إسطنبول- “القدس العربي”:
في خضم حملة انتخابية محمومة تزداد حدّتها بين التحالف الحاكم في تركيا بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان وائتلاف المعارضة بزعامة كمال قليجدار أوغلو قبيل أقل من أسبوعين على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرر إجراؤها في الرابع عشر من مايو/ أيار الجاري، أعلن أردوغان الثلاثاء اكتشاف احتياطي نفطي جديد كبير في البلاد بطاقة إنتاجية يومية تقدر بمائة ألف برميل.
وقال أردوغان الثلاثاء خلال مهرجان انتخابي في مدينة قونية وسط البلاد إن الاحتياطي الجديد يشكل حدثا تاريخيا لأنه سيعزز استقلال الطاقة لتركيا. مثل هذا الاكتشاف النفطي سيُساعد طموحات تركيا لتحقيق الاستقلال في مجال الطاقة وفق ما قاله وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي فاتح دونماز.
وجاء الإعلان عن الاكتشاف النفطي بعد أيام من بدء تركيا استخراج الغاز المكتشف قرب السواحل التركية في البحر الأسود. ويُعول أردوغان على الاكتشاف النفطي وبدء استخراج الغاز إلى جانب افتتاح محطة أكويو النووية التي ستزود تركيا بنحو عشرة في المئة من احتياجاتها من الطاقة الكهربائية، على تعزيز أمن إمدادات الطاقة لدى تركيا وتقليص فاتورة استيرادها المرتفعة للطاقة من الخارج.
تعتمد تركيا بشكل أساسي على الخارج في تلبية احتياجاتها من الطاقة وتستورد ما يقرب من سبعين في المئة منها. في العام الماضي وحده، وصلت فاتورة استيراد النفط والغاز الطبيعي من الخارج إلى 95 مليار دولار أمريكي، وهو ما يعمل على استنزاف احتياطات تركيا من النقد الأجنبي. وبلغ إنتاج تركيا من النفط، حتى نهاية العام الماضي 2022 نحو 62 ألف برميل نفط يوميا، بعد زيادة الإنتاج في ولايتي باتمان وديار بكر.
لكنّ تزامن الإعلان عن الاكتشاف النفطي الجديد في قونية وإتمام مشاريع أخرى مرتبطة بالطاقة في الأسابيع القليلة الماضية مع الانتخابات يُشير إلى محاولة أردوغان الاستفادة منها من أجل تعزيز قاعدة الدعم الانتخابية لتحالفه الحاكم في وقت يواجه فيه أصعب منافسة انتخابية على الإطلاق منذ وصوله إلى السلطة قبل عقدين من الزمن. فمع احتدام المنافسة الانتخابية مع أحزاب المعارضة، التي توحّدت بشكل غير مسبوق رغم اختلافاتها الأيديولوجية، خلف زعيمها كمال قليجدار أوغلو بهدف هزيمة أردوغان، يُركز الأخير في حملته الانتخابية على المشاريع الكبيرة الضخمة التي أنجزتها حكومته في السنوات الأخيرة.
غير أن المعارضة التركية لا تسعى للتقليل من أهمية هذه المشاريع فحسب، بل ذهب بعض قادتها إلى حد التشكيك بها. عندما دشن أردوغان بدء عملية استخراج الغاز من البحر الأسود في العشرين من أبريل/ نيسان الماضي، اتهمت زعيمة حزب الجيد القومي المنخرط في ائتلاف المعارضة السداسي ميرال أكشنار الحكومة بـ”الكذب”، وقالت إنها تأمل أن لا يكون الغاز المستخرج “خدمة من بوتين” لأردوغان قبل الانتخابات. لا يوجد ما يدعم صحة مزاعم أكشنار لكنّ ائتلاف المعارضة الرئيسي يُحاول أن يُقلل من الفوائد الانتخابية التي يُمكن أن يحصل عليها أردوغان من وراء استعراض المشاريع الضخمة في مجال الطاقة وفي مجالات أخرى كالصناعات الدفاعية.
يخوض أردوغان انتخابات 14 مايو في تحالف يضم حزب الحركة القومية وأربعة أحزاب صغيرة أخرى هي حزب الرفاه المحافظ وحزب الدعوة الحرة الكردي المحافظ وحزب الاتحاد الكبير وحزب اليسار الديمقراطي.
أما قليجدار أوغلو، الذي يتزعم حزب الشعب الجمهوري العلماني المعارض، فيقود تحالفاً يضم خمسة أحزاب أخرى هي حزب الجيد القومي وحزبا المستقبل والديمقراطية والتقدم، اللذين يقودهما كل من رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو ووزير الاقتصاد السابق علي باباجان، وكلاهما انشقا عن حزب العدالة والتنمية الحاكم قبل سنوات، فضلاً عن الحزب الديمقراطي. كما حصل قليجدار أوغلو على دعم تحالف العمل والحرية الذي يقوده حزب الشعوب الديمقراطي الكردي.
وإلى جانب أردوغان وقليجدار أوغلو، يخوض المنافسة الرئاسية زعيم حزب البلد محرم إينجه، الذي انشق عن حزب الشعب الجمهوري بعد الانتخابات الرئاسية التي خسرها أمام أردوغان في عام 2018، وسنان أوغان عن تحالف الأجداد الذي يضم عدداً من الأحزاب القومية اليمينية الصغيرة.
لا يزال من غير المُمكن تقدير مدى تأثير استعراض مثل هذه المشاريع الضخمة على الناخب التركي وخياراته لا سيما أن الوضع الاقتصادي الذي يواجه صعوبات منذ سنوات ساهم في تراجع شعبية أردوغان في السنوات الأخيرة، لكنّ الكاتب والمحلل السياسي التركي عمور كوش يقول لـ”القدس العربي” إن استعراض مثل هذه المشاريع الضخمة “يساعد الرئيس على جذب قسم لا بأس به من الناخبين والقاعدة الانتخابية العامة”.
بيد أن كوش يؤكد على “وجود عوامل كثيرة مؤثرة في السلوك الانتخابي المتوقع للناخب على رأسها العامل الاقتصادي والمعيشي الذي يضغط على الطبقتين المتوسطة والفقيرة وأدت إلى تذمر لديها من السياسات الاقتصادية المتبعة في السنوات الأخيرة”.
ستُجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل مزدوج في الرابع عشر من مايو/ أيار المقبل، لكنّ معظم استطلاعات الرأي المستقلة تتوقع أن لا يتمكن أيا من أردوغان أو منافسه الرئاسي في المعارضة كمال قليجدار أوغلو من حسم المنافسة في الجولة الأولى، وهو ما يُرجح فرضية إجراء جولة إعادة للانتخابات الرئاسية في الثامن والعشرين من الشهر نفسه. على العكس من ذلك، فإنه في الرابع عشر من الشهر الجاري، سيتحدد ما إذا كان تحالف الجمهور الحاكم أو تحالف الأمة المعارضة سيحصل على غالبية برلمانية.