سمح الأردن منذ عام 2011 بإدخال او السماح بدخول اكثر من مليون و800 الف لاجئ من سوريا.. بين هؤلاء أجانب وآسيويون من مختلف بقاع الارض استقبلوا باحترام وبقي منهم من بقي وغادر من أراد.
عندما اندلعت الازمة السورية سهلت حكومة الاردن الأمور والعبور لراقصات روسيات واوكرانيات ولعاملات في قطاع الترفيه، وبعيدا عن سوريا يمكنك ان تلاحظ بوضوح في العاصمة عمان وفي مدينة العقبة مظاهر التراخي والابتهاج بوجود عاملات اجنبيات يتمتعن بالحماية والاقامة هن واولادهن ويعملن في قطاع الترفيه في حضن شرعية القانون والدولة الاردنية المعتادة على احترام قيمة الانسان وموجبات القانون والقادرة عن هضم الآخر كما نفترض طبعا.
لسبب او لآخر يضيق صدر الاردن الرسمي الواسع الذي يغرق البلاد والعباد في جدل الديموغرافيا والمكونات بامرأة واحدة فقط اردنية عالقة في مغارة في منطقة وزيرستان مع خمسة من أطفالها الذين تقطعت بهم السبل دون تقدير او احترام لكرامة المرأة ودون ان تظهر سلطات الحكومة ولو ميلا بسيطا لإظهار لمسة انسانية تقلد تلك الاخلاق والقيم التي تربينا عليها نحن كأردنيين والتي تمأسست عليها دولتنا وتشكل هوية نظامنا الانساني المتسامح.
اقفلت منذ اربع سنوات كل الابواب في وجه المواطنة الاردنية الشابة هيام رفيق أمين عبد الكريم هي واطفالها فيما تفتح ابواب الصالات الخاصة في المطارات والحدود لأجنبيات وغريبات من مختلف الملل والمحن.
لا اجد تعبيرا حقيقيا عن شعوري بالمرارة تجاه قصة هذه المرأة التي لم تسمح بعد كل تقاليد الدولة الاردنية باستقبالها او بإصدار وثيقة سفر مؤقتة لأطفالها العالقين في مغارة بعد ان تخلى عنهم الجميع بمن في ذلك رجال «الجهاد» الذين كان والد الاطفال يعمل معهم.
لم يعد سرا لنا كأردنيين بان الحكومة الاردنية مثل غيرها من الحكومات العربية استثمرت في الماضي بأوامر أمريكية في موسم الجهاد الأفغاني حيث ارسل عشرات الابرياء للموت وحيث كل انماط التراخي الاداري والامني مع تسهيلات من وراء ستارة.
نعرف ذلك جميعا ولم يعد سرا، اما مشكلة المرأة الاردنية فهي انها اردنية بالمقام الاول ولا بد من معاقبتها لأنها اولا تزوجت من فلسطيني وثانيا قبلت المغادرة مع زوجها إلى ارض الجهاد فقتل الزوج في المعركة وترك زوجته واطفاله في المغارة يتسولون لقمة الخبز وشربة الماء.
هذه الاردنية حاصلة على الجنسية والرقم الوطني لكن اطفالها بحكم واقع الحال ليسوا أردنيين ووالدهم من غربي النهر حيث الكلام الشاعري عن وحدة المصير.
تتخلى السلطة الفلسطينية عن الاطفال وترفض سفارة فلسطين التابعة لها في باكستان الاعتراف بوجود اولاد القتيل المجاهد.
انا شخصيا مطلع على تفاصيل هذه القصة المأساوية التي تسيء للأردن دولة وشعبا وتراثا.
قيل للفتاة ولذويها في عمان انها تستطيع الحضور شخصيا لكن بدون اولادها.. موقف بيروقراطي أمني لا يمكن تفسيره اخلاقيا، وتغيب عنه الانسانية حيث يعلم الموظفون الامنيون الذين منحوا المرأة الاردنية وثيقة سفر اضطرارية للعودة بانها أم ولا تستطيع ترك خمسة اطفال في مغارة للوحوش الضواري في وزيرستان حيث تتنقل هذه الاسرة المكلومة عندما تبحث عن الرفاهية للعام الخامس على التوالي من مغارة إلى قطعة قماش بالية مع لوح خشبي تسمى خيمة.
حاولت مرارا وتكرارا لفت الانظار إلى هذه القضية وتحدثنا عنها في عدة تقارير في هذه الصحيفة وارسلنا مراسلات وخطابات لمدراء الامن ورؤساء الوزراء وللديوان الملكي على امل استجابة من اي نوع لمساعدة هذه المرأة الاردنية التي شاء حظها العاثر ان تعلق في تلك المنطقة المحرمة المفعمة بجدل الديمغرافيا البائس ونقاشات التوطين والوطن البديل السقيمة.
تم تخويف عائلتها التي تبكيها منذ عدة سنوات بعدم اللجوء للإعلام ومنظمات المجتمع المدني مقابل وعود مستمرة كاذبة بحل مشكلتها لأن موظفا صغيرا يعتقد بان اقامة المشروع الاسرائيلي والدولة الفلسطينية في الاردن خطوة تبدأ مع السماح بعبور خمسة اطفال جوعى وحفاة يعيشون منذ سنوات في مغارة امهم اردنية ووالدهم فلسطيني.
بكى والد الفتاة العالقة عشرات المرات وفي كل مقر رسمي زاره على أمل التفاتة انسانية دون جدوى.. خدع وضلل العجوز ووعد عشرات المرات دون فائدة لأن الجهة المعنية لا زالت تعتقد بان الامن القومي والوطني الاردني يهدده خمسة اطفال لا حول لهم ولا قوة مات والدهم اثناء الجهاد المفترض وينبغي التنكيل بأمهم الاردنية.
طوال الوقت انظر بازدراء لفكرة من يسافر للجهاد ويصطحب معه اطفاله.. الأسوأ هو ان تقرر الحكومة الاردنية معاقبة ابنة الاردنيين هذه مع اطفالها العالقين وبنفس الجرم مرتين وبلا رحمة او شفقة.
في المرة الاولى لأنها تورطت وتزوجت فلسطينيا، وفي الثانية لأنها اجبرت على المغادرة مع زوجها الذي دفع حياته ثمنا لاجتهادي الجهادي الغريب.
مؤسف جدا موقف حكومة الاردن. ومخجل جدا ليس فقط في جانبه الأخلاقي حيث لا تتعاون لا وزارة الداخلية ولا الخارجية ولا السفارة الاردنية في باكستان لكنه مخجل ايضا في جانبه القانوني لأن قمة الهرم في السلطة الاردنية منحت قبل ثلاث سنوات وبمعركة شرسة جدا وطويلة ابناء الاردنيات بعض الامتيازات والحقوق ومنها الاقامة والعمل وهي امتيازات حرمت امرأة المغارة في وزيرستان.
مؤلم وبحجم الكون ان يتولى العسس والحجاب حجب نداء استغاثة هذه المرأة الذي نشرناه في صحيفة «القدس العربي» بالملك عبد الله الثاني الذي يجير الجميع ومؤلم ان تناشد اردنية امير دولة اخرى فيما تتنكر لها ولأطفالها بلادها على هذا النحو.
٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»
بسام البدارين