الدكتور عبد القادر حسـين ياسـينكان صباحا مشرقا على غير العـادة… كومة الرسائل تسقط من فتحة البريد.. رسالة من مديرية ضريبة الدخل.. رميتها جانبا لا أريد أن أبدأ نهاري بنكد منذ الصباح الباكر.
صحف ومجلات بالإنكليزية والألمانية والسويدية… دعوة لإلقاء محاضرة عن الإسلام والمسلمين في أوروبـا في ‘المركز الثقافي الاسباني’ في كوبنهاغـن… إعلان عن افتتاح سوبر ماركت جديد، يقول: التسوق في ‘ICA’ بسيط مثل تعلم حروف الهجاء… الجريدة الأسبوعية المحلية…. علبة قهوة صغيرة، مجانا، للتجربة، وقائمة أسعار محل بيتزا جديد… وغير ذلك.. من النافذة رأيت ساعي البريد وهو يبتعـد.. كان قصيرا مربوع القامة، في الخمسين من عمره، متجهماً دائما، ثقيل الحركة.
علاقتي به كانت محددة بإدخاله الرسائل من فتحة البريد.. في كانون الأول ( ديسمبر) الماضي قال لي بصوت تساقط من خلال المسافة الفاصلة بين أسنانه الأمامية: ‘هذا أمر سيىء… سيىء جدا… الأرض تزحلق… كيف أستطيع إيصال الرسائل؟’ وعدته بحل المشكلة بأسرع وقت ممكن، وحسب تعبيره ‘قبل أن يتزحلق ويكسر ظهره’. وتنفيذا لوعدي فرقت عددا من صناديق الكارتون ورتبتها بشكل ممشى ضيق يربط ما بين البوابة الخارجية وباب البيت. عندما ذاب الجليد، رميت قطع الكارتون في صندوق القمامة. ثم سقط الجليد ثانية. هذه المرة، وضعت قطعة سجادة قديمة، قصصتها بشكل طولي، فسار عليها ساعي البريد بخطوات متأنية وحذرة. كنت، في محاولاتي، كمن يريد الحصول على الرضا والاستحسان، وبـذل قـصـارى جهدي للكشف عما هو وراء قناعه المؤدب. رأيته قبل أيام، وأنا واقف بانتظار الباص، على بعـد شارع واحد من بيتي. ابتسمت بصدق وأنا اعتقد أن هناك ما يجمع بيننا. قلت: صباح الخير. لم يجب. تحاشى النظر إليّ.. عَـبـَر الشارع الى الجهة الثانية، وواصل سيره البطيء ومسعاه ‘السيزيفي’ للتخلص من الرسائل. في موقف الباص نفسه التقيت بجاري يـواكـيـم.. عرفت أن اسمه يـواكـيـم لأنني سمعت إحدى الجارات وهي تقول له: ‘انتبه عند عبورك الشارع يا يـواكـيـم’. قررت أن الوقت قد حان لتبادل تحية الصباح مع يـواكـيـم. يـواكـيـم تجاوز السبعين منذ زمن بعيد.. نحيف.. قصير.. يدخن باستمرار.. قلت: صباح الخير. قال: ‘هل شهدت حادثة المرور ليلة أمس؟’ وواصل قائلا ً قبل أن أجيب على سؤاله: ‘رجل عجوز مات فورا.. سيارة الإسعاف وصلت متأخرة ثلاث دقائق عن موعدها، لقد تغير الزمن… تغير البلد… كل شيء تغير…’. ثم بحلق مذعورا بالتخطيطات والرسوم الملونة على موقف الباص…’انظر.. انظر.. أيام زمان كانت الجدران نظيفة والباصات نظيفة ومواقف الباصات نظيفة. البلد كلها وسخة الآن….. لماذا؟ بسبب الغرباء.. غرباء في الشارع.. غرباء في الحيّ… بوروس Bors كلها صارت مليئة بالغرباء… أينما التفت أرى غرباء….’ وقلت في نفسي أنه ليس ثمة في مظهري مـا يـدل على أنني سويدي أو أوروبي… نظر يـواكـيـم اليّ بعـينيه الحادتين نظرة تحمل أكثر من مـغـزى… وتابع ‘مـُعـلــَّـقـتـه’:’يوم أمس، انتظرت في المستشفى مدة تزيد على نصف ساعة ( ربما لا يعرف هـذا السويدي الفاضل أن ثمـة أناساً في العالم الثالث يـنـتـظرون سـاعات قبل أن يواتيهم الحظ، ويتفضل ممرض بالتحدث إليهم… وقـد يتلطـف عـزرائيل بهم… فيريحهم من الانتظار قبل أن يسـعـدوا برؤية طبيب…!!).. انتظرت أولا في صالة الانتظار… ثم قادوني لأجلس في الممر المؤدي الى الردهة… من كرسي الممر نـقـلوني الى كرسي آخر، قرب سرير محاط بستارة طويلة.. جلست على الكرسي وانتظرت.. انتظرت… كنت أرى من خلف الستارة، أقدام الممرضات فقط، كن يتحركن بسرعة كبيرة. أقدام تتجه يمينا، أقدام تتجه يسارا.. بعد نصف سـاعـة جاء الطبيب. قاست الممرضة ضغط الدم ثم أخذت عينة دم للتحليل. أخبروني أنهم لن يجروا العلاج الشعاعي اليوم. لديهم حالات مستعجلة أكثر.. المريض الذي نادوه قبلي وعالجوه كان أسود… تصور حالتهم المستعجلة كانت مريضا أسود [ كــذا…!!!] . ويقولون أن هذا بلدنا. أنا مصاب بسرطان الجلد، وقد أموت قريبا وهم يقولون أن لديهم حالات مستعجلة أكثر.. وأية حالات! مرضى سود نزلوا للـتوّ عن الأشجار من الغـابـة… من الذي خدم البلد أكثر، أنا السويدي المولود فيه أم المهاجر حديثا؟ من هو الأولى بالعلاج. أنا أم الأسود؟ هل تعرف معمل المـعـجـَّـنـات في نهاية الشارع؟ أغلقوه الآن. عملت فيه مدة ستة وعشرين عاما الى أن تقاعدت.. نقلوا المعمل الى خارج المدينة. قالوا: أرخص وأحسن.. فتقاعدتُ قبل وقتي ومرضتُ قبل وقتي’. نظرتُ إلى العجوز… وران بيننا صمتٌ ثقيل… وجال في خاطري ألف سؤال وسؤال… عن العـنصرية… وحقوق الإنسان… والصور النمطية الجاهزة… والدّين… والنظرة إلى الآخر… ورأيت ـ كعـادتي دائمـا ـ أن أضع النقاط على الحروف… ولكني ترددت لأن أي حديث مع هـذا السويدي العـنصري حتى النخـاع سيكون أشبه بحديث بطاركة القسطنطينية… عـنـدما كان الأتراك العـثمانيون بقيادة محمـد الفاتح يحاصرون القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية عـام 1453، كان البطريرك ذيوذورس الخامس والأسـاقفة الأرثوذكس مشغولين في ‘جـدل بيزنطي’ عـقـيم يتـمحـور حول ما إذا كانت الملائكة ذكوراً أم إناثاً… وكم من الملائكة يمكن أن يجلس على رأس دبوس…!!! نظرتُ الى العجوز بحنان فلانت ملامح وجهه المتصلبة إزاء وجهي. جاء الباص… جلس يـواكـيـم في المقعـد القريب من الباب وجلست أنا قبالته. واصل حديثه بلا توقف. عند اقتراب الباص من الموقف القريب من السوبرماركت، وقف قرب السائق وتبادلا معا التذمر من حالة الطقس… قال ‘شكرا’ للسائق، ونزل ببطء وهـو يتحاشى النظر اليّ…. وتذكرت أنني طوال السنوات الأربع التي سكنت فيها في تلك الشقة كنت أرى جـاري هـذا يوميا… ولكنه لم يلق عليّ التحية ولو مرة واحـدة.
وكان ينظر اليَّ دائما وكأنني مـُصاب بالجـذام… وطوال ذلك اليوم شعرت بالنـدم لأنني أردت فقط أن ألقي تحيـة الصباح على جـاري. كـاتـب وأكاديمي فلسطيني مـقـيـم في السـويد