لندن – «القدس العربي»: للكوميديا رخصتها الخاصة، حيث يمكن عبر الكوميديا والضحك تمرير النقد اللاذع الذي قد لا يمكن تمريره عبر أنماط سينمائية أخرى، خاصة إن كان هذا النقد يمس حساسيات اقتصادية واجتماعية ودينية وطائفية لمجتمع مثل المجتمع اللبناني. للكوميديا سحرها الخاص وخفتها التي تدخل البهجة إلى القلب، فيمكن من خلالها قول ما يصعب قوله بصورة أخرى.
للكوميديا أيضا القدرة على تجاوز الصدام، فهي رغم تناولها لمواضيع قد يصعب التطرق لها بصور سينمائية أخرى، إلا أننا نبتلع الحديث عن قضايا شائكة إن كان مغلفا بطبقة من الضحك. وكانت الكوميديا هي خيار المخرجة اللبنانية ميرا شعيب في فيلمها «أرزة»، الذي تدور أحداثه حول سرقة دراجة نارية، ورحلة البحث عنها، وهي رحلة ليست باليسيرة، تراوغ طريقها عبر العديد من التعقيدات الطائفية والسياسية للمجتمع اللبناني. قد يخال البعض أن الدراجة النارية المسروقة من طراز فاره باهظ الثمن، مثل هارلي ديفيدسون على سبيل المثال، ولكنها في الواقع مجرد آلة بسيطة على غرار تلك التي يستخدمها عمال التوصيل لتوصيل الأطعمة إلى المنازل. هذه الدراجة النارية البسيطة هي معقد آمال أسرة بأسرها، يمكن القول إنها محور آمال الأسرة لكسب بعض المال لتعتاش منه، وإن فقدها أو سرقتها يعني حدوث صدوع كبيرة في تلك الأسرة الصغيرة، صدوع قد تهدم علاقات أخوة وصلات حب وتنذر بدمار مشروع تعتاش الأسرة من دخله.
تدور أحداث الفيلم حول أرزة (دياموند بو عبود)، وهي امرأة مكافحة وأم لصبي على أعتاب الشباب، وهي عائل أسرتها ومصدر دخلها. تعد أرزة مخبوزات شهية في منزلها لتبيعها وتوصلها لمنازل من طلبوها. وهي تعلم أنها لو تمكنت من شراء دراجة نارية بسيطة، أو سكوتر، فإن هذا سيعني وصول منتجاتها إلى من طلبوها بصورة أسرع، وبالتالي يمكنها أن تحقق مبيعات أكبر ودخلا أكبر للأسرة.
تضع أرزة مدخراتها القليلة، وسواراً هو كل ما تبقى من ذكريات شقيقتها عن زوجها، الذي فقد في الحرب منذ أعوام طويلة، لدفع مقدم شراء تلك الدراجة حتى يقودها ابنها كنان (بلال الحموي) ليوصل بها طلبات الزبائن. كنان من جيل آخر أصغر سنا، يرى العيش في لبنان أمرا عسيرا ويسعى جاهدا للفرار إلى أوروبا، سعيا وراء حياة أفضل. لكن الفيلم لا يصور تعقيدات هذه الأسرة بقتامة، أو بصورة وعظية أو صدامية. نحب هذه الأسرة التي نكاد أن نشم ونتذوق مخبوزاتها الشهية عبر الشاشة، ويبهجنا بيتها الدافئ الطيب وأحاديثها اللطيفة. نرى الابتسامة المرحبة البشوشة على وجه أرزة وهي تحدث ابنها أو شقيقتها، وهي تأمل بغد أفضل لمشروعها المنزلي الصغير. قد نتوقع أن تزول هذه الابتسامة البشوشة حين تسرق الدراجة النارية، لكن هذه النظرة المتفائلة، رغم الصعاب والابتسامة في مواجهة تعقيدات الحياة في البلاد يبقيان هما سبيل أرزة حتى في أحلك لحظات حياتها، حتى وهي تراوغ لتجد مسلكا للعثور على الدراجة المسروقة وسط التعقيدات الطائفية للبنان. في رحلتها للبحث عن الدراجة المسروقة تواجه أرزة الفئات المختلفة للمجتمع اللبناني ببنائه المعقد بابتسامة دافئة، وبقطعة شهية من مخبوزاتها، وبتغيير ثيابها لتتناسب مع طبيعة الفئة التي تنوي الحديث معها.
ربما تحاول المخرجة ميرا شعيب القول، إن الحل لأزمات مجتمعها القابل للانفجار الطائفي، هو البحث عن القواسم المشتركة لهذا المجتمع. والحل الذي تجده أرزة، بكل ما يحمله اسمها من رمزية، هو أن هذا المجتمع بفئاته المختلفة يحب الطعام الشهي ولا يستطيع التجهم في وجه مخبوزة لذيذة صُنعت بحب. يصبح الملاذ والمخرج من أزمة تلك الأسرة هو لم شمل المجتمع اللبناني حول ما يحب، وهو مخبوزة شهية أُعدت بسخاء وحب في المنزل.
تتناول المخرجة أيضا العلاقات الأسرية والعلاقات بين الأجيال في لبنان. تختلف أرزة، على سبيل المثال، عن شقيقتها في أسلوب تعاملها مع أزمة العيش في المجتمع اللبناني وما شهده من ويلات. فبينما تخرج أرزة إلى المجتمع لتعيش وتتعايش ولتبحث عن حياة أفضل، تفضل شقيقتها العزلة والاحتماء بالمنزل الذي لم تبرحه منذ سنوات، والعيش على ذكريات حبيب غيبته الحرب منذ سنوات. وللابن كنان نهج آخر تماما، فهو يحاول أن يجمع من المال ما يكفيه للخروج من لبنان إلى أوروبا، التي يعتقد أنه سيجد فيها حياة أفضل. وتبقى القوة الحقيقية للفيلم في خفته، التي تمكنه من التعامل مع القضايا الشائكة دون صدامية أو تصادمية، وفي قدرته على إشاعة البهجة، رغم تعامله مع موضع شائك معقد مثل التشابكات الطبقية والطائفية للمجتمع اللبناني. نتابع أرزة في رحلتها عبر المناطق الشيعية، والمارونية والسنية في بيروت، بحثا عن الدراجة النارية، ونخبر المجتمع اللبناني وتشابكاته، وتوجه المخرجة نظرتها الفاحصة لهذا المجتمع علها تجد لمشاكله حلا.
