إسطنبول- “القدس العربي” : من المقرر أن يلتقي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في أستانا، الخميس، وذلك في أحدث جولة من المباحثات المكثفة التي يجريها كبار المسؤولين الأتراك مع نظرائهم الروس والأوكرانيين في محاولة للتوسط لوقف الحرب المتصاعدة بين البلدين، خشية من ازلاقها إلى مواجهة أوسع مع دول أخرى أو وقوع كارثة نووية، نتيجة الاشتباكات المتواصلة في محيط محطة زابوريجيا النووية.
تسعى تركيا لإعادة طرفي الحرب إلى طاولة المفاوضات وهي مهمة لا تبدو مستحيلة مقارنة بانعدام أي تصورات أو سيناريوهات لطبيعة أي اتفاق سياسي يمكن أن يقبل به الطرفان
وبدرجة أساسية تسعى تركيا لإعادة طرفي الحرب إلى طاولة المفاوضات وهي مهمة لا تبدو مستحيلة مقارنة بانعدام أي تصورات أو سيناريوهات لطبيعة أي اتفاق سياسي يمكن أن يقبل به الطرفان لوقف الحرب، وبالتالي يعتقد أن أنقرة التي تعلم جيداً هذه التعقيدات تسعى لاتفاقيات مرحلية أو جزئية يمكن أن تساهم في خفض وتيرة الحرب ومنع توسعها بشكل أخطر وتحقيق اتفاقيات جزئية حول الحبوب وتبادل الأسرى وممرات إنسانية وغيرها، في ظل استحالة الحديث حالياً عن اتفاق سياسي نهائي.
ومن أبرز الملفات التي تعمل عليها الدبلوماسية التركية في هذه المرحلة تمديد العمل باتفاقية الحبوب، التي طبقت ونفذت برعاية تركية، وعقد مزيد من اتفاقيات تبادل الأسرى بين الجانبين على غرار الاتفاق الأخير، بالإضافة إلى الملف الأهم المتعلق بالتوصل إلى إقامة منطقة عازلة في محيط زابوريجيا النووية، التي تتواصل الاشتباكات في محيطها.
والثلاثاء، قال المتحدث الرسمي باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن بوتين سوف يلتقي أردوغان، الخميس في أستانا. وأوضح أن “الاجتماع سوف يتطرق إلى أوكرانيا والعلاقات الثنائية متعددة الأوجه للغاية”، وبصفة عامة سوف يتم “تبادل وجهات النظر حول الشؤون الجارية”، إذ يشارك الرئيسان في قمة التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا بعد أسابيع قليلة من مشاركتهما في قمة “شنغهاي”، التي انعقدت في كازاخستان، وعقب أيام من اتصال هاتفي جرى بينهما أيضاً ركز على بحث التطورات المتعلقة بالحرب في أوكرانيا.
والثلاثاء، دعا وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو إلى وقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا في أقرب وقت ممكن، وقال في مقابلة تلفزيونية: “يجب التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أقرب وقت ممكن. كلما تم ذلك في موعد أقرب، كان أفضل”، مضيفاً: “للأسف، ابتعد (الطرفان) بسرعة عن المسار الدبلوماسي.. مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، يزداد الوضع سوءا وتعقيدا للأسف”.
ودعا الوزير التركي إلى تحقيق “سلام عادل يقوم على أساس وحدة أراضي أوكرانيا”، قائلًا: “يجب أن تحصل أوكرانيا على سلام عادل. أين تجري الحرب؟ تجري على الأراضي الأوكرانية”، وتابع: “يجب أن تبدأ عملية تضمن حدود أوكرانيا وسلامة أراضيها. بدون وقف إطلاق النار، لا يمكن الحديث عن هذه القضايا بطريقة صحية: وقف إطلاق نار قابل للتطبيق وسلام عادل”.
من جهته، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الثلاثاء، إن موسكو منفتحة على المحادثات مع الغرب بشأن حرب أوكرانيا لكنها لم تتلق بعد أي اقتراح جاد للتفاوض، مشيراً إلى أن روسيا على استعداد لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة أو تركيا بشأن سبل إنهاء الحرب التي اندلعت قبل ثمانية أشهر، مكذباً تقارير أمريكية عن رفض موسكو الحوار. وأبدى استعداد بلاده لعقد مباحثات بين بوتين والرئيس الأمريكي جو بايدن على هامش قمة العشرين المقررة منتصف الشهر المقبل في إندونيسيا.
وتعليقا على احتمال أن تستضيف تركيا محادثات بين روسيا والغرب، قال لافروف إن موسكو ستكون على استعداد للاستماع إلى أي اقتراحات، لكنها لا تستطيع أن تقول مسبقا ما إن كان ذلك سيؤدي إلى نتائج. وأضاف أن الرئيس التركي ستُتاح له الفرصة لتقديم مقترحات إلى الرئيس الروسي عندما يزور كلاهما كازاخستان هذا الأسبوع.
والسبت، قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن إن الجانب الأوكراني ينظر بإيجابية لتمديد العمل باتفاق إسطنبول الخاص بشحن الحبوب في حين أن روسيا لديها بعض المخاوف بشأن شحن منتجاتها الزراعية والأسمدة، مشيراً إلى أن أردوغان وبوتين يتباحثان بشأن تمديد العمل بالاتفاقية.
منذ بدء الحرب بين روسيا وأوكرانيا قبل نحو سبعة أشهر، اتخذت تركيا مساراً دبلوماسياً معقداً يتمثل في الحفاظ على توازن كبير في المواقف بين البلدين
وفيما يتعلق بالمفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، أشار قالن إلى توقف المفاوضات بين الجانبين بسبب ضم روسيا لأراضي أوكرانية جديدة، لافتاً إلى تفهم تركيا لحق الأوكرانيين بالدفاع عن أراضيهم، لكن يتعين عليهم أيضا إيجاد طريق لمواصلة المفاوضات إلى جانب ذلك، لافتاً إلى أهمية تجنب وقوع حرب نووية.
وأضاف قالن أن الجانبين سيعودان إلى طاولة المفاوضات، لكن هناك علامة استفهام حول توقيت ذلك، مشيرا إلى أن استمرار الحرب سيخلق أضرارا كبيرة بالجانبين إلى حين الجلوس على طاولة المفاوضات، وتابع: “ما نفهمه هو أن الرئيس بوتين يريد عقد صفقة كبرى جديدة مع الغرب، يتعلق جزء منها بأوكرانيا، لكن القضية الأساسية هي صفقة جديدة بين روسيا والعالم الغربي.. هناك روسيا جديدة وعالم جديد منذ انتهاء الحرب الباردة، روسيا تريد التفاوض على الواقع الجديد”.
ومنذ بدء الحرب بين روسيا وأوكرانيا قبل نحو سبعة أشهر، اتخذت تركيا مساراً دبلوماسياً معقداً يتمثل في الحفاظ على توازن كبير في المواقف بين البلدين، وبالفعل نجحت الدبلوماسية التركية في عدم ارتكاب أي أخطاء يمكن أن تصنفها على أن تدعم بلداً دون آخر وذلك على الرغم من إمداد أوكرانيا بالطائرات المسيرة المسلحة من طراز بيرقدار والتي أوجعت الجيش الروسي بضرباتها المركزة والقاتلة.
استغلت تركيا موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي للتأكيد على أهميتها وحيويتها لكافة أطراف النزاع
ورغم مدها أوكرانيا بالطائرات وتنديدها بالهجوم الروسي وإعلانها دعمها لوحدة الأراضي الأوكرانية والتنديد باستفتاءات الضم التي تجريها روسيا، إلا أنها اتخذت مواقف مضادة أخرى من قبيل “تفهم الاحتياجات الأمنية الروسية” ورفضها “الاستفزازات الغربية لروسيا” وموقفها المتزن من تطبيق بنود اتفاق مونترو المتعلق بالمرور عبر الممرات البحرية التركية وصولاً إلى رفضها المشاركة في العقوبات الغربية على روسيا.
وإلى جانب موقفها “المتزن” استغلت تركيا موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي للتأكيد على أهميتها وحيويتها لكافة الأطراف وهو ما منع بموجبه طرفي النزاع من التسرع والدخول في أي صدام معها خشية خسارة المكتسبات، التي يتيحها الإبقاء على قنوات الاتصال السياسية والعسكرية والاقتصادية مع تركيا، التي تلعب دوراً حيوياً لموسكو وكييف في الوقت ذاته.