أرجوكم كذبوا باتاي !

حجم الخط
0

أرجوكم كذبوا باتاي !

خيري منصورأرجوكم كذبوا باتاي !لنأخذ عينات من افراز العقل السياسي العربي هذه الأيام ونضعها تحت المجهر، فهذا أجدي من التعليق المباشر علي ما يحدث سواء كان اعدام دولة أو مواطن أو رئيس.قرية مصرية تعلن تغيير اسمها عشية اعدام صدام حسين بحيث تصبح قرية صدام، اعترافا كما يقول الناطقون باسمها بفضله علي أهل القرية الذين عملوا في العراق وشيدوا منازل القرية الجديدة من ذلك العمل.ثري عربي يعلن عن استعداده لدفع أي ثمن يطلبه العراق مقابل الحصول علي الحبل الذي شنق به صدام حسين!بيوت غراء تزين جدرانها صور لصدام في فلسطين والأردن، وولائم مفتوحة في عواصم عربية ابتهاجا باعدامه.مظاهرات عراقية تدق الطبول فرحا بشنق صدام ومظاهرات أخري يقول المشاركون فيها انهم يفتدون صدام بدمهم!زعيم عربي يعلن الحداد في بلاده علي اعدام صدام، وزعيم آخر يقول بأنه نال جزاءه.عبارة واحدة تكررت ثلاث مرات بالانكليزية والفارسية والعبرية.وكان الرئيس الأمريكي بوش هو البادئ عندما قال ان العراق بعد اعدام صدام سيدخل الي مرحلة جديدة من الاستقرار.ثم قال أولمرت رئيس وزراء اسرائيل وخليفة شارون في زعامة حزب كاديما: ان اعدام صدام هو عقاب عادل.وفي خطبة الجمعة في طهران قال هاشمي رافسنجاني أن اعدام صدام عقاب عادل وسيدخل العراق الي مرحلة من الاستقرار والسلم الأهلي!رئيسة وزراء بريطانيا السابقة التي تلقت دروسا مبكرة ضد عقوبة الاعدام في بلادها منذ لعب آرثر كوستلر دورا في التشكيك بجدوي هذه العقوبة رحبت باعدام صدام، لأنه ليس بريطانيا، وينتسب الي خارج النطاق الانكلو ساكسوني النقي.لوبان الفرنسي، العنصري ضد المهاجرين العرب الي فرنسا، وصف الاعدام بأنه جريمة رخيصة، وقذرة.منظمة العفو الدولية أدانت الاعدام ودول اسلامية استنكرت التوقيت في فجر عيد الأضحي!هذه البانوراما ليس الهدف منها تقديم جردة بالمواقف من اعدام صدام حسين، لكنها ضرورية كقرائن علي الأقل لما سنقوله!وهو بدءا، هل كان باتاي مصيبا بما كتبه عن العقل العربي باعتباره قاصرا وينتمي الي ما قبل المنطق؟وهل كان طومسون مصيبا عندما وصف هذا العقل بأنه أشبه بثمرة الصبير التي حين تنقب من بذورها لا يبقي غير المخاط.وهل كان هيغل علي حق عندما قال في كتابه محاضرات عن تاريخ الفلسفة ان التاريخ الاسلامي مجرد معرض للتغيرات الدائمة، وهل كان محقا عندما سخر من الفارابي وفلاسفة الاسلام لأن عقولهم تعاني من عسر الهضم، وذلك تعليقا علي ما قرأه عن الفارابي الذي أعاد قراءة كتاب تاريخ الطبيعة لأرسطو أربعين مرة كي يستوعبه!وهل كان روزنتال عادلا عندما قال ان كلمة الحرية لا وجود لها في اللغة العربية وأنها ليست ذات جذور اشتقاقية؟وهل اهتدي ت دوتي الي الحقيقة عندما قال نقلا عن شيخ عربي ان هذه الأمة لا تحتاج الي العلم وأن الشهادة وحدها تكفي؟سأكتفي بهذا القدر من آراء غربية تشكك في العقل العربي، وتضع العربي مرادفا للخيانة والغدر والأنانية والبداوة والكذب، وهذه كلها نعوت كان باتاي قد حشدها في كتابه الشهير عن العقل العربي.وأعترف بأنني شخصيا كنت أحد هؤلاء الذين كرسوا أعواما من أعمارهم لدحض هذه المقولات والبرهنة علي عنصريتها، وبالتالي اندحارها أمام الحقائق والمناهج العلمية، لكنني أتذكرها الآن لسببين، أولهما أن ما يصدر عن العقل السياسي العربي هذه الأيام يصلح أطروحات مضادة لدفاعاتنا.بل هو باختصار انتحار عقلي.في ذلك الفجر، وحين كانت المساجد في معظم العواصم الاسلامية والعربية تكبر لصلاة الأضحي فيما كان الشفق يشي بصباح دافئ في عز الشتاء، انصرفت عن مشاهــدة التليفزيون الي عدد من كتـــب التاريخ التي أنقلها معي حيثما حللت، وأدركت علي الفـور أن نصف ساعة فقط من حياة العرب السياسية تكفي اللبيب والحصيف من القراء، ولا حاجة بهم لقراءة نقائض الأمويين وأسباب سقوط العباسيين وخروج أبي عبدالله الصغير من غرناطة. عينة واحدة من الدم الفاسد تكفي وبيضة فاسدة واحدة من سلة فيكتور هوغو ايضا تكفي.فالبداوة في أقصي تجلياتها تتبدي تحت طلاء الحداثة وما بعدها، والدولة تغيب، بل تدول لأنها سيئة الحظ في لغتنا العربية لاقترانها بالزوال!ليس مهما من تقبل من في هذه الدراما التنكرية. الأدوار يجري تبادلها أحيانا علي نحو كوميدي وأحيانا يضع الفاصل بين الجلاد والضحية فلا تدري أي سيف قد أسال الدم!وان كانت التداعيات الأولي التي اندلعت في ذاكرتي هي حول هذا العقل وما قيل عنه فان ما أعقبها علي الفور هو التالي:مئات بل آلاف قصائد المديح التي كتبت عن صدام حسين من الماء الي الماء، ومن أشد أشكال العمود الشعري صرامة الي قصيدة النثر أين ذهب هؤلاء في ذلك الشفق؟أما من مرثية واحدة ولو علي استحياء أيها الشاعر المهاجر الي أوروبا، والذي كان يحمل حقيبة سيده البعثي، ويكتب عن وزير اعلام صدام بأنه أفضل وزير في الكرة الأرضية!أين من جعل من صدام حسينا في كربلاء مضادة مدفوعة الأجرة عندما كان الجنرال في ربيعه؟وأين هم الآن كتاب ما يسمي الصفحة الثالثة في صحيفتي الثورة والجمهورية العراقيتين خلال الحرب العراقية الايرانية؟من لندن الي السويد مرورا بهولندا وليس انتهاء باستراليا ونيوزيلندة ونيويورك وباريس وأمستردام وواق الواق.شعراء وروائيون ونقاد صنعوا تمثال التمر وعبدوه ثم أكلوه، وأخيرا صفقوا لشنقه!ما دامت هذه هي لحظة الحساب والعقاب فتعالوا نفتح ملفات ثقافية واعلامية أراد أبطالها أن يلعبوا دور الحطيئة وطرفة بن العبد معا ودور المنفي والملكوت، ودور السجان والسجين.رجال ونساء لكل الأزمنة، ما دامت الأصابع مرة الي الحد الذي تكتب فيه الشيء ونقيضه.من صنع التمثال، ومن عجن التمر وحوله الي وثن؟هل هم الناس العاديون الذين لا حول لهم ولا قوة أم من ترجلوا من الباص رقم 4 الذي يصل باب المعظم بساحة الأندلس ومبني اتحاد الكتاب العراقيين في بغداد ليركبوا الماليبو والموسكوفيتش والسوبر صالون والمتسوبيشي والتي غالبا ما كانوا يخطئون باسمها ويقولون مسيوبوشي ؟أين هي التقارير التي كتبها هؤلاء الأحرار عن أمثالي في بغداد، وأنا علي سبيل المثال لم أكتب اسم صدام حسين طوال اقامتي في بغداد، ومن يملك وثيقة مضادة فأنا بانتظارها بفارغ الصبر، كي أطمئن علي سلامة ذاكرتي!من هم الذين وصفوا صدام بسيف الدولة ووصفوا أنفسهم بالمتنبي ومن اين يتقاضون الآن أجورهم تلبية لموعظة الجد العظيم الذي قال لأحفاده من الشعراء المتكسبين: أوصيكم بالمسألة، ثم قال ان قصائده هن بناته العذاري ينكحهن من يشاء؟!أحدهم، دخل الي مكتبي في مجلة الأقلام وهو شاعر ما بعد حداثي يسألني عن أهم شخصية رياضية وأهم حدث رياضي عام 1986.قلت له لا أعرف ولا أتابع الرياضة فقال لي، هل من المعقول أنك لا تعرف بأن الأستاذ عدي هو شخصية العام وأن انتصار بغداد علي دمشق في احدي المباريات هو أهم حدث.عندئذ وجدتني أسأله بسخرية عن كوتسيلوس أكسيلوس، وظن أنني أنحت اسما وحقيقة الأمر أنني كنت في تلك الليلة أقرأ حوارا مع هذا اليوناني!من صنع الامبراطور غير ذلك الصحافي الذي ارتمي تحت قدميه خمس عشرة ساعة في القطار القادم من البصرة الي بغداد كي يتوصل بعد الحوار الي أنه أهم من لينين ومن الأيوبي؟وأية حرية يعدنا بها ذلك الشاعر الماركسي الذي احتفظ له بقصيدة عن صدام، كتب لها مقدمة مما قاله ماياكوفسكي عن لينين؟ان كانت لحظة الحساب قد أزفت فليجب حملة حقائب لؤي حقي في مهرجان الأمة عن دورهم في تضليل الوجدان الشعبي، واللعب بالكلمات للحصول علي ألف دينار أو دولار أو درهم، لا فرق؟لقد حول شعراء التروب دور السياسي الديكتاتور الي دجاجة تبيض ذهبا وهم الآن محرومون من هـــــــذا البيض، لقد كان بقاؤه ضروريا لاستمرار نمـــــــط الانتاج لكنهم لا يدركون الآن، وبعـــــد أن أصبح بلدهــم يدفن أكثر من مائة انسان يــــــوميا بأن اللعبة قد انتهت للمرة الثانية اذا كان ما قاله الدوري ممثل العراق في الأمم المتحدة لحظة السقوط هو المرة الأولي!نعم، ان كانت لحظة الحساب قد أزفت فلتفتح الملفات كلها، ملفات تجار النفط وتجار الأدب الذين سماهم الراحل علي الوردي وعاظ السلاطين!ومن يراهنون علي أن هذه الذاكرة القومية قد أصيبت بالزهايمر السياسي يخطئون مرتين، مرة لأنهم كذبوا علي أنفسهم ولفقوا سير ذاتية مستعارة، ومرة لأنهم كذبوا علي الآخرين!كم شاعرا وكم روائيا وكم صحافيا كانوا سيصبحون باعة متجولين أو موظفين صغارا لولا تسربهم الي جريدة القادسية واجراء التدريبات الأولي علي مديح الديكتاتور؟البعض منهم كانت حجته الخوف والنجاة بجلده، فماذا فعل بعد تلك النجاة؟لقد انتهت تلك التراجيكوميديا العربية بأن أصبحنا بفلسطين ثانية، وعلينا أن ننتظر بلوغ متوالية الانتحار نهاياتها بحيث تصبح مساحة فلسطين بالفعل هي مساحة الوطن العربي الذي تحول الي منفي بامتياز. هذا اذن أول الدم وقد يكون آخر الغيث لعل التراجيديا ضجرت من الاقامة ألف عام في ذاكرة مُلتاعة، ولعل التاريخ الذي أعلنوا نعيه قبل عقدين من الزمن يتعجل القيامة!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية