لطيفة اغبارية رنّ هاتف الشيخ يوسف الباز من اللد، ظَهَر على الشاشة رقم لا يعرفه، وضع الهاتف قرب أذنه وجاءه صوت من الطرف الآخر: ‘أنا عضو الكنيست أنستاسيا ميخائيلي بشخصي الكريم أكلّمك وأطلب مقابلتك’، فردّ عليها : ‘وأنا الشيخ يوسف الباز بشخصي الكريم لا أجد أي رغبة في مقابلتك’. كانت هذه انستاسيا ميخائيلي عضو الكنيست المتطرفة من حزب ‘إسرائيل بيتنا’، التي دعت لإسكات صوت الأذان من خلال قانون في الكنيست. وقد تكون جولتها القادمة لكنيسة البشارة في الناصرة، بحجة أنّ قرع الأجراس يؤذي أذنيها. كنت متوجّهة إلى يافا ‘أرض البرتقال الحزين’ عندما وصلتني رسالة نصيّة على هاتفي تطلب مني دخول صفحة التواصل الاجتماعي ‘الفيسبوك’ لهذه المتطرّفة، وأن أشارك في غزو صفحتها بصوت الأذان في حملة لمواجهتها، فهي تسعى لمنع صوت الأذان عبر مكبّرات الصوت لأنه يزعجها، وبوقاحة تقوم بجولات مكوكيّة لبعض البلدات العربية لإقناع المسؤولين بهدفها ‘السّامي’، فيكون الرد عموما كما رد الشيخ يوسف الباز.البرتقال الحبيب’البرتقال شيء حبيب..هذه الثمرات الكبيرة النظيفة عزيزة علينا’. أكملت مشواري إلى يافا. تبادلت وصديقتي، وشقيقتي التي تدرس ‘الطبّ’، حديثنا عن أهمية وفوائد الأسماك في الوقاية من الإصابة بمرض الكوليسترول ‘السيئ’ وهو المسبب الأهمّ للنوبات القلبية، شقيقتي تجيد تشريح الجثث، والاهتمام بكل التفاصيل الدقيقة في جسم الإنسان من الشرايين والأوردة، ما يساعد في توسيعها، وما يسبب في تصلّبها، أو انسدادها التّام، الذي قد يؤدي لعملية القلب المفتوح، وفي أسوأ الحالات الوفاة. وأنا بعكسها تماما، أحاول إعادة ترميم خلايا الأنسجة والعظام المشتّتة عبر وخزات من إبر الكلمات، وتحويلها الى قوالب خاصة تتلاءم وأهوائي المنسجمة في تلك اللحظات مع حجارة وأرصفة يافا، وماذا مع البرتقال؟ لماذا تتحاوران فقط عن موضوع الشرايين المتصلّبة، والأسماك وفوائدها الصحية! رائحة الأسماك القادمة من البحر والممزوجة مع الرمال المبتلّة، ومع برودة الجو لها مذاق خاص، ولكنني أفتقد لرائحة البرتقال، وأعتقد أنّه ضروري لتزويد الجسم بفيتامين سي الذي يساعد في تهدئة المعدة من الغثيان الذي تسببه عنصرية أناستسيا ميخائيلي، التي تصف صوت الأذان ‘بالوقاحة’، بينما تمضي في وقاحتها في استفزاز المواطنين، والتقاط صور لها بجانب المساجد، في نطاق حملتها العنصرية، وإقناع المسؤولين فيها عن أهمية القانون الذي طرحته على طاولة البحث. فتوجهّت لقرية جسر الزرقاء، والفريديس، جنوب حيفا، المحاذية للطنطورة والصرفند، وجبع، إجزم، زمارين، أم الزينات، وعين غزال، طيرة حيفا، وغيرها من القرى التي هُجّر سكانها وذووها الأصليّون إلى شتى جهات الريح… ذاكرة وعِظامقلت لهما: ‘إنّ أهم فائدة للأسماك حسب رأيي هو الفوسفور الذي يقوي ذاكرة الإنسان، ويساعد في تقوية وبناء العظام، وهو موجود بكثرة في السردين، وهذا نحتاجه في زمن الخرف والهذيان لما نشاهده من تحولات عجيبة غريبة في هذا العالم، وفي زمن أصبحت لغة السياط والكرباج مهيمنة، وأبطاله الشبيحة والبلطجية، والأقزام المتسلّقون. لا أؤمن أنّ السمك والفواكه البحريّة وحدها كافية للوقاية من ضغط الدم العالي، والكوليسترول ‘السيئ’ الذي يؤدي لنوبات قلبية. المتظاهرون رفعوا في أرض البرتقال، تحديدا في ساحة الحناطير، اللافتات التي تطالب ببقاء صوت الأذان عاليا، وبإخراس صوت العنصريين الفاشيين. شعرت بصوت غسان كنفاني ما زال كما لو أنّه لم يغيّب. ليمون جافأخيرا.. أخيرا .. وصلنا للمطعم المنتصب بين الأزقة والحجارة العتيقة، تناولنا السمك، يتقدّم الشاب الأسمر عريض المنكبين، معتذرا لنا عن وضع الليمون الجافّ والبائس. لأنّ الأمطار لم تهطل، رغم الرياح الباردة. ‘حتىّ في أرض البرتقال’ الليمون جافّ’، أمر غريب . وسرعان ما تذكّرت جارتنا أم عبد الله التي سألتها قبل أيام عن سّر وجود شجرة البرتقال أمام منزلها التي غرستها منذ عشرات السنين، مثمرة بحبّات البرتقال، ولم يتسلّل إليها الأطفال للآن كما اعتدنا، فقالت إنّ أبناءها أهملوا الشجرة التي تحتاج إلى سماد ورعاية خاصة، والبرتقال لم يعُد الفاكهة المُغرية على ما يبدو. لم يكن تعليلها كافيا برأيي. لكنّها صادقة، فالقشور رقيقة جافة، وفيها طعم مرّ، حتى لونها تغيّر.. وصلت لقناعة بأنّ الليمون والبرتقال أهمّ من السمك، ولا يمكن أكل السمك بدون الحامض. الحمد لله .. ويا ربّ اسقنا الغيث، كي تكبر أشجار الحمضيات، وتقوى عظامنا، لنتغلّب على غثيان العنصريّة، وهشاشة العظام، لكي نبقى منتصبي القامة، مرفوعي الهامة كمئذنة الجامع الأبيض في يافا، وننتصر على فاشية أنستاسيا وجوقتها. ‘ كاتبة وصحافيةمن فلسطين[email protected]