أرنولد شونبرغ
ينطلق الإنسان في محاولة فهمه للعالم بصفته مركزاً لهذا الوجود، ويذهب واثقاً بحريته وإرادته إلى حصر كل ما يحيط به وتحويله إلى أدوات تخدم هذا الوجود وتؤكده، بمعنى أن إرادة الإنسان تتناول الظواهر كلها كتأويلات تضمن تموضعه المركزي في هذا الوجود، وربما تقع هذه الرؤية في دائرة ما يمكن وصفه بالحتمي؛ فنحن محكومون بتناول هذا العالم وتفسيره، لكن الإشكالي في هذه الرؤية ـ وقد يحدث هذا بشكل عبثي أو هامشي ـ أنها تُحيل الإنسان إلى مركز مُطلق ووحيد لهذا الوجود، كما أنها تنطوي على قدرٍ كبير من التعسف، ما يحدث ارتباكاً في فعل التلقي.
وجودياً من الجيد أن نتلقى العالم بوصفه مجموعة من الظواهر غير المُنجزة، لكن الأكثر أهميةً لاكتمال فعل التلقي، أن نتناول أنفسنا أيضاً كإحدى هذه الظواهر، فالإنسان حسب ميشيل فوكو «كائن تجريبي ومحدود تاريخياً».
إن تلقي العالم بذريعة أن غايته الوحيدة تتمحور حول إثبات شرعية الإنسان ومعناه، ينطوي على الكثير من السلطة – التي ستخلق بدورها الكثير من التأويلات المُلتبسة والمتحيّزة – كما أنه سيُحدث قطعاً سياقياً باكتمال العلاقة بين الإنسان والعالم.
إن إحداث حالة من الانزياح في مركزية الإنسان، وتحويله أيضاً إلى ظاهرة غير مُنجزة يَخلقُ نسقاً أكثر صفاءً في التلقي، قد يبدو هذا متعارضاً مع فكرة (الإرادة والحرية) التي تُشكل جوهر الإنسان، لكنه أيضاً يلتئم مع فكرة أن هذه الإرادة ومُنجزها كله ستصبح في لحظة ما جزءاً من التاريخ، أي أنها ستصبح في النهاية ظاهرة مع مجموعة الظواهر التي تَقبل التناول والتأويل.
في ظلال هذه المقاربة تُستحضر موسيقى أرنولد شونبرغ، بوصفها الحضور الأكثر تمثيلاً لهذا الانزياح، لقد ارتبط اسم شونبرغ ارتباطاً وثيقاً بالتجديد والابتكار الموسيقي في القرن العشرين، لكن الارتباط الأهم والأكثر جدلاً كان متعلقاً بتطويره تقنية (الاثنتي عشرة نغمة) التي جسدت حالة من الابتكار في مجال عدم توافق الألحان؛ حيث يمكن التلاعب بترتيب جميع العلامات الاثنتي عشرة في السلم الموسيقي، بحيث تخرج الموسيقى من إطارها الهارموني المعهود، لتبدو متناثرة ومُفككة وبلا مَركزٍ يتمحور حوله كل شيء؛ ما يجعلها للوهلة الأولى عصيّة على التلقي وغامضة إلى حد بعيد.
لقد حَطّم شونبرغ ثلاثة قرون ماضية من التآلف النغمي، ولا شك في أن الانزياحات الجوهرية التي أحدثها في مَوضعة الذات أمام العالم، ستظل عائقاً أمام تناول موسيقاه وفهمها؛ هذا الفهم الذي يرتهن وقوعه بالكثير من الانفتاح والتحرر… لحدٍ قد نحتاج فيه لأن نتحرر من ذواتنا، وربما لهذا هي موسيقى عظيمة.
لا شك في أن تناول موسيقى شونبرغ بالشكل النمطي لن يُفضي سوى للمزيد من الالتباس، لأن موسيقاه تنطلق أساساً من تحقق فعل الانزياح في الذات والعالم معاً؛ فهي لا تنبعث من تلك الذات المركزية التي يتحقق الفهم لديها باشتراط تحقق الانسجام الكلي مع العالم، بل من تلك المنطقة القلقة التي لا تجد لها تموضعاً ثابتاً إلا مع الغموض الذي يكتنف العالم برمته، ما يجعلها أكثر شبهاً بالإنسان وتناقضاته، يمكن القول إن موسيقى شونبرغ تنسجم انسجاماً كلياً مع القلق الإنساني بوصفه حالة من التناثر وعدم التوافق. تنفلت موسيقى شونبرغ من رغبتها بتتمة المعنى وإغلاقه، مثل لغة ممتلئة بالثنائيات الضدية، إنها حالة لا تتقصد الانسجام بمقدار ما تتقصد إحباطه، لأنها تدرك أن الالتجاء للمعنى الواحد إنما هو في جوهره فعل استكانة وفشل في الابتكار. وفي تمثيل لحالة الانزياح التي يخلقها شونبرغ تجاه مركزية الذات والتلقي، قدَّم عمله الاستثنائي وبالغ التعقيد ( Erwartung / توقع ) الذي هو كناية عن مونولوغ لمغنية سبرانو واحدة ترافقها أوركسترا كبيرة تسعى للتعبير خلال نصف ساعة من العزف والغناء عن ثانية واحدة فقط من الانتشاء الروحي؛ إن حالة الشك والانزياح في فهم الذات التي يُحدثها شونبرغ هي وحدها التي تستطيع أن تقترح موقفاً كهذا في التعبير ـ المعالجة، ولعل هذا ما جَنح إليه إيغور سترافنسكي – كواحد من أعظم الموسيقيين في القرن العشرين ـ في فترته الأخيرة؛ فبعد أن قدم أعمالاً بالغة الثقة والقوة كأعماله العالمية ذائعة الصيت (باليه طائر النار) و(تروشكا) و(شعائر الربيع) التي تستند إلى أساليب تقليدية لمعلمين كبار مثل، باخ وتشايكوفسكي، عاد لاستخدام تقنية شونبرغ المتنافرة ـ بعد أن رفضها لفترة طويلة – لينجز أعمالاً مرتابة وشديدة الارتباك إذا ما قورنت بكل الإدراك واليقين الذي حملته أعماله السابقة.
شكلت موسيقى شونبرغ على المستوى التاريخي نقطة التحول بين العصر الرومانسي المتأخر، في بدايات القرن العشرين، والموسيقى الحديثة، فهي النواة الحقيقية لكل حالات التجديد في القوالب والرؤية الموسيقية المعاصرة – ربما تجدر الإشارة هنا إلى أنها صُنفت كفنٍ مُنحل إبّان نشأة الحزب النازي في النمسا – بَيْد أن ما يميزها إلى الآن هو مقدرتها على تمثيل الواقع واضطراباته بشكل متجدد، فهي لا تنحى في اتجاه تأكيد قيمة ثابتة للذات أو العالم بمقدار ما تتحرك في الفراغ المُبهم بينهما، كأنها التوصيف الحي للفجوة بين العجز والإرادة، والحياة والموت، لعل فهم موسيقى شونبرغ مقترن بالتحلل من كل ما هو يقيني وثابت، وبالرغبة المخلصة بالإنصات لكل الهمهمات الخافتة التي تختبئ خلف الضجيج المتناثر. غالباً ما تتهم موسيقى شونبرغ بأنها ذهنية وصعبة بشكل مُتعمد؛ وهذا ما عَبّر عنه أدورنو «بالقسوة التي تبني مسارا تراجعياً خاطفاً للأنفاس» إن ما يثير إعجاب أدورنو بشونبرغ هو «مقدرته على التخلي عن كل ما ليس له وظيفة بالعمل الفني، وبالتالي التخلي عن كل ما يتجاوز قانون الكينونة المحض، فما دام العمل الفني لا يمكن أن يكون واقعياً في نهاية المطاف، يجب أن يُمارس حالة من التجاوز على الوجود المبتذل» لهذا نجد في موسيقى شونبرغ مزيجاً لا يضاهى من الفكر والعاطفة والانضباط.
لقد حَطّم شونبرغ ثلاثة قرون ماضية من التآلف النغمي، ولا شك في أن الانزياحات الجوهرية التي أحدثها في مَوضعة الذات أمام العالم، ستظل عائقاً أمام تناول موسيقاه وفهمها؛ هذا الفهم الذي يرتهن وقوعه بالكثير من الانفتاح والتحرر… لحدٍ قد نحتاج فيه لأن نتحرر من ذواتنا، وربما لهذا هي موسيقى عظيمة.
كاتب أردني