إسطنبول – “القدس العربي”: بمناسبة الاحتفال بـ”يوم أوروبا”، الأحد، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن بلاده ما تزال تتطلع إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، وهو ما فتح الباب مجدداً أمام النقاش حول ما إن كانت هناك أي فرص حقيقية متبقية لهذا الطرح الذي يأتي في ظل خلافات عميقة تصاعدت بين أنقرة وبروكسل في الأشهر الأخيرة بعد عقود من المماطلة والخلافات بين الجانبين منعت تحقيق الهدف الأكبر المتمثل بضم تركيا للاتحاد.
وقال أردوغان إن “العائق الأكبر أمام تحول الاتحاد الأوروبي إلى لاعب عالمي قوي هو افتقاره للصبر والرؤية الاستراتيجية”، ولفت إلى أن الاتحاد الأوروبي “بحاجة إلى هيكلية مؤسسية جديدة (ناجعة)، ومراجعة آليات اتخاذ القرار في الاتحاد على وجه الخصوص والحاجة إلى رؤية وخطاب جديدين”، مضيفاً: “من الواضح جدا أن الاتحاد الأوروبي لن يستطيع مواصلة وجوده بشكل قوي دون مساهمة ودعم من بلادنا”.
وتابع أردوغان: “تركيا متمسكة بهدفها الاستراتيجي المتمثل في عضوية الاتحاد الأوروبي رغم العراقيل وازدواجية المعايير التي تواجهها”، وأكد أن تركيا التي تعد جزءا من أوروبا تاريخيا وجغرافيا، مستعدة لفعل ما يترتب عليها فيما يتعلق بالمساهمة في حل المشاكل التي تعترض الاتحاد وزيادة فاعليته، لكنه أشار إلى أن “الاتحاد الأوروبي لم يف بوعوده لتركيا في إطار مسيرتها نحو العضوية التامة في الاتحاد، ووضع العراقيل في هذا الإطار”، متمنياً أن تتخلص أوروبا من “العمى الاستراتيجي”.
وبعيداً عن التصريحات التي يبدو أنها أخذت طابعاً تقييمياً شاملاً يتعلق بالتأكيد على الرؤية الاستراتيجية لتركيا وتأكيدها على أنها ما زالت تتمسك برؤيتها العميقة للانضمام للاتحاد وترغب في تقديم خطوات أكبر على هذا الطريق، إلا أن الواقع لا يؤشر إلى إمكانية حصول أي اختراق في هذا الإطار على المدى القصير أو حتى على المدى المتوسط.
فملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي عالق منذ عقود دون أي يحصل أي تقدم حقيقي في مرحلة من المراحل يؤشر إلى أن أنقرة اقتربت بالفعل من الانضمام الكامل للاتحاد، حيث كانت على الدوام خطوات بناء الثقة وتلبية شروط الاتحاد تتقدم في بعض الملفات وسرعات ما تتدهور في ملفات أخرى.
ومع تصاعد وتراجع الخلافات بين عام وآخر يبقى التقييم الجوهري القائم بين أطراف قوية في الجانبين والقائم على قناعة أن الاتحاد الأوروبي لن يقبل بتركيا دولة كاملة العضوية تحت أي ظرف من الظروف وأن ما يحصل هو محاولة للتعاون واحتواء الخلافات، حيث أن الكثير من الدول الأوروبية لا تخفي رفضها المطلق والتام لضم تركيا للاتحاد لأسباب مختلفة لا يتردد بعض السياسيين الأوروبيين في التأكيد على أن أبرزها يتمثل في أن تركيا دولة مسلمة وأن ضم دولة تحتوي على أكثر من 80 مليون مواطن مسلم إلى الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يغير التركيبة الديموغرافية والسياسية وموازين القوى داخل الاتحاد.
وبغض النظر عن النوايا العميقة، فإن الخلافات المباشرة لم تهدأ منذ سنوات بين تركيا والاتحاد الأوروبي وعلى العكس تصاعدت بشكل كبير جداً في الأشهر الأخيرة، وشهدت العلاقات مؤخراً سلسلة من الأزمات كان أبرزها ملف شرق المتوسط والذي وصل حد التهديد والوعيد وفرض العقوبات، بعد أن كاد يحصل اشتباك عسكري بين تركيا وجيوش دول أوروبية أبرزها اليونان وفرنسا في شرق المتوسط.
وإلى جانب ذلك، تصاعدت خلافات أخرى تتعلق بملف اللاجئين ولوحت أنقرة بإلغاء الاتفاق الموقع بين الجانبين وفتحت الحدود على أوروبا أمام اللاجئين، قبل أن تتفجر “أزمة الكرسي” مع رئيسة المفوضية الأوروبية التي كانت تزور أنقرة لمحاولة احتواء التوتر فتحولت إلى نافذة جديدة لتراشق الاتهامات، إلى جانب حزمة كبيرة من الخلافات سواء على صعيد قيادة الاتحاد أو مع دول أوروبية مختلفة.
وتعمقت الخلافات أيضاً مثل العمليات العسكرية للجيش التركي في سوريا والعراق وليبيا بشكل خاص، قبل أن يعارض الاتحاد الدعم العسكري الذي قدمته تركيا إلى أذربيجان لتحرير إقليم قره باغ، إلى جانب الخلافات المتعلقة باتهامات تركيا لدول أوروبية بالضغط على الجاليات الإسلامية والتركية بشكل خاص وتزايد نسب العنصرية والإسلاموفوبيا.
هذا الكم الكبير من الخلافات، أوصل العلاقات بين أنقرة وبروكسل إلى حافة الهاوية، وإلى جانب خطر الصدام العسكري الذي حصل في شرق المتوسط، فرض الاتحاد عقوبات تحذيرية ولوح بعقوبات كبيرة وصلت حد التلويح بتجميد العمل باتفاقية الاتحاد الجمركي التي تعتبر أبرز روابط الاتفاق بين الجانبين ومنظما كبيرا للعلاقات لما للاتفاقية من أهمية للجانبين تدفعهما دائماً لتجنب التصعيد والمساس بها لتجنب الوصول إلى نقطة اللا رجعة في العلاقات.
ولاحتواء هذا التصعيد، جرت سلسلة من الاتصالات الثنائية وجرى خفض التصعيد بشكل لافت عقب اتصالات ألمانية قوية نجحت في ضبط التوتر شرق المتوسط وفتح الباب أمام المباحثات الاستكشافية بين أنقرة وأثينا، وجرى خفض التوتر ولو جزئياً مع فرنسا عقب اتصال بين أردوغان وماكرون، كما جرى عقد لقاءات وقمم افتراضية ومناقشة ضبط الخلافات المتعلقة بملف اليونان وفرنسا وشرق المتوسط واللاجئين والعلاقات الثنائية وغيرها.
كل هذه الجهود يمكن وضعها في إطار “خفض التصعيد” ومساعي الطرفين لإبقاء العلاقات في إطارها الطبيعي، وبلغة أخرى يمكن اعتبارها سياسة “إدارة الخلافات” والتركيز على نقاط الاتفاق بدلاً من ملفات الخلاف العميقة والكبيرة، لكن من الصعب جداً وضعها في سياق أنها تؤسس لتقدم كبير في ملف عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي أو الحديث عن إمكانية اقتراب تركيا من الانضمام للاتحاد الذي ما زال أمراً غير وارد على الإطلاق في الأمد المنظور.