لندن ـ «القدس العربي» لم تعد الذكرى الرابعة لبداية الحرب في سوريا بعيدة. فالإنتفاضة التي خرجت في 15 آذار/ مارس 2011 بدأت كفعل سلمي يطالب بالحرية والعدالة والخبز والمساواة ثم تحولت وبعد ستة أشهر إلى حرب أهلية.
وارتكبت خلال الحرب أفظع ألوان الجرائم التي حاول الرئيس السوري بشار الأسد التغطية عليها وإنكارها في مقابلته مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» عندما سأله جيرمي بوين عن البراميل المتفجرة وكانت إجابة الرئيس بأنه ليس لديهم لا براميل ولا أواني طبخ، رغم أن جرائم النظام وضرباته على المناطق المأهولة بالسكان موثقة وسجلتها منظمات حقوقية محترمة مثل «هيومان رايتس ووتش» الأمريكية ومنظمة العفو الدولية ـ أمنستي إنترناشونال.
كان يكذب
ومن المعلوم أن الأسد كان يكذب حسب معظم المحللين وإن كان يصدق ما يقوله فهو واهم أو منفصل عن الواقع. وكما تحدثت صحيفة «الغارديان» يوم الأربعاء فالمقابلة «تقدم صورة عن رجل واثق بنفسه بشكل مرعب ومثير للسخرية المطلقة».
وقالت إن الأسد كان يرد على الأسئلة بطريقة متعجرفة وفي حالة «إنكار» فهو «لم ينبس ولو بكلمة عن المذابح التي ترتكبها قواته والتي تركت مدنا بكاملها مثل حمص وحلب في حالة من الدمار الكامل التي تذكر بفظائع القرن العشرين التي ارتكبت في مدن مثل كورنيكا ـ إسبانيا ودرسدن ـ ألمانيا. وهناك الآلاف من السوريين، وربما عشرات الألوف منهم ممن اعتقلوا وعذبوا وبعضهم مات في أقبية الأسد».
ولا غرو فخلف الصورة اللامعة واللغة الإنكليزية المؤدبة هناك بلد «يتم التضحية به من أجل عائلة الأسد».
وتؤكد الصحيفة أن الأسد هو المستفيد الأول من الفوضى التي تعهد بنشرها في الشرق الأوسط مع بداية الانتفاضة، ويبدو أنه يفر من المسؤولية عنها نظرا لانشغال الولايات المتحدة بالحرب الجديدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام. مع أن الأسد هو جزء من نشوء هذا التنظيم عندما أفرج عن الجهاديين من سجونه.
وهو بهذه المثابة جزء من المشكلة لا الحل. فقد تعاون هو والجماعات المتطرفة على تدمير بنية البلاد وقتل المواطنين.
فالإحصائيات المتوفرة عن حجم القتل متفاوتة ولكنها أكثر من 210.000 سوري، وهناك 3 ملايين مشرد في دول الجوار فيما أصبح ثلث السكان البالغ عددهم 22 مليون نسمة نازحين في بلادهم ويبحثون عن فرص للخروج منها.
تطور المذابح
وما تميزت به السنوات الماضية هي الطريقة التي تطور فيها العنف الذي يظل النظام مسؤولا عنه بسبب تبنيه الحل ألامني لسحق الانتفاضة.
فمن المذابح التي ارتكبتها جماعات الشبيحة ضد القرى والبلدات من الحولة والبيضا وبانياس والتجويع والحصار لبلدات وقرى في ريف دمشق وحصار البلدة القديمة في حمص إلى البراميل المتفجرة. وبعدها جاءت فظائع تنظيم الدولة الإسلامية الذي ابتكر أدوات متقدمة في العنف كان آخرها حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة في قفص حديدي بعد أن صب عليه الوقود. وأصبحت شخصية الجهادي جون، الرجل الذي يذبح الرهائن محلا للتكهنات لتحديد هويته. فمنذ انطلاقة الانتفاضة السورية وتعذيب الأطفال الذين كتبوا شعارات معادية للنظام على الجدران في درعا لم يتوقف العنف ومع زاد عدد القتلى.
ويرى كيم سينغوبتا أن حرق الطيار الأردني يثير الصدمة لما وصلت إليه الوحشية في الحرب السورية، ولكن هذا جاء كما يقول سينغوبتا بعد قطع رؤوس ورجم ودفع رجال من بنايات عالية، وكلها وثقت على أشرطة الفيديو وتولد جميعا الرعب وتعطي حسا بأن القتل والفظائع لن تتوقف.
ويكتب «قبل ثلاثة سنوات وعندما بدا الرئيس بشار الأسد في وضع مهتز، كان أبو صقار من بين المقاتلين «المعتدلين» الذين يحظون باحترام الغرب. وحظيت كتيبته عمر الفاروق (في ريف حمص) بالثناء لمواجهتها المتطرفين الإسلاميين، بل وقامت الكتيبة باعتقال وإعدام قائد مجموعة من الجهاديين الأجانب الذين كانوا قادمين جددا للنزاع المر». وكان أبو صقار واسمه الحقيقي خالد الحمد، شخصية مرحة.
ويقول سينغوبتا انه التقاه و «إن الهواجس التي ارتابتنا وأننا بمعية قاتل هي أن الرجل الذي قتل محمد العبسي هو نفسه الذي اختطف الصحافي البريطاني جون كانتلي والهولندي جيرون أويرليمانز اللذين تم الإفراج عنهما لاحقا». لكن كانتلي عاد في خريف عام 2012 إلى سوريا مع زميله الأمريكي جيمس فولي.
واختطف كانتلي في تشرين الثاني/ نوفمبر مرة أخرى وكذا فولي حيث انتهيا في أسر تنظيم الدولة الإسلامية.
وكان التنظيم قد أعدم فولي في آب/ أغسطس 2014 فيما أجبر كانتلي على ما يبدو القيام بمهام إعلامية للجهاديين. لكن شريط الفيديو الذي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي في أيار/ مايو 2013 وكان مصدر دهشة سينغوبتا ومثار التقزز الذي شعر به من شاهدوا الشريط في أنحاء العالم.
ويقصد سينغوبتا هنا هو مشهد أبو صقار وهو يقضم رئة جندي سوري بدت جثته مشوهة. وبدا أبو صقار وهو يقول « أقسم بالله العظيم أن آكل قلوب وأكباد جنودك يا بشار الكلب…».
ويتحدث سينغوبتا عن ردة فعله وزملائه الصحافيين ممن التقوا بأبو صقار «هل كان هو نفسه؟ ماذا حدث».
وقد حاول القيادي أبو صقار التوضيح لمراسل «بي بي سي» بول وود قائلا «ضع نفسك في مكاني، لقد أخذوا والدي ووالدتي وأهانوهما، وذبحوا إخوتك وقتلوا عمك وعمتك وذبحوا جيرانك»، وأضاف «يجب أن نثير الرعب في قلب العدو ونهينه كما فعل بنا، لم أكن أريد فعل هذا ولكن كان علي أن أقوم به. ولن يتجرأوا الآن على فعل ما فعلوه طالما أبو صقار موجود».
قصة الباب
لكن العنف لم يتوقف ولم يختف من يرتكبونه أيضا، وهنا يقول سينغوبتا أن من يقومون بأفعال كهذه لم يخرجوا من العدم، فما نشاهده الآن هم أشخاص لم يكونوا يقتربون من العنف في الأوضاع العادية ولكنهم الآن، وهذا ليس مقتصرا بالطبع على الوضع السوري فقط فقد ظهر في نزاعات أخرى شهدها العالم في السنوات الأخيرة. ومع ذلك يظل الانحدار نحو العنف في سياق المذبحة السورية سريعا جدا. ويشير هنا للشريط الأخير الذي ظهر فيه جون كانتلي، وصور مشاهده كما قال في بلدة الباب من ريف حلب «ودرست لقطاته بشكل سريع وبحس فضولي، خاصة أنني قضيت وقتا في البلدة من بداية الانتفاضة وأتذكر الصداقة والحماية التي أظهرها سكان البلدة في أوقات الخطر».
وهنا يقدم قصة عما حدث للبلدة منذ مشاركتها في الاحتجاجات المعادية للأسد. فقد تحولت الباب بحلول صيف عام 2012 إلى نقطة محورية في التظاهرات ضد النظام السوري. ويتذكر كيف قام المتظاهرون العزل من السلاح بالهجوم على قاعدة عسكرية للحكومة، حيث أطلقت المدفعية جولات من القذائف عليهم. وفي ذلك العام قدمت البلدة أكبر عدد من المقاتلين الذي داهموا مدينة حلب وكان معهم.
وبعد ذلك وقعت البلدة تحت سيطرة تنظيم جبهة النصرة الذي يعتبر فرع القاعدة في سوريا، ثم سيطر عليها فيما بعد تنظيم الدولة الإسلامية. وسيطر التنظيمان على ثكنات الجيش وقصفا السكان مثلما فعل النظام من قبل.
ورغم مقاومة السكان للجماعتين إلا ان العدد القليل من المقاتلين في البلدة أدى لدخول الجهاديين إليها. ويرى الكاتب أن جذور العنف مرتبطة بالقوانين المتشددة التي مارسها التنظيمان فقد أغلقت كل المقاهي وأماكن الترويح. وبدأ الجهاديون بتطبيق الحدود من قطع الأيدي والرجم والجلد والإعدام.
واختفى من المشهد الناشطون الشباب والمحامون الذين كانوا يناقشون مستقبل الديمقراطية في سوريا بعد رحيل الأسد، فقد قتل البعض وسجن الآخرون ورحل من رحل إلى تركيا. وهناك قلة من الشبان انضمت إلى الجهاديين أو الجلاد. ومنهم عبد الحميد – 26 عاما- والذي كان يعمل في محل تجاري.
حكاية عبدالحميد
ويقول سينغوبتا إنه التقى عبدالحميد في خريف 2013 عندما كانت الولايات المتحدة تهدد بضرب النظام السوري عقابا له على استخدام الأسلحة الكيميائية في الغوطة. وقاتل عبدالحميد في صفوف النصرة التي كانت ستندمج مع تنظيم صغير في حينه «الدولة الإسلامية في العراق والشام».
كان اللقاء في المعرة حيث وصف عبدالحميد كيف قام بإعدام الرافضة أو الشيعة «وعندما ذكرته بمواقفه السابقة، حيث كان يؤمن بمساحة تتسع لجميع الطوائف والجماعات السياسية، عبر عن غضبه، وكان ساخطا على الأمريكيين وفشلهم بالتحرك بعد الهجمات الكيميائية، وهي شكوى عامة لدى جماعات المعارضة في حينه، وغضب من النفاق الغربي وإعلامه». وقال «تريد أوروبا وأمريكا منا قتال بشار، ولكن أين المساعدة؟ كم من الناس ماتوا وهم ينتظرون المساعدة؟ لقد شاهدت ما يقوم بشار بعمله ثم يأتي الناس ويحاضرون علينا». وأضاف عبدالحميد أن «الرافضة الذين قتلتهم كانوا كلابا، وأشعر بالفخر لقتلهم من السهل ان تقتل شخصا تكرهه بشدة. استخدم البعض السكاكين، أما أنا فقتلتهم بالرصاص وأطلقت عليهم أكثر من مرة حتى يعانون، ولست نادما، لست نادما». ويقول سينغوبتا إن عبدالحميد ورجاله قادوه إلى صف من القبور وعلق أحد المقاتلين «عملاء، كان أحدهم صغيرا لا يتجاوز عمره 12 عاما، ولكنه ثعبان صغير كان سيكبر ويصبح أفعى كبيرة، ومن الأحسن قتلهم وهم صغار».
ويتذكر الكاتب كيف جاء الصغار الذين كانوا يلعبون قريبا من القبور وأخذوا يهتفون بشعارات الثورة وينتظرون فرصة لحمل الكلاشينكوفات التي بيد المقاتلين. وعندما سألهم من خلال المترجم عن رأيهم بالولد المقتول، تطوع أحدهم بالإجابة «كان خائنا ويستحق الموت». بعد عام التقى سينغوبتا عبدالحميد مرة أخرى في المدينة الحدودية غازي عينتاب حيث حلق لحيته واستبدل زيه العسكري بالجينز والقميص، وكان برفقته شخص آخر اسمه يوسف وهو من مدينة إدلب. كلاهما يقولان إنهما شعرا بالخيبة من الثورة والقتال ويريدان التركيز على الكفاح المدني.
مشهد اغتصاب
و «بعدها قضيت المساء وأنا أستمع للقصة المروعة التي حدثت لناشطة من حماة اعتدت عليها المخابرات السورية، وعندما أطلق سراحها وهربت إلى تركيا اعتقلت المخابرات شقيقتها، وتعرضت لاغتصاب جماعي وكسر فكها وأضلاعها من الضرب المستمر». وتقول الناشطة «لا أصدق ان هذه الامور لا تزال تحدث الآن. ولن تعود مدينتنا حماة لما كانت عليه في السابق، لقد تم سحق كل شيء».
وعندما قال الكاتب لعبدالحميد ويوسف أنه يتفهم العنف الذي مارسته بعض الجماعات المقاتلة كرد فعل على ممارسات كهذه. لكن عبدالحميد قال إنه انضم لتنظيم الدولة الإسلامية وتركه بناء على رغبته.
فيما يقول البعض إنه طرد بسبب تجاوزات ارتكبها. ولم يكن راغبا بالحديث عما فعله مع تنظيم الدولة الإسلامية، وكل ما قاله أنه «شاهد أشياء سيئة». وهز يوسف رأسه قائلا «لو كنت أخا او زوجا لواحدة من هذه النسوة فسأقتل جنود الأسد والشبيحة وسأعذبهم ولن أقتل المدنيين بالتأكيد فقط لأنهم علويون».
ويعود إلى أبو صقار مشيرا إلى قصص عن مقتله. ويعلق عبدالحميد «بالتأكيد ما فعله بالجثة هو حرام، ولكنك سمعت أن بنات عائلته قد قتلن واغتصبن وقد أثر هذا به. وفي الحرب ارتكب الناس أفعالا سيئة».
ويشير يوسف «عندما بدأ الاحتجاج كان خالد الحمد في بابا عمرو بحمص، وكان يشارك في التظاهرات مثل غيره، وعندما بدأ الأسد بإطلاق النار على المتظاهرين، ولم يعد الخطأ والصواب واضحين في هذا القتال». في النهاية عاد عبدالحميد إلى سوريا حيث لم يحتمل الابتعاد عن ساحات القتال، وبقي يوسف في تركيا حيث يحاول الهجرة إلى بلد آخر.
ويقول إنه لن يعود إلى هناك حتى لو توقفت الحرب «لن يكون هناك سلام» وأضاف «ستقوم العائلات بالانتقام من بعضها بعضا، سقط دم كثير حتى الآن».
qal
إبراهيم درويش