أزمات لبنان تهدد حياة اللاجئين الفلسطينيين في مخيم نهر البارد

عبد معروف
حجم الخط
0

لبنان ـ «القدس العربي»: لا تختلف الحياة داخل مخيم نهر البارد، عنها في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فجميعها تشترك بمعالم البؤس وآلام اللجوء وحالات القهر وارتفاع نسبة الفقر والبطالة. لكن ما يزيد الأوضاع مأساوية داخل مخيم نهر البارد شمال لبنان، أن المخيم تعرض إلى التدمير الكامل عام 2007 بسبب اندلاع المعارك العنيفة بين الجيش اللبناني ومجموعات فتح الإسلام الإرهابية. وهذا ما أدى إلى تدمير المخيم ونزوح سكانه وحول الحياة فيه إلى جحيم دفع مئات الشباب للهجرة.

يقع مخيم نهر البارد على مسافة 16 كم من مدينة طرابلس بالقرب من الطريق الساحلي شمال لبنان، عند مصب نهر البارد في البحر المتوسط. وتقدر مساحته وقت إنشائه بحوالي كلم مربع واحد، أما اليوم فتبلغ مساحته حوالي 2 كم مربع. وأنشأ المخيم في الأساس اتحاد جمعيات الصليب الأحمر  لتوفير السكن لأولى الدفعات من اللاجئين من شمالي فلسطين المحتلة.
وقد تم اختيار الأرض التي يقع عليها المخيم من قبل الحكومة اللبنانية بالاتفاق مع منظمة الصليب الأحمر الدولي التي أشرفت حينها على توزيع الخيام فنظمها في صفوف متوازية.
وتقدر الوثائق الرسمية اللبنانية أن عدد سكان المخيم قد بلغ 6.000 فرد وقت إنشاء المخيم عام1949 أما اليوم فقد بلغ عدد سكانه أكثر من 38.000 نسمة.
يتميز المخيم بنسيجه الاجتماعي ومحافظته على خصائص القرى الفلسطينية، فالأحياء مقسمة إلى حارات، صفوري وسعسع والبروي والدامون والعابسية وغيرها، وهي أسماء قرى فلسطينية لجأ سكانها إلى المخيم وبنوا فيه أحياءهم وحافظوا على خصائصهم القروية.
كما تميز مخيم نهر البارد، قبل دماره، ببنية اقتصادية استطاعت تشكيل سوق تجاري يمد القرى اللبنانية المحيطة بسلعٍ رخيصة وصناعة محلية مثل الحديد والدهان والأدوات الصحية، فتحول المخيم إلى قِبلة لتجار الجملة والمتسوقين من اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين. وفي مرحلة قبل الثمانينات، كان نهر البارد محاطاً بأراضٍ زراعية كبيرة يملكها لبنانيون من القرى المجاورة.
ويعد المخيم نهر خزانا تجاريا كان مزدهرا بأسواقه المتنوعة التي يعتمد عليها معظم سكانه في تأمين لقمة العيش الكريم ويضم آلاف المتعلمين من أطباء ومهندسين ويد عاملة ذات كفاءة ومهارة عالية لذلك يطغى عليه الطابع التعليمي والتجاري بشكل عام.
ويعتمد اقتصاد نهر البارد بشكل أساسي على التجارة حيث ينشط هذا القطاع نظراً إلى موقع المخيم على الطريق الدولي الذي يربط لبنان بسوريا، ووجود واجهة بحرية له يعمل تجار المخيم على استيراد السلع وإعادة بيعها بسعر تنافسي إلى تجار منطقة عكار بشكل خاص، وتجار شمال لبنان بشكل عام، ويساهمون بشكل من الأشكال بدفع العجلة الاقتصادية في القرى المجاورة.
في منتصف عام 2007 ونتيجة للمعارك التي اندلعت بين الجيش اللبناني ومجموعة فتح الإسلام المتطرفة، التي اتخذت المخيم مقراً لها، تمّ تشريد ما يقارب 27.000 لاجئ فلسطيني من المخيم والمناطق المحيطة به.
وتعرّض المخيم للقصف بالمدفعية الثقيلة والقنابل الجوية خلال حصار امتد ثلاثة أشهر. وقد قدّر أنّ ما يقارب 95 في المئة من كافة المباني والبنية التحتية قد دمّرت تماماً أو تضررت بشكل يتعذر إصلاحه، ممّا أجبر السكان على النزوح الى مخيم البداوي والمناطق المجاور.
لا تزال حوالي 5900 عائلة بعيدة عن بيوتها وتعتمد بشكل كامل على مساعدات وكالة الأونروا. ومنذ اندلاع الاشتباكات، تقدّم الوكالة المساعدة للنازحين من حيث الإيواء والمساعدة الغذائية والرعاية الصحية الاولوية والدعم التربوي. وأكدت أنها ستستمر في تقديم هذه المساعدات الملحّة حتى إنهاء إعادة إعمار المخيم وعودة السكان إلى بيوتهم.
أخذت الأونروا على عاتقها عملية إعادة إعمار المخيم بالتعاون والتنسيق مع الحكومة اللبنانية والدعم المالي من قبل المجتمع الدولي. وأكدت الوكالة أن آخر تقدير لكلفة بناء مخيم نهر البارد بلغ ما يقارب 345 مليون دولار أمريكي. وحتى اليوم لم يتمّ تأمين إلا 44 في المئة من المبلغ، مما يجعل النقص حوالي 183 مليون دولار.
وأمام آلام اللجوء والدمار الذي أصاب المخيم عام2007 والأزمة الاقتصادية والمالية والصحية التي تفاقمت خلال السنوات القليلة الماضية، وحالة الانهيار العام التي يتعرض لها لبنان، يعيش اللاجئون الفلسطينيون ظروفا اقتصادية ومعيشية صعبة بدأت تبرز معالمها من خلال الهجرة إلى الدول الأجنبية بعد ارتفاع حالات الفقر والعوز وتفاقم نسب البطالة.
ويؤكد أستاذ مادة التاريخ في مدارس «الأونروا» أيمن السيد لـ«القدس العربي» أن اللاجئين الفلسطينيين في مخيم نهر البارد كغيرهم من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، يعيشون حياة اقتصادية تهدد مستقبل أجيالهم إن لم تكن هناك مبادرات دولية وعربية تعمل سريعا لإنقاذ حياة اللاجئين ليس بسبب تداعيات اللجوء والظروف الصعبة داخل المخيمات فحسب، بل بسبب الانهيار العام الذي يتعرض له لبنان.
وفي رأي السيد لا إمكانية لوقف معاناة اللاجئين الفلسطينيين في مخيم نهر البارد وفي جميع مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، إلا بتدخل دولي سريع وعاجل من منظمات المجتمع المدني وخاصة الأونروا المسؤولة عن رعاية اللاجئين الفلسطينيين.
وحول مظاهر الأزمة يقول الإعلامي الفلسطيني وليد عبد العال «تفاقمت الأزمة المعيشية داخل مخيم نهر البارد خلال السنوات الأخيرة أولا بسبب ما نتج عن الحرب العنيفة التي اندلعت بين الجيش اللبناني ومجموعات فتح الإسلام الإرهابية منتصف عام 2007 ما أدى إلى تدمير مساحات وأحياء واسعة من المخيم اضطر خلالها أبنائه للنزوح والإقامة في الخيم وإقفال المدارس ووقف الأعمال».
وذكر عبد العال لـ«القدس العربي»: «عندما بدأ إعادة إعمار المخيم شهد لبنان أزمات اقتصادية وأمنية وصحية حادة، وانتشر فيروس كورونا واتخذت الدولة اللبنانية إجراءات صارمة للحد من الفيروس، ثم تعرضت الليرة اللبنانية للانهيار وأقفلت الطرقات واندلعت المواجهات على امتداد الأراضي اللبنانية.
هذا كله انعكس سلبا على حياة اللاجئ الفلسطيني الذي طلب منه البقاء في منزله وداخل مخيمه والالتزام بالإجراءات الأمنية والصحية التي تتخذها السلطات اللبنانية».
ويختم عبد العال، لذلك، تفاقمت الأزمة المعيشية داخل مخيم نهر البارد، وارتفعت نسبة البطالة وأعداد العاطلين عن العمل وأقفلت المؤسسات ولم يعد الشاب الفلسطيني يجد فرصة عمل، وتزايدت حالات الفقر والعوز وموجات الهجرة بحثا عن بلاد أكثر أمنا يمكن فيها إيجاد فرصة للحياة.
وفي محاولة للتخفيف من الأزمة المعيشية أطلقت العديد من المبادرات الفردية التي تشرف عليها وتديرها منظمات المجتمع المدني، وأطلق مجموعة من شبّان وأهالي مخيّم نهر البارد أخيرا، مبادرة لدعم سعر ربطة الخبز للأهالي، حيث يُصار إلى شراء كميّات من ربطات الخبز وبيعها بسعر التكلفة، كنوع من تخفيف حدّة الأزمة الاقتصاديّة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في المخيّم.
وعن المباردة التي لاقت ترحيبا واستحسانا من أهالي المخيم، قال أحد القائمين عليها الحاج أبو الهول إنّ الحملة استطاعت بيع 2000 ربطة خبز بنصف قيمتها، أي بسعر ألفي ليرة لبنانية للربطة الواحدة، على مدى 3 أيّام من انطلاقها.
وتقوم المبادرة وفق أبو الهول على تبّرعات أبناء المخيّم، وكل من يستطيع الدعم كلّ حسب قدرته، فالبعض تبرّع بخمسين ألف وآخرون بمئة ألف ليرة لبنانية وهكذا. وهو ما يوفّر دعماً وتخفيضاً لسعرها على المُشتري الذي يدفع نصف قيمتها والمتبرّع يدفع النصف الآخر.
وتأتي هذه المبادرة، ضمن أخرى شهدها مخيّم نهر البارد وعدّة مخيّمات أخرى، للتخفيف من حدّة الأزمة الاقتصاديّة. وكان مجموعة من الشبّان المغتربين أطلقوا سابقاً مبادرة لتأمين الدواء من دول الإغتراب وإرسالها إلى محتاجيها في المخيّم.
ونبهت وكالة الأونروا من خطورة انعكاسات الأزمة الاقتصادية اللبنانية على مخّيمات اللاجئين في لبنان، وقالت في بيان لها، إنّ وصول اللاجئين بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص إلى مصادر كسب العيش قد تأثّر بالأزمة، كما أدى الانخفاض غير المسبوق في قيمة العملة المحلية إلى انخفاض القوة الشرائية للاجئين في حين استمرت الأسعار في الارتفاع بشكل كبير، مع تجاوز معدل التضخم 100 في المئة، إلى جانب استمرار ارتفاع معدلات الفقر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية