقادات التي وجهت لهويدي علي أثر نشر مذكراته عن العراق، فالحق يقال بأن أمين هويدي رجل يذكر المعروف في أهله وليس كغيره من الذين يتكتمون علي الحقائق وجميل الأعمال وتناسوا أفضال ومواقف العراق. وينبغي أن نشيد به لما ذكره في مذكراته من فضل للعراق عندما احتاجت مصر الي رصيد من العملة الصعبة لمواجهة أزمة اقتصادية، وبادر العراق لمعاونة الشقيقة الكبري. ويقول بأنه فاتح محافظ البنك المركزي العراقي وقتذاك وهو د. خير الدين حسيب وكان من ابرز الاقتصاديين الناصريين، فأتم الأخير الاجراءات بعد أيام قليلة بدفع ملايين الدولارات لمصر.. ولكن هويدي يستطرد قائلا بأن العراق لم يطالب برد هذا المبلغ الا بعد أن توّلي شكري صالح زكي وزارة المالية في وزارة د. عبد الرحمن البزاز. لكن د. سيار الجميل يري (ان العراق لم يطالب مصر بأمواله ويجعلها من أولوياته الا بعد أن أدرك عبد السلام عارف وطاقمه الجديد برئاسة د. عبد الرحمن البزاز بأن مصر كانت تقف وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة الأولي لعارف عبد الرزاق !). وكان عبد السلام عارف وقتها يحضر مؤتمر القمة العربي في المغرب حين دخل الي غرفته فجرا مرافقه الرئيس عبد الله مجيد وأيقظه من نومه ليخبره بتفصيلات محاولة عارف عبد الرزاق. في مذكراته يذكر أمين هويدي أن عبد الناصر هو أول من أخبر عبد السلام عارف بما حدث في بغداد.. الا أن د. سيار الجميل ينقل رواية نقلها عن د. أحمد الحسو المستشار الصحافي لعارف، وكان يرافق الرئيس في رحلته للدار البيضاء، وعاد معه علي متن الطائرة المصرية التي أقلته من المغرب الي العراق مرورا بمصر علمنا بما حدث في بغداد من محاولة انقلابية وبما كان يحدث في الساعات الاولي من فجر يوم 14 ايلول (سبتمبر) ومن قبل رجل نثق به كثيرا، علما بأن فارق التوقيت بين العراق والمغرب قرابة 3 ساعات. وقمت توا باخبار مرافق الرئيس عبد الله مجيد، فدخل توا الي غرفة نوم الرئيس عبد السلام عارف الذي كان يغط في نوم عميق، فأيقظه من منامه وأخبره بما حدث في بغداد، فنهض عبد السلام عارف سريعا ليستفهم المزيد من الاخبار من دون ان يصاب بأي ذعر، وقد اخبرناه بأن المحاولة احبطت وان الوضع مستقر لصالحه، فبدأ يمهد للعودة مباشرة. وفعلا، عدنا علي طائرة مصرية، فطرنا الي العراق وهبطنا ليلا في احد مطارات مصر العسكرية وليس المدنية، وكان الجميع في حالة من القلق باستثناء الرئيس عارف الذي لم يعرف طعم النوم.. كنا جميعا في حالة من الاعياء والجهد النفسي خصوصا عندما بقيت طائرتنا جاثمة في ذلك المطار الموحش وعبد السلام قوي الارادة وثابت الجنان ولكنه كان متألما جدا لما اصابه من خيانة وغدر القريبين منه والبعيدين عنه. لم يعد عبد السلام عارف الي القاهرة اولا ليعمل علي ترتيب سفره الي بغداد اذ نزلت الطائرة للتزود بالوقود في مطار مصري لا يعرف اين هو لأن المطار كان موحشا في الليل ولم يكن في القاهرة بأي حال من الاحوال.. ولم تبق الطائرة الا وقتا قصيرا بقي الجميع علي متنها، فلم ينزل احد منها الي ارض مصر.. .الدور المصري أيام حكم عبد السلام عارف يقول د. سيار الجميل ان المعلومات المهمة التي سجلها أمين هويدي في مذكراته، كنت انتظرها منذ زمن طويل اذ تقول الوثائق والتقارير والمعلومات السياسية العراقية ان عبد الناصر كان قد تدخل تدخلا سافرا في شؤون العراق عندما قُتِل الرئيس عبد السلام عارف ومن معه عندما سقطت طائرته الهيلوكبتر اثر هبوب عاصفة رملية قرب البصرة كما كان قد أذيع وقت ذاك، ولم يستطع احد حتي يومنا هذا كشف لغز سقوط تلك الطائرة، ويشاركني أمين هويدي أيضا بقوله لا احد يعرف سر سقوط طائرة عبد السلام عارف! ولكن هويدي أول من تحدث سواء في كتاباته أو في لقاءاته التلفزيونية بأن عبد الناصر هو أول من عرف بخبر سقوط الطائرة قائلا لهم بأن عبد السلام قتل وشبع موتاً! المهم في المعلومات التي كنت قد سجلتها في بعض كتاباتي التاريخية نقلا عن الأوراق العراقية ان وصول عبد الحكيم عامر من القاهرة الي بغداد علي عجل وتدخلاته السافرة في تنصيب خلف لعبد السلام قد غيّر مسار تاريخ العراق برمته في تلك اللحظة التاريخية.. لقد عمل جهده من خلال تنفيذ رغبة الرئيس جمال عبد الناصر في عدم وصول المرشحين الاثنين اللذين كان ضدهما للرئاسة في العراق: المدني الدكتور عبد الرحمن البزاز رئيس الوزراء والعسكري عبد العزيز العقيلي وزير الدفاع، وفرض بدلهما اخو عبد السلام الفريق عبد الرحمن عارف رئيس أركان الجيش وكالة، وقد ضرب بالدستور عرض الحائط، ولأول مرة يرث رئيس دولة جمهورية أخاه في الحكم، كان في العراق! ). انتهي كلام الدكتور الجميل.لقد كان حضور المشير عبد الحكيم عامر السريع الي العراق في مساء يوم حادث سقوط أو اسقاط طائرة عبد السلام عارف، ومشاركته في التشييع باليوم التالي ممثلا للرئيس عبد الناصر، ومن ثم الحديث الذي دار عن دوره في تنصيب الرئيس عبد الرحمن عارف، واشراك مصريين في التحقيق بحادثة الطائرة، وما زال السر في سقوط الطائرة غامضا. يقول د. سيار الجميل في كتابه (القاهرة حاولت الانقلاب علي عبد السلام عارف): … وهنا أريد أن اغتنم هذه الفرصة كي أدعو مخلصا كل الباحثين والمؤرخين والساسة القدماء وكل من يمتلك معلومات يدلي بها من اجل الكشف عن اسرار مصرع الرئيس العراقي عبد السلام عارف، ومن يقف وراء التخلص منه! ان الحاجة باتت ماسة الآن لمعرفة كيفية سقوط الطائرة الهيلوكبتر التي كانت تقله فقط، ونزول الطائرتين المرافقتين بسلام علي ارض مطار البصرة. انني واثق شديد الثقة بأنه ليس هناك وجود لأية عاصفة رملية اسقطت الطائرة، بل ان مؤامرة حيكت بمنتهي السرية للقضاء علي عبد السلام عارف.. وان طائرته قد انفجرت وهي تطير في السماء وتلاشت اجزاؤها في الليل البهيم! ماذا نسّمي اذن كل هذه الصورة التي رسمت مصر عبد الناصر من خلالها مستقبل العراق حتي تلك اللحظة التاريخية المريرة.. وسوف لن تهدأ ابدا، فستبقي مصر تعمل من اجل ان يكون العراق منسجما ولا اقول تابعا مع سياسة مصر، وبقيت مصر تحلم بمجيء الناصريين فقط الي حكم العراق، ولكن ذلك لم يتحقق اذ ذهب العراق في طريق آخر.. ويؤكد اولئك الذين احبطوا المحاولة الانقلابية الاخري لعارف عبد الرزاق علي عهد الرئيس عبد الرحمن عارف بأن مصر قد قطعت علي العراقيين اي مشروع للحكم المدني اثر مصرع عبد السلام عارف وأتت بأخيه عبد الرحمن من اجل ان يغدو الوضع ضعيفا جدا يسهل جدا حدوث اي انقلاب يأتي بعارف عبد الرزاق علي رأس الحكم في العراق.. .هل كان عبد السلام طائفيا؟ان الذين يعرفون عبد السلام عن قرب يعرفون حقا أنه لم يكن طائفيا، أو متعصبا للسنة أو للدليم، أو للعرب، فقد كانت له صلة طيبة بالمرجع الشيعي الأعلي محسن الحكيم، وكانت بينهما زيارات كما أن الرئيس عارف أوفد المرحوم الحكيم بطائرة رئاسية خاصة لأداء فريضة الحج 1964 مع جمع من علماء الدين الشيعة وغيرهم. وعارف لم تكن له نظرة تحيز عرقية ولا مذهبية، فوزاراته كانت تضم الشيعي والسني العربي والكردي والتركماني، وفق مبدأ الكفاءة والاخلاص للوطن. كما كانت لعارف علاقة وثيقة جدا مع الامام مهدي الخالصي، وهذا ما أوضحه بكل التفصيل سماحة العلامة محمد مهدي الخالصي في اللقاء التلفازي الأخير مع الجزيرة. ومن المؤسف أن تنطلق كتابات علي بعض المواقع تتهم عبد السلام عارف بأنه (طائفي) فقال أحدهم لقد مارس عبد السلام عارف الطائفية بشكل علني وجعلها مقياسا للتقرب الي الدولة!! .. ويكفي ان نذكر أنّ عارف كان قد عين (ناجي طالب) رئيسا للوزراء وهو شيعي عربي قومي ووطني وشخصية عراقية محترمة من الجميع. كما أن عددا كبيرا من وزرائه كانوا اما من الكرد أو من الشيعة أو التركمان اضافة للعرب فمعياره كان الوطنية والكفاءة.هل كان عبد السلام دكتاتورا؟ذكرنا آنفا ما أورده الدكتور الباجه جي في شهادته عن فترة حكم عبد السلام عارف من انه لم يعدم ايا من خصومه ومعارضيه بمن فيهم من حملوا السلاح وتآمروا عليه، وطيلة فترة حكم الشقيقين عارف لم يعدم عراقيا واحدا لأسباب سياسية، وطيلة عهده لم يصدر حكما باعدام أحد من خصومه أو معارضيه، فقد عفا عن البعثيين جميعا حتي من رفع السلاح ضد السلطة، وأطلق سراح الشيوعيين الذين كانوا قد دبروا مؤامرة مسلحة ضد نظام حكمه رغم صدور أحكام قضائية عليهم بالاعدام. ومن الأحداث التي شهدناها عيانا أثناء القاء عبد السلام عارف لخطبة لمناسبة احتفال ذكري المولد النبوي في حدائق قاعة الشعب بباب المعظم وكان الخطاب متلفزا مباشرا، وكان يتحدث فيه عن قرارات التأميم وعن اشتراكية الاسلام فانبري للرئيس عبد السلام عارف أحد الحضور (واسمه أحمد السامرائي) وقاطعه أثناء الخطاب بالهتاف (يا عبد السلام… لا اشتراكية في الاسلام!) وسمعه جميع مشاهدي النقل التلفازي…. فما كان من الرئيس عبد السلام الا أن أجابه باللهجة المحلية (صه يا هذا!) وقام رجال الأمن باعتقال أحمد السامرائي.. وفي صباح اليوم التالي بالضبط لقيت المدعو أحمد السامرائي نفسه يسير في الشارع وسألته عن اعتقاله فأخبرني أنه تم اطلاق سراحه بأمر من الرئيس عبد السلام في نفس الليلة!!! شجاعة عبد السلام عارفيقول عنه معظم أقرانه أن عبد السلام كان يتميز بخصائل وصفات قيادية عسكرية نادرة، ويتسم بالشجاعة والاقدام والجرأة وعدم التردد، وقال عنه زميله عبد الغني الراوي وهو من الضباط الأحرار ( لقد كان عبد السلام عارف شجاعاً بحق..) ومن مواقفه انه سحب المسدس علي عبد الكريم قاسم في وزارة الدفاع حين نجح الشيوعيون في اثارة الشكوك بينهما وتخويف قاسم من عبد السلام، كما أن قيامه بحركة 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 لانقاذ العراق من تصرفات الحرس القومي التي تجاوزت كل الحدود.. واستطاع أن يحسم الأمر خلال ساعات. عبد السلام لم يكن مواليا لأية حكومة أجنبية، أو معسكر غربي أو شرقي، كان مستقلا لم ينتم الي حزب ولا فئة، وكان ضد التحزب. عبد السلام كان شخصية بسيطة متواضعة، يتجول في الشوارع والأزقة ومختلف مدن العراق بحماية بسيطة ودون ضجيج وازعاج، ولم تسجل عليه تجاوزات علي المال العام، بل إنه لم يكن يمتلك غير منزله في الأعظمية وهو منزل بسيط متواضع.(النشوة) حادث غامض مشبوه!انتهي المشروع الوحدوي مع مقتل الرئيس عبد السلام محمد عارف بحادث سقوط طائرته المروحية فوق منطقة النشوة جنوبي العراق (شمال البصرة) في 13 نيسان (أبريل) 1966حين كان يقوم مع عدد من مرافقيه ووزرائه بزيارة تفقدية لمحافظة البصرة، ولم يتم التوصل الي كشف سر سقوط أو اسقاط طائرته المروحية لحد الآن، فالبيان الحكومي وتأكيدات الحكومة المصرية أن الحادث بسبب عاصفة رملية صحراوية جعلت الطائرة تفقد توازنها وتسقط أرضا وتحترق أجساد جميع من كانوا علي متنها وفي مقدمتهم الرئيس عبد السلام عارف. وثمة روايات أخري تنطلق من (مبدأ المؤامرة) حيث وجهت بعض الاتهامات الي الدور المصري باسقاط الطائرة للتخلص من عارف الذي بات عبئا عليها، بسبب سياساته ومواقفه، وتدخلاته لصالح الاخوان المسلمين في مصر. ومن المعلوم أن تدخل عبد السلام عارف شخصيا وضغطه عليه أدي الي اطلاق سراح المرحوم سيد قطب من السجن عام 1964 (وهذه القصة معروفة وكان عارف قد أوفد المرحوم اللواء محمود شيت خطاب المفكر الاسلامي المعروف ووزير الأشغال والشؤون البلدية لدي عارف الي القاهرة ليتابع بنفسه اطلاق سراح سيد قطب). ولكن بعد وفاة عبد السلام أعيد اعتقال سيد قطب ووجهت له تهمة التآمر علي عبد الناصر وأعدم مع جماعته أواخر ايلول (سبتمبر) 1966 أي بعد سقوط طائرة عبد السلام بخمسة أشهر…وثمة اتهامات الي البعثيين لتطلعهم الي التخلص من عدوهم التقليدي اللدود وما قيل وقتها بأن ضابطا بعثيا في القاعدة وضع مادة متفجرة في خزان وقود الطائرة قبل اقلاعها من الشعيبة.مهما كان عبد السلام محمد عارف ومهما كان موقفنا منه، فانه شئنا أم أبينا قد دخل تاريخ العراق الحديث واحداً من الشخصيات العراقية التي حفرت اسمها وأفعالها ومواقفها في سجل التاريخ العراقي. ان عقودا اربعة مضت منذ ان احترقت جثة (الرئيس عارف) في حادثة (سقوط أو اسقاط!) طائرة الهليوكوبتر فوق منطقة (النشوة) شمال البصرة يوم 13 نيسان (أبريل) 1966، تجعل كثيرين يطالبون باعادة دراسة وتقييم هذه الشخصية العراقية وانصافها، واعادة اثارة موضوع (سقوط أو اسقاط) طائرته في الحادث المشبوه المثير للجدل، ومن كان يقف وراء الحادث المذكور؟ التاريخ سجل يبدأ لكنه يبقي مفتوحا لا أحد يجرؤ علي غلق صفحاته الي الأبد.ہ محاضر في جامعة بغداد7