إسطنبول ـ «القدس العربي»: لأول مرة منذ وصوله وتفرده بالحكم في تركيا قبيل 15 عاماً، يجد حزب العدالة والتنمية الحاكم بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان نفسه مضطراً للبحث بقوة وجدية غير مسبوقة في إمكانية عقد تحالف انتخابي رسمي مبكر مع حزب الحركة القومية المعارضة لتجنب الخسارة وضمان الفوز في الانتخابات المصيرية المقبلة.
ومن المقرر أن تجري في آذار/مارس 2019 انتخابات بلدية «محلية»، يتلوها في نهاية العام انتخابات برلمانية ورئاسية تجري لأول مرة بشكل متزامن بموجب التعديلات الدستورية التي أقرت في الاستفتاء الذي جرى نيسان/أبريل الماضي، وسيتم بموجبها التطبيق الرسمي للنظام الرئاسي الذي يوليه الرئيس رجب طيب أردوغان أهمية خاصة ويرى فيها انتخابات تاريخية ومصيرية بالنسبة للبلاد والحزب الحاكم ومستقبله السياسي شخصياً.
ومنذ تمكنه من التفرد في حكم البلاد عام 2002، يرفض حزب العدالة والتنمية الائتلافات الحكومية أو التحالف مع أحزاب أخرى معتبراً أن ذلك يضعف عمل الحكومة ويعيد تركيا إلى سنوات الحكومات الائتلافية الضعيفة التي تسببت في تراجع اقتصاد البلاد واستقرارها السياسي.
ولكن ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي المقبل الذي يوصف بـ«المصيري» و«الأصعب» يبدو أن أردوغان يفضل اللجوء إلى التحالف مع حزب الحركة القومية بقيادة دولت بهتشيلي على «المغامرة» في الانتخابات المقبلة ومواجهة سيناريوهات الفوز الضعيف بأقل من 50٪ من أصوات الناخبين أو خسارة الانتخابات لصالح المعارضة التي تحاول استعادة عافيتها والتحضير بشكل أقوى للانتخابات المقبلة. هذا التوجه جاء بالدرجة الأولى عقب الاستفتاء الذي جرى بداية العام الجاري والذي تمكن خلاله العدالة والتنمية من حسم التأييد بنعم للتعديلات الدستورية بأغلبية طفيفة لم تتجاوز الـ2٪ مع خسارة أغلبية الحزب في المحافظات الكبرى لا سيما إسطنبول والعاصمة أنقرة وهو فتح الباب واسعاً أمام مراجعات كبيرة داخل الحزب.
أبرز هذه المراجعات تمثلت في لجوء أردوغان إلى عقد مؤتمرات عامة للحزب في جميع المدن والمحافظات التركية الـ81 مع إجراء تغييرات كبيرة في جميع الأطر القيادية وصولاً للجنة المركزية أعلى سلطة فيه، كما شملت التغييرات عددا من رؤساء البلديات الكبرى ومنها إسطنبول وأنقرة وبورصة وغيرها، وسلسلة طويلة من الإجراءات تهدف إلى استعادة ثقة الشارع التركي في الحزب.
لكن هذه الإجراءات لا تبدو مطمئنة بالقدر الكافي للحزب الذي بدأ خلال الأيام الأخيرة مداولات واسعة حملت مستوى غير مسبوق من الجدية لبحث إمكانية عقد تحالف انتخابي مبكر مع حزب الحركة القومية المعارضة والذي بات مقرباً بشكل كبير جداً من الحزب الحاكم طوال السنوات الماضية.
ومنذ محاولة الانقلاب التي جرت منتصف العام الماضي، قدم القوميون الأتراك دعماً كبيراً لأردوغان والحكومة التركية في الحرب على حركة الخدمة وزعيمها فتح الله غولن المتهم بقيادة محاولة الانقلاب، وأيد الحزب حرب الحكومة على الجماعة التي وصفها بهتشيلي بالخائنة والمنظمة الإرهابية.
وتقليدياً، يعتبر حزب الحركة القومية أقرب إلى الحكومة وحزب العدالة والتنمية حيث يدعم توجهاتها في الحرب على المنظمات الإرهابية والحملة ضد المتمردين الأكراد وفتح الله غولن. وسعى أردوغان خلال السنوات الأخيرة إلى اجتذاب أصوات القوميين الأتراك من خلال تشديد الحرب على المتمردين الأكراد واستخدام الخطاب القومي، خاصة عقب محاولة الانقلاب.
وبدلاً من خطابه الديني المعتاد بات أردوغان يركز على استخدام الشعارات القومية، ويؤكد على وحدة الأرض التركية، حيث أدى تشدد الحكومة التركية في الحرب على حزب العمال الكردستاني خلال السنة الأخيرة إلى تعزيز دعم القوميين للحكومة حيث أعلنوا مراراً وقوفهم بشكل تام إلى جانب الحكومة وأردوغان في الحرب على المتمردين الأكراد.
لكن التطور الأبرز كان موافقة القوميين ودعمهم لمساعي أردوغان لتغيير الدستور وتحويل نظام الحكم في البلاد إلى رئاسي، حيث تم صياغة التعديلات بشكل مشترك والتصويت عليها في البرلمان وفي الاستفتاء، وحالياً يسعى أردوغان لاستمرار دعم حزب للتعديلات الدستورية التي ستتواصل حتى الانتخابات المقبلة في البرلمان من أجل تهيئة الدستور التركي لعملية الانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي.
وقبل أيام عقد أردوغان اجتماعاً موسعاً مع نواب حزبه في البرلمان بحث في الدرجة الأولى عقد تحالف انتخابي مع حزب الحركة القومية، وقال ماهر أونال الناطق باسم الحزب رداً على إمكانية عقد هذا التحالف بالقول: «بالأصل هناك توافق كبير وتحالف بين العدالة والتنمية والحركة القومية»، مضيفاً: «إذا تحدثنا عن تحالف انتخابي فالأمر يحتاج اتفاق تقني فقط لأننا متوافقون حول جميع الملفات الوطنية والداخلية»، فيما قال نائب رئيس حزب الحركة القومية إن «الكرة الآن في ملعب العدالة والتنمية».
ويرى كتاب معارضون احتمال توصل الحزبين إلى اتفاق فعلي بسبب ما يرون أنه حاجة مشتركة تتمثل في حاجة العدالة والتنمية لأي دعم جديد في الانتخابات المقبلة لضمان أصوات الـ50٪ من الناخبين، فيما تبرز مخاوف الحركة القومية من عدم إمكانية قدرة الحزب على تجاوز الحاجز الانتخابي ـ يجب على أي حزب أن يتجاوز حاجز الـ10٪ من أصوات الناخبين لكي يتمكن من الدخول للبرلمان-.
وطوال السنوات الماضية تراوحت شعبية العدالة والتنمية في الشارع التركي ما بين 40 إلى 50٪ من أصوات الناخبين، بينما تراجعت شعبية الحركة القومية من قرابة 17٪ إلى قرابة الـ10٪، ويعتقد العدالة والتنمية أن حصوله على 40٪ في أسوأ الأحوال مع قرابة 10٪ من الحركة القومية، ربما يضمن له تجاوز حاجز الـ50٪ والفوز المريح بالانتخابات.
وفي وقت سابق، تحدثت وسائل إعلام تركية عن إمكانية أن يطرح أردوغان على زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشيلي منصب نائب الرئيس في النظام الرئاسي الذي سيطبق عقب الانتخابات، وهو ما لم تؤكده مصادر رسمية في الحزبين، ولم يستبعده المحللون الأتراك.