الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
إسطنبول-“القدس العربي”: عقب سنوات طويلة من التركيز على جبال قنديل التي تعتبرها تركيا مركز القيادة والتدريب والإعداد الأول لتنظيم العمال الكردستاني شمالي العراق، أثارت تركيا مؤخراً قضية سنجار التي باتت تعتبرها “قنديل الثانية” وحاضنة جديدة للتنظيم المصنف إرهابياً، وذلك قبل أن يطرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ملف مخيم مخمور شمالي العراق الذي وصفه بأنه “فراخة إرهابيين” مهدداً بتنفيذ عملية عسكرية ضده.
وعلى الدوام، اعتبرت تركيا أن جبال قنديل الممتدة على المثلث الحدودي بين تركيا وإيران والعراق بمثابة القاعدة الخلفية الأكبر لتنظيم بي كا كا في شمالي العراق، ويتخذ منها التنظيم مركزاً له ومقراً لقيادة التنظيم من الصف الأول إلى جانب العناصر الذين يتحصنون في المغارات المنتشرة في المنطقة التي تحتوي أيضاً على مراكز التدريب ومخازن الأسلحة، وينفذ الطيران الحربي والمسير التركي عمليات قصف شبه يومية ضد أهداف التنظيم هناك وسط عملية عسكرية برية تقترب تدريجياً من المنطقة التي تبقى بعيدة حتى الآن عن مسرح العمليات البرية المباشرة.
وعقب ذلك، بدأت تركيا بتركيز ضغوطها على العراق فيما يتعلق بمنطقة سنجار التي قالت إنها بدأت تتحول إلى “قنديل ثانية” حيث بات تنظيم العمال الكردستاني يتخذ منها مركزاً للعمليات والتدريب والتجنيد، وقامت بعمليات جوية متفرقة تسببت في توتير العلاقات السياسية والعسكرية مع الحكومة العراقية، قبل أن يجري التوصل إلى اتفاق بين حكومتي بغداد وأربيل من أجل إخراج التنظيم من المنطقة عقب تهديدات تركية كبيرة بتنفيذ عمليات أوسع في المنطقة، إلا أن أنقرة لا زالت تقول إن التنظيم لم يخرج بشكل نهائي من المنطقة.
ومنذ سنوات أيضاً، تقول تركيا إن تنظيم بي كا كا بدأ بالتسلل إلى “مخيم مخمور” ويحوله تدريجياً إلى مركز عسكري يقوم فيه بتجنيد عناصر جدد وتدريبهم على السلاح ومنطلقاً لتخطيط وتنفيذ العمليات العسكرية ضد الحدود التركية، ومارست تركيا ضغوطاً كبيرة على الحكومة العراقية والأمم المتحدة من أجل إخراج مسلحي التنظيم من المخيم الذي كانت تشرف عليه الأمم المتحدة ويضم مئات عائلات النازحين.
وفي لقاء تلفزيوني، الثلاثاء، هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لأول مرة بإمكانية تنفيذ عملية عسكرية واسعة ومباشرة ضد منطقة مخمور والمعسكر الواقع فيها والذي قال إنه بات بمثابة “حاضنة لتفريخ الإرهابيين”، لافتاً إلى أنه “بدون القضاء على قنديل ومخمور لن يتم القضاء على الإرهاب والعنف”.
وقال أردوغان في لقاء على التلفزيون الرسمي: “سوف أقول لكم هنا لأول مرة، نحن نولي أهمية كبيرة جداً لما يجري في مخمور، على الأقل بقدر أهمية قنديل، مخمور تحولت إلى حاضنة لتفريخ الإرهابيين وتصديرهم إلى قنديل وإذا لم نوقف هذا الأمر سوف يستمر تفريخ الإرهابيين”، مضيفاً: “قلنا للجانب العراقي إذا تريدون القيام بهذا الأمر (تطهير المنطقة) فسنترك الأمر لكم، لكن إذا لن تقوموا بهذه المهمة سوف نقوم نحن بها، سندخل ونضرب هناك”، وشدد على أن “تركيا اليوم مصممة على تجفيف منابع الإرهاب”.
والأربعاء، ترأس أردوغان اجتماعاً مطولاً لمجلس الامن القومي استمر لأكثر من 5 ساعات أكد بعدها بيان صادر عنه إصرار تركيا على مواصلة عملياتها العسكرية داخل وخارج البلاد حتى القضاء على التهديدات الإرهابية، مشدداً على أن “تركيا تحترم سيادة جيرانها ووحدة أراضيهم” وأن عملياتها العسكرية خارج الحدود “تهدف لتأمين الحدود التركية وأمن جيرانها وهي نابعة من حق الدفاع المشروع المنبثق عن القانون الدولي”.
ومخيم مخمور أنشأته الأمم المتحدة قبيل أكثر من 20 عاماً ويحوى مئات العائلات التركية -أغلبها أو جميعها من أصول كردية- هربت من مناطق المواجهات العسكرية بين العمال الكردستاني والجيش التركي، ويقع المخيم بعمق 180 كيلومتر داخل الأراضي العراقية، وتتهم تركيا الأمم المتحدة بالتساهل مع التنظيم الذي تقول إنه “يختطف الأطفال من العائلات المقيمة في المخيم ويقوم بتدريبهم على السلاح والقتال ويرسلهم لقتال الجيش التركي”. والثلاثاء، هدد أردوغان بالقول إنه “إذا لم تطهره الأمم المتحدة فسنقوم نحن بذلك باعتبارنا دولة عضو بالأمم المتحدة”.
ونقلت وكالة رويترز، الأربعاء، عن مسؤول عراقي قوله إن تركيا اشتكت لبغداد الأسبوع الماضي من “أنشطة إرهابية يطلقها حزب العمال الكردستاني من مخيمه في مخمور ضد تركيا”، وأضاف المسؤول أن قادة أمنيين ومسؤولين محليين تحروا الشكوى التركية وأبلغوا الحكومة بأن مخيم مخمور يسيطر عليه مقاتلون من العمال الكردستاني ولا يسمحون لقوات الحكومة بدخوله.
وعلى الدوام حذر خبراء عسكريون وأمنيون أتراك من الخطر الذي يمثله مخيم مخمور على تركيا، لكن سياسيون اعتبروا على الدوام أن المعضلة الكبيرة التي تواجه الجيش التركي هو وجود عائلات مدنية تحتمي فيها عناصر التنظيم كما أنه مصنف كمخيم لاجئين تحت سلطة الأمم المتحدة على الرغم من تأكيدهم على أن المخيم خارج تماماً عن سيطرة الحكومة العراقية والأمم المتحدة.
وقبل نحو عام شنت طائرات حربية تركية هجمات على أهداف للتنظيم في محيط المخيم، لكن خبراء عسكريون يؤكدون أن تطهير المخيم يحتاج عملية برية دقيقة وسط مخاطر كبيرة على حياة المدنيين في حال تنفيذ عملية جوية واسعة، كما أن الخيار البري لا يبدو متاحاً بسهولة في ظل بعد المكان عن الحدود التركية وفي منطقة يصعب على القوات البرية التركية الوصول إليها بسهولة، حيث يقع بعمق 180 كيلومتر بينما يصل عمق تواجد القوات التركية في الأراضي العراقية إلى 30 كيلومتر فقط.
ويعتقد أن تصريحات أردوغان تأتي في إطار تشكيل مزيد من الضغط على الحكومة العراقية في بغداد وحكومة إقليم شمال العراق من أجل التحرك ضد تواجد التنظيم في مخمور لقطع الطريق على تركيا لتنفيذ عملية برية في المنطقة تبدو مستبعدة من الناحية العملياتية لكنها تبقى قائمة نظرياً في ظل إصرار تركيا على إنهاء منابع التنظيم في سوريا والعراق وذلك في حال رفض الحكومة العراقية القيام بهذه المهمة.