«أرواح» السعودية نورة الأحمري… بين الغرام والانتقام

هل «أرواح» رواية أم كتاب؟
سؤالٌ يطرح نفسه على القارئ بمجرد انتهائه من قراءة رواية «أرواح» للكاتبة السعودية نورة بنت سعد الأحمري (جداول للنشر والترجمة والتوزيع). ولعل مبرر طرحه هو أن الكاتبة تتخذ من الرواية ذريعة للكلام عن موضوعات كثيرة، تنتمي إلى حقول معرفية مختلفة، بينها العلمي والغيبي، والعمراني، والفني والنفسي، والتاريخي والترفيهي، وسواها من الحقول. وكأن الكاتبة لم تكتب روايتها إلا لتعرض هذا الكم من المعلومات، التي تُثقل النص الروائي، وتُهدد روائيته، ما سنعمد إلى تفصيله لاحقاً.
في العنوان، لا تنزاح كلمة «أرواح» عما وُضعت له في الأصل، لعدم وجود أي قرينة تثبت ذلك، فيتبادر إلى الذهن أنها تنطوي على مدلول روحي يتخطى الماديات ويسمو عليها. غير أن التوغل في المتن نصيا وحَدَثيا، يجعلنا نكتشف أنها تنطوي على مدلولات أخرى، تنزاح بالمفردة عما وُضعت له في الأصل إلى حد التناقض بين المدلولين العنواني والمتني أحياناً. في المستوى النصي، تتخذ مدلولاً سلبيا بقول الكاتبة/ الراوية: «واكتمل البدر فخرجت علينا أرواح مستذئبة متعطشة للدماء» وتتخذ مدلولاً إيجابيا بقولها: «وحاولت الفتك بأرواح محلقة بيضاء في الحرم المكي». وبذلك، تجاور بين مدلولين اثنين للدال نفسه، في الفقرة نفسها. فتكون الأرواح شريرة مرة، وخيرة مرة أخرى. وفي المستوى الحَدَثي، تقتصر المفردة على المدلول السلبي، ذاك أنَ أرواح الشخوص، على اختلافها، تتردى في مهاوي التيه والفراغ والرذيلة والانتقام.
في المتن، تدور الأحداث في مدينة الدمام السعودية، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وتتناول حياة شريحة من الناس، في ضوء الطفرة النفطية، وما تمخضت عنه من تحولات جذرية في أنماط العيش وسلوكيات الحياة، في فضاءٍ اجتماعي محافظ، تتحكم فيه مناخات من التشدد الديني، والتزمت الاجتماعي، والسعة المالية، ما يترتب عليه ردود فعلٍ مختلفة، تبلغ حدودها القصوى في: الرغبة في الانتقام، والتمرد على القيم السائدة، والانحلال الأخلاقي. وهو ما نراه في سلوكيات شخوص الرواية، فحين يوضع الإنسان بين سندان الكبت ومطرقة المال، قد يأتي من التصرفات بما يخرج عن أفق التوقعات. تنخرط شخوص الرواية في شبكة من العلاقات، الثنائية الطابع، ما يضعنا إزاء مجموعة من الثنائيات المتفاعلة في ما بينها، بين طرَفَي الثنائية الواحدة غالباً، وطرفي ثنائيتين مختلفتين أحياناً. على أن ثمة تفاوت في الحضور النصي بين ثنائية وأخرى، وبذلك، يكون النسيج الروائي حصيلة هذه الحركة المكوكية بين طرفي الثنائية الواحدة، من جهة، وأطراف الثنائيات المختلفة، من جهة ثانية. وحسبنا في هذه القراءة الإضاءة على الثنائيات الثلاث الأكثر أهمية في النسيج الروائي.
ـ الثنائية الأولى طرفاها حنان الموجب وأمل الراهي، الصديقتان الحميمتان، منذ أيام الطفولة وتجاور أسرتيهما في حي العدامة من المدينة. وهما شخصيتان مختلفتان ومتكاملتان في الوقت نفسه. أما الاختلاف فَيُعبر عنه سؤال أمل: «هل نحن نعيش ضمن خرائط تُنبئنا بتفاصيل الأوضاع، أم الخرائط نحن من يقوم برسمها؟» وجواب حنان: «بل نحن من يرسم الخرائط يا حلوتي» ما يدفع إلى الاستنتاج أن أمل مترددة بين التخيير والتسيير، فيما حنان تعتبر أن الإنسان مخير. وتتم ترجمة هذين الموقفين المختلفين إلى وقائع روائية. أما التكامل فينمو بينهما شيئاً فشيئاً، طيلة الرواية، إلى أن يتمظهر في الاتحاد الجسدي بينهما، بدون أن يعني التكامل تكافؤاً في القوة والقدرة على التأثير. فحنان، بحكم شخصيتها وعلاقاتها وامتلاكها المال والنفوذ، هي الحلقة الأقوى في هذه الثنائية، بينما أمل هي الحلقة الأضعف فيها، لذلك، نرى أن حنان تستخدم نفوذها لتوظيف أمل مديرةً للتأمين الصحي في المستشفى الخيري، وتنجذب إليها جنسيا، وتستدرجها إلى حقلها المغناطيسي، وتتدرج علاقتها بها من التحرش اللفظي بقولها: «أنت زوجتي» إلى التحرش العملي حين تطلب إليها أن تشرب عصير الرمان وتسكبه في فمها، والتجرد من ثيابها وخلع الحياء حين تقوم بزيارتها في شقتها الباذخة، إلى الانخراط في علاقة جنسية كاملة، تبدأ على شاطئ الخبر في السيارة، وتُسْتَكْمَلُ في شقة حنان. وفي جميع مراحل هذه العلاقة، تقوم حنان بدور الآمر الناهي، وتقوم أمل بدور المتلقي المنفذ. وتتقاسمان كلتاهما اللذة في إطار من المثلية الجنسية، بدون أن ينفي ذلك انخراط كل منهما في علاقة جنسية طبيعية مع الرجل كلما سنحت الفرصة.
على أن العلاقة بين طرفي الثنائية لا تقتصر على مواقعة اللذات، على أنواعها، بل تتعدى ذلك إلى التعاضد عند الحاجة، ولا يؤثر فيها اكتشاف أمل، بعد ثماني سنوات، أن صديقتها مريضة نفسياً بتعدد الشخصيات والانفصام الهستيري، فهي تدعم صديقتها نفسيا، في ظاهر الأمر، حين يقوم أحمد الساكت بفض عذريتها تصفيةً لحسابٍ قديمٍ بين أسرتيهما. وحنان، في المقابل، تستخدم معرفتها الإلكترونية وعلاقاتها لاكتشاف دور الدكتورعبد المحسن، شقيق أحمد، في التخطيط لابتزاز أمل ماليا، تصفيةً للحساب القديم نفسه. ويكون التمظهر الأخير لهذه العلاقة في الرواية حين تتنكران وتقومان بسرقة أوراق عبد اللطيف، مدير المستشفى المشارك في عملية الابتزاز، من شقته، في إطار التصدي لما يُحاك لهما.

إذا كانت روائية الرواية تتمظهر في هذه الشبكة من العلاقات الثنائية، وتفاعلها في ما بينها، على المستويين الداخلي والخارجي، فإن إغراق هذه الشبكة في الاستطرادات الكثيرة في موضوعات مختلفة، بسبب وبدون سبب، أطاح بهذه الروائية أو كاد يفعل ذلك.

ولعل استسهال كل من حنان وأمل التمرد على المواضعات الأخلاقية والانزلاق إلى درك الممارسات الشاذة، يعود إلى نشأة الأولى في بيتٍ جمع ثروته الطائلة من خلال التهريب، وانتهاك الأنظمة العامة، من جهة، وتعرض الثانية للتحرش الجنسي من والدها منذ كانت في السابعة من عمرها، وتدرج العلاقة بينهما إلى فض بكارتها على يديه، وبلوغ هوسها به حد الرغبة في الزواج منه، واكتشافها لاحقاً أنها ليست من صلبه، من جهة ثانية، ما يشكل انتهاكاً للأنظمة الخاصة. ناهيك بولادتهما لأمين، صديقتين تمارسان شذوذهما الجنسي انتقاماً من زوجيهما، وبذلك، تكونان «خير خلف لخير سلف».
ـ الثنائية الثانية طرفاها الشقيقان أحمد وعبد المحسن الساكت. وإذا كانت الثنائية الأولى تعكس التمرد على القيم الاجتماعية، والغرق في وحول الانحلال الأخلاقي، فإن هذه الثنائية تعكس الرغبة المزمنة في الانتقام، ذلك أن الشقيقين يشهدان صغيرين إفلاس والدهما غانم السايب وسجنه وموته وراء القضبان، على يد أسرتي الموجب والراهي، أسرتي حنان وأمل، ما يترك جرحاً عميقاً في نفسيهما، فيروحان يخططان للانتقام، ولو بعد حين، حتى إذا ما أزِفت الفرصة، يقوم أحمد، وهو خطيب أمل، باغتصاب حنان وفض بكارتها، فيصيب عصفورين بحجر واحد، ويكتشف عبد المحسن أن أمل ابنة غير شرعية، وأن ثمة علاقة حميمة بينها وبين مديرها عبد اللطيف، فيروح يُخطط لابتزازهما ماليا تحت طائلة الفضيحة، غير أن الرواية تنتهي قبل الوصول إلى غايته المرجوة. وبذلك، نكون إزاء نصف انتقام. والمفارق أن كلا من حنان وأمل تتقبلان فضيحتيهما ببرود ليتحقق فيهما العجُز الشعري: «أنا الغرق فما خوفي من البللِ»؟
ـ الثنائية الثالثة في الرواية طرفاها الأمان، أم فهد والدة حنان وحصة والدة أمل. وهذه الثنائية تعكس الانتقام من الرجل والتمرد على وضعية المرأة في الفضاء الروائي، تلك الوضعية التي تلخصها الأولى بالقول: «والله إحنا حريم مكبوتات جدا، لا من مجتمع ولا من أزواج، المجتمع عيب ويا خزياه، والزوج جاف قاسي، وكأن الحياة والزواج عنده بس سرير. أعوذ بالله». وهكذا، يشكل سلوكهما المنحرف ردة فعلٍ على القمع الزوجي، من جهة، والكبت الاجتماعي، من جهة ثانية. فتبدآن مذ كانتا جارتين في حي العدامة بالتمرد على المجتمع والانتقام من الزوج، ويتمظهر هذا التمرد في انخراطهما في علاقة حميمة، واغتنام فرصة الخروج إلى البحرين المجاورة والسفر إلى سويسرا لترجمة هذه العلاقة إلى جنس ورقص وشرب واقتناص ما طاب لهما من الملذات، ضاربتين بالمواضعات الأخلاقية عُرضَ الحائط، فالجسد هو ملك صاحبه، وله كامل الحرية في التمتع به، وليس رهينة الزوج ونزواته والأخلاق ومواضعاتها، من وجهة نظر كل منهما. وهنا أيضاً تُمسك أم حنان بزمام المبادرة، ويكون على أم أمل الانقياد لها وتنفيذ رغباتها. ولعل ذلك يعود إلى أنها تمتلك المال والسلطة، ومن كان هذا شأنه يستأثر بالقرار.
إلى هذه الثنائيات الثلاث، ثمة ثنائيات أخرى في الرواية أقل أهميةً، كثنائية أمل/ عبد اللطيف، أمل/ أحمد، أبي حنان/ أبي أمل، وغيرها، ما يضيق المقام عن تناولها.
وبعد، إذا كانت روائية الرواية تتمظهر في هذه الشبكة من العلاقات الثنائية، وتفاعلها في ما بينها، على المستويين الداخلي والخارجي، فإن إغراق هذه الشبكة في الاستطرادات الكثيرة في موضوعات مختلفة، بسبب وبدون سبب، أطاح بهذه الروائية أو كاد يفعل ذلك. ولئن كان إسهاب الكاتبة في الكلام على مدينة الدمام في البداية مبرراً، على طوله، لتحديد الفضاء المكاني الذي تدور فيه الأحداث، فما المبرر لإغراق القارئ في استطرادات غير مفيدة، في غير مكانٍ من الرواية؟ وحسبنا أن نشير إلى الاستطرادات التالية، على سبيل المثال لا الحصر.
تُخصص الكاتبة صفحتين اثنتين للحقد، وست صفحات لاستغلال المرأة، وصفحتين اثنتين لاضطراب ما بعد الصدمة، وثلاث صفحات للمواد والأدوات الطبية، واثنتي عشرة صفحة للبصمة الوراثية، وخمس صفحات للحيرة والمزاج السلبي، وصفحة واحدة للسرقة، وأربع صفحات للقصر وأقسامه، وسبع صفحات للجن، وعشر صفحات لقراءة الفنجان، وسبع صفحات لتحولات المكان، وثلاث صفحات للعهر، وصفحة واحدة للقَرْوَشَة، وثلاث صفحات للمازوشية، وغيرها. وهذه الاستطرادات شكلت عبئاً على النص أطاح بروائيته، فلم يبقَ رواية، ولم يصبح كتاباً.
وخلاصة القول، «أرواح» ليست رواية ولا كتابا. هي في منزلة بين المنزلتين. ولا بد لها من التخفف من كل الأثقال الاستطرادية لتستعيد روائيتها. على أن هذا لا يحول دون الاعتراف بأن الكاتبة تجرأت على الخوض في موضوعات محرمة، في مجتمع محافظ، حيث لا يتجرأ الكثيرون. وهذا يُسَجل لها.

٭ شاعر لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية