أزمةُ المثقف العربي في رواية (أمري كان لي) لصنع الله ابراهيم: شهادة علي الواقع وليس مجرد سرد لحكايته الغريبة
محمد الأحمدأزمةُ المثقف العربي في رواية (أمري كان لي) لصنع الله ابراهيم: شهادة علي الواقع وليس مجرد سرد لحكايته الغريبةإذا كان قد كتب عن القاهرة بشوارعها الحديثة، وحواريها القديمة بوصفه أحد مواطنيها العارفين حقائقها، وأيضا عن بناء السد العالي في (نجمة أغسطس)، ومن بعدُ غادر مصر ، واتجه شرقاً إلي لبنان في رواية (بيروت.. بيروت) كاشفا دقائق حربها الأهلية، ثم عبر إلي الخليج، و(وردة) عن بواطن سلطنة عُمان ، وسبقها (اللجنة) ولحقتها (ذات) ودخل السجن وكتب (شرف)، و(تلك الرائحة).. ترجم إلي العربية عن الألمانية رواية (حمار بوردن) الرائعة، فنجده في (أمريكانلي ـ أمري كان لي)، يدهش في ما يناوله من أزمة متواصلة الخيبة، باقية، يعيشها المثقف العربي. ومحددا لخطوط محنته المتواصلة، وأسبابها، فتبقي أيضاً كعلامة فارقة بين العلامات الكبيرة التي ابتدعها (صنع الله إبراهيم) في مسيرة الرواية العربية الحديثة. حيث يقفُ أستاذ التاريخ بطلها موقفاً مهاجماً لما كان راكداً تحت بركة الزيت التي تفصل الماء عن الهواء، بموضوعية جريئة ذات زخم أبستمولوجي، موسوعي، مقارناً، كاشفاً عبرها عما بقيَّ ازدواجياً متناقضاً ما بين الفكر، والممارسة، فأستاذ التاريخ العربي، استدعيَّ معيناً ليعطي دروسه لثلة من طلبة الدراسات العليا في الولايات المتحدة الأمريكية، نجدهُ للتوِّ قد أنهي فنجان قهوته، في شقة له مؤجرة حديثاً، لينطلق سيراً حثيثاً في عمقِ مدينةٍ كبيرة، متنقلاً بسردٍ دقيق مليء بالإشارات والدلالات، مجترحاً إياها بفطنة عالية، وهي مزية فيه جعلته في طليعة كبار كتاب الرواية العربية، وسائرا مقارناً بين الثقافات المتباينة وسلطاتها المتناحرة، عند منحدر تحولها الخطير، في عالم اليوم التكنولوجي، متابعاً مسار التاريخ القديم والمعاصر مشرفاً علي الاحتلال الأوروبي للقارة الأمريكية بعد عام 1492 بالتزامن مع سقوط غرناطة، وتأثير ذلك علي مصير المشرق العربي. (اكتشفتُ اننا نقف الي جوار تمثال لإلهة الديمقراطية، أقيم بعد أحداث ميدان بنيامين في بكين سنة 1989م، وجذبت سارة أمها من ملابسها، فانحنت وحملتها بين ذراعيها. قالت: هذه الساحة التي يتم فيها الليشنج ـ ليشنج؟ اجل. يقرر الجمهور شنق زنجي أو صيني وينفذون قرارهم في الحال دون أن ينظروا حكماً قضائياً. كان الأمر منذ قرن ونصفـ الرواية ص 87)، ونجد الروائيـ المؤرخ يستخدم وثائق ذكرها علي لسان إبطاله، او كهوامش في أسفل الصفحات، عبر أستاذ التاريخ الناطق باسم الروائي، جعله يقدم مجموعة كبيرة من الوثائق التي تصور منظورا مختلفا عن التاريخ المعلن المكتوب، ويكتب ما كان مسكوتاً عنه، حيث يمسه في جوهر اختلافه، ما بين غربة الآخر لدي الآخر. وأيضا ما بين كل سلطة تطمس السلطة التي سبقتها، فالتاريخ العربي ليس موضع اختصاصه، فحسب وإنما اجتراحا ًروائياً ذكياً يفتقدهُ كل من يريد أن يقول قوله.. فيما أغلقت علي المفكر العربي أبواب حريته، وجعلته مقصياً.. (كانت نوافذ جيراني مسدلة كالعادة وقدرت أنهم إما لم يفيقوا بعد من النوم أو يقضون عطلة نهاية الأسبوع خارج المدينة. استمتعت برهة بالهدوء الشامل ثم تصاعدت أصوات مرحة من حديقة المنزل الملاصق. وتردد من بعيد عويل سيارات الشرطة أو الإسعاف (الرواية ص55)، في عزلة تحتاج الجهد الكبير للفكاك منها، والاقتراب أكثر نحو إعادة النظر، ملياً. (ليس هناك شيء غير عادي. هو من العائلة المالكة وغني جدا. هل تعرف أنه بني في سن الخامسة والعشرين قصراً في الرياض كلفه 300 مليون دولار؟ ثم حصل علي عمولة قدرها مليار دولار عن عقد تليفون المملكة مع شركة التليفون والتلغراف الأمريكية؟ أطلقت صفارة من فمي: وما علاقته إذن بالثقافة؟. دعك أنفه بإصبعه وقال: الرجل واسع المعرفة. ثم انه يقبل التعددية وحرية التعبير. وهو الذي أسس هذا المركز بعشرين مليون دولار ندفع منها راتبك. وهو الذي سيدفع لك لو أردت أن تبقي عندنا مدة أخري (الرواية). ويقدم الروائي في روايته مجموعة كبيرة، لا بأس بها، من الشخصيات التي تخدم أهدافه الفكرية التي كتب من اجلها الرواية، أهمها (المرأة العربية المسلمة)، و(الفتاة اليهودية)، و(الهندي الأحمر) و(الأسود)، و(اليساري) إضافة إلي (المدرسة اليهودية)، والموظفتين (السوداء والبيضاء) وبعض الأساتذة العرب، قد اختارهم من كل بستان زهرة، لتمتد المساحة اكبر من مصر . ويشير الروائي عبر علاقته مع مجموعة من الأكاديميين العرب، وخصوصاً المصريين، وبعض المثقفين الذين لجأوا إلي الولايات المتحدة ودورهم في تزييف الوعي. (توافق ذلك مع فلسفة التعليم ذاتها التي وضع أسسها المستشار الانكليزي دنلوب عقب الاحتلال الانكليزي وما زالت سائدة حتي اليوم ـ أي بعد أكثر من قرن ـ بهدف تخريج موظفين جل اعتمادهم أثناء الدراسة علي الاستظهار والحفظ لا علي القوي العقلية في الابتكار والاستنباط، وأذكر مرة أردت أن أتفلسف علي أحد الأساتذة فتساءلت عما إذا كان من الممكن اعتبار الفتح العربي لمصر حرباً توسعية تحت ستار الدين. وتعرضت يومها للسخرية والاستهزاء فكيف أجرؤ علي التفكير بشكل مختلف؟ (الرواية ص 99). معرجاً علي مرحلة المماليك والاحتلال العثماني حتي الاستعمار البريطاني، وسقوط فلسطين، وتجربة الرئيس (جمال عبد الناصر) ومحاكمة الوضع الحالي بعد (أنور السادات)، ومن تلاه علي سدة الحكم مخلفاً اوضاعاً اقتصادية مريرة، وحريات شخصية تحدّ منها هيمنة أجهزة دولته الأمنية، دون ان يفوته المقابل، حيث يقارن، فيقوم بفضح المجتمع الأمريكي من خلال حركته حيث يعري المذبحة الأوروبية ضد الهنود الحمر التي أبادت الملايين من السكان الأصليين متتبعا دور الأسبان والانكليز والفرنسيين. ولم ينس (فيما يتعلق بالحضارة الفرعونية فأنا أميل إلي رأي أحد علماء الجيولوجيا المصريين في هذا الشأن. فهو يقول إن التخلف التكنولوجي عرض مصر القديمة للدمار مرتين. الأولي سنة 1680 عندما عرفت قبائل الهكسوس علي أطراف الصحراء السورية البرونز وابتكرت العربات الحربية، فتمكنت من غزو مصر . واحتاجت هذه إلي قرن كامل كي تعرف صناعة البرونز وتتعلم فنون القتال الجديدة حتي تمكنت من طرد الهكسوس . وتكررت المأساة مع الحديد الذي لم تكن تملكه ولا الخشب وهو الوقود اللازم لتصنيعه، فدخلت عصره متأخرة بعد الحيثيين بخمسة قرون. انهارت إذن لأنها عجزت عن مجاراة المستحدثات التقنية والحربية التي جاءت مع عصر الحديد (الرواية). رواية بطلها مثقف جامعي يقوم بتدريس برنامج عن التاريخ المقارن لعدد من طلاب الدراسات العليا في إحدي جامعات مدينة (سان فرنسيسكو)، تثير أسئلة جريئة معاصرة، صميمية، ولا تجري مقارنة عمرانية شكلية؛ (بين مدينتي القاهرة و سان فرانسيسكوـ الرواية ص 69)، متناولة الكمْ المعرفي، وثقافة الآخر بالتعريف والمقارنة، بالفوارق الجوهرية ما بين المنظومتين المعرفيتين. وما تشكل بينهما من اختلاف؛ يتطرق كذلك إلي دور الأوروبيين في اصطياد الأفارقة واستعبادهم، ونقلهم الي القارة الجديدة، والتمييز العنصري، وبعض الحوادث التي تعرض لها السود مثل حادثة ممفيس التي احرق فيها 75 منهم أحياء، واغتيال مارتن لوثر كينغ ورفض الملاكم محمد علي كلاي حرب فيتنام، مشيرا إلي فساد الأنظمة متطرقا إلي فضيحة الرئيس السابق بيل كلينتون وسكرتيرته الحسناء مونيكا لوينسكي في خريف 1998م، (مونيكا ارتكبت الفعل لأنها استعملت شفتيها أما هو فلم يرتكبه لأن سيجاره هو الذي لامسها وليس هو شخصياً (الرواية ص).. كذلك فضيحة وايت ووتر التي ذهب ضحيتها شهود كانوا حول كلينتون وزوجته. (لكني سرعان ما شعرت بالإحباط فالتاريخ الذي أقبلت علي دراسته كان عبارة عن تسلسل معارك وملوك وعظماء وانتصارات وهزائم. مئات الأسماء والتواريخ دون تفسير، وسرد، وتجميع علي طريقة مؤرخي العصور الوسطي (الرواية ص 99). ويكون مقارناً باحثاً في موضوعة العولمة عبر تحليل الوضع الاقتصادي العالمي من خلال اندماج الشركات والبنوك العملاقة وتأثيرها علي انتشار البطالة في الدول المتقدمة عدا عن زيادة إفقار بلدان العالم الثالث. (تطرق الحديث إلي صعوبة تحقيق المخطوطات والوقائع التاريخية. وقلت إن المشكلة معقدة لأنها تتعلق في جانب منها بالمقدسات الدينية. كم من المسلمين مثلا يعرفون أن أبي هريرة كان يختلق الأحاديث النبوية وأن عمر بن الخطاب حذره من ذلك عدة مرات؟ قال: لن تجد الأجيال القادمة صعوبة فيما يتعلق بالأحداث المعاصرة. فكل شيء مسجل الآن بالصوت والصورة (الرواية). بمعني أنها رواية تشكِّل system مقسَّمة إلي مجموعة من (subsystems) قسَّمها كأستاذ مؤرخ ـ مثقف، يعرف ما له وما عليه، واضعاً نفسه أمام مفترق الطرق، ويجري مقارناً ما بين الذي كان سائداً عليه، وما استجد عليه، بحكم الموقع الجديد: المنظومة التكنولوجية؛ المنظومة الاجتماعية؛ المنظومة الإيديولوجية؛ المنظومة السلوكية. (ان التاريخ لا ينفصل عن الإنسان، وبخاصة الإنسان المتخصص الذي نسميه بالمؤرخ ـ عبد الله العروي) فتتكوَّن المنظومة الدنيا التكنولوجية من الأدوات أو التجهيزات المتجسِّمة ماديًّا ومن تقنية استخدامها، التي بفضلها يجري تفاعُل الأفراد والجماعات البشرية مع الوسط الطبيعي، وسجل الروائي سردا، دون إغفال (أدوات الإنتاج، وسُبُل المعيشة، ومواد بناء المساكن، ووسائل الهجوم والدفاع. وتتضمن المنظومة الاجتماعية العلاقات بين الناس، وما يقابلها من أنماط السلوك وهذا يشمل منظومات القَرابة، والمنظومات الاقتصادية والسياسية والأخلاقية والحربية والمهنية). المنظومة الإيديولوجية المكوَّنة من الأفكار والمعتقدات والمعارف، التي يجري التعبير عنها بمساعدة الحديث (الكلام) والأشكال الرمزية الأخري؛ وهي تضمُّ أيضًا الخرافة، والدين، والأدب، والفلسفة، والعلم، والحكمة الشعبية. (انفرجت أساريرها وردّت بحمية: أنا أعمل طول اليوم في شركة بها 600 محام. عمل محسوب بالساعات. في البداية كنت أعمل 15 ساعة في اليوم. هذه الساعات الخمس عشرة تجلب لي ألفين وخمسمائة دولار في السنة أي خمسين دولارا في الأسبوع. أما الشركة فتتقاضي من العميل ثلاثمائة دولار في الساعة. أي أني أحقق لها أكثر من سبعمائة وخمسين ألف دولار في السنة. لهذا أبذل كل جهدي كي أصبح من الشركاء بعد سنوات فيرتفع دخلي إلي خمسين ألفا في الشهر زائد مكافأة سنوية عشرة آلاف. وعندما أبلغ الأربعين سيصبح دخلي مليونا في السنة. أضاف زوجها: وفي الخامسة والأربعين سيكون المبلغ ثلاثة ملايين وفي الخمسين عشرة ملايين وهي اللحظة التي ستتقاعد فيها. أما أنا فلن أتجاوز عند تقاعدي في الستين رقم المائة ألف في السنة تخصم منها الضرائب وأقساط القروض. التقط حبة فستق من طبق المكسرات وأضاف متحاشيا النظر إليها: المال هو كل شيء عند الأمريكي. يوميا يحسب كم كسب؟ وكم أنفق؟ وكم ادخر؟ (الرواية ص 65). ولا يعوِّل المؤرخ (بطل الرواية المحور) الأهمية ذاتها علي المنظومات الدنيا المذكورة، بل يعتبر التكنولوجيا حاسمةً ورئيسةً في تطور الثقافة وقيامها بوظائفها. (ابتداء من لحظة الذروة في سنة 1187 بدأ انحدار الإسلام لأنه انغلق في وجه المعرفة (الرواية ص 107)، إذ أجرت الرواية مسحاً شاملا لمفاهيم الثقافة وتعريفاتها العديدة جدًّا، خاصة المفاهيم المنهجية، والمنظومة، التي تناولها بالسرد حيناً أو بالحوار ملتقطاً الكيف والنوع في التصنيف، وراسماً صورة العزلة، والتركيب والتفاعل والتكامل للثقافة ككل، علي الرغم من تعدُّد العناصر والمكوِّنات التي لا يجوز إبقاؤُها مفكَّكةً. لتبقي الرواية في مصاف الكتب الأكثر مواجهة مع حرية الإنسان. مليئة بالمفارقات، والمتعارضات (قامت السيدتان إلي المطبخ وتبعتهما ببصري. وشردت إلي أن سمعت ماهر يتحدث عن العبقرية الأمريكية، وقدرتها علي علاج الأزمات بفضل الإمكانيات الهائلة والتقدم الاقتصادي والعقول المجتذبة من كل مكان، والذراع العسكرية الطويلة القادرة علي ملاحقة أي مكان في العالم. وقال إننا ربما نكون فعلا قد بلغنا نهاية التاريخ كما تنبأ فوكوياما وستحل أمريكا مشاكل المستقبل بالخروج إلي الفضاء الخارجي وندخل مرحلة مختلفة كلية بقوانين أخري (الرواية). فأستاذ التاريخ عندما كان في بلده يعرف ماذا عليه ان يفعل ليتخلص من الممنوع المعرفي، حرية من كان أمره بين يديه، ولكنه بعد ان وصل إلي نقطة معرفية ما فرضت عليه تلك النقطة قيداً معرفيا آخراً، وصادرت أمره الذي كان بين يديه، ويمكن القول: (الثقافة كـمقولة اجتماعية: قوامها القيم والمعتقدات والمعارف والفنون والعادات والممارسات الاجتماعية والأنماط المعيشية إلخ. الثقافة كـإيديولوجيا: تعرَّف الثقافة في إطارها بصفتها المنظار الذي يري الفرد من خلاله ذاته ومجتمعه، وبصفتها، أيضًا، معيار الحكم علي الأمور أيضا. الثقافة بوصفها انتماء: تُعبِّر عن التراث والهوية والشعور القومي وطابع الحياة اليومية للجماعة الثقافية إلخ. الثقافة بوصفها تواصُلاً: من خلال نَقْل أنماط العلاقات والمعاني والخبرات بين الأجيال. الثقافة بصفتِها دافعاً: علي الابتكار والإبداع، والنضال ضدَّ القهر والتصدِّي لصنوف الظلم الخ، فالثقافة بوصفها حصادًا متجددًا: يتم استهلاكه وإعادة إنتاجه والتفاعل معه وإدماجه في مسار الحياة اليومية ـ د نبيل علي)، ففي كل مقطع يتركهُ بلا تعليق، وقد أشار بذكاء إلي مقاصده، مؤشراً للتفكك الأسري: (حلمت بأني في منزلي بالقاهرة بعد عملية جراحية وأني متزوج من واحدة لم أتبين ملامحها. وهناك صديق لي يقف بجوارها. طلبت منه الانصراف وعدم العودة ودفعته في عنف نحو الباب دون أن يقاوم. ثم عاد وأدركت أنه متآمر مع زوجتي رغم أني سبق واتفقت معها علي ألا يدخل منزلنا، فأعلنت أني سأترك المنزل. ولم تعبأ زوجتي بتهديدي (الرواية ص 68)، مفككا العلاقات التي كانت يربط بينها المكان (وجدت شارعي يعج بالنشاط علي غير العادة. واكتشفت أن سكانه يعرضون حاجياتهم الفائضة للبيع أمام منازلهم ويجلسون خلفها في ملابس خفيفة وشورتات يتسامرون في انتظار المشترين، وهم يحتسون النبيذ. أعدت الأفلام إلي حانوت الشرائط وانتقيت فيلم سحر البورجوازية الخفي لـ بونويل ، و كرامر ضد كرامر وثالثاً من النوع الإيروتيكي عن علاقة بين امرأتين. وعند عودتي وجدت جيران الشارع يتناولون الطعام بجانب حاجياتهم (الرواية). و(صنع الله ابراهيم) يجيد التركيز علي ما يختاره للقارئ من صور مشوقة لأجل ان يتابعه بشغف (ابتلعت ريقي ثم واصلت: كانت رجاء كما قلت أول فتاة تثير اهتمامي العاطفي وكانت هي المسئولة عن تجدد اهتمامي بالدراسة كانت لا تفتأ تهاجم برامج التدريس التي وضعت بعد الثورة، وتقول إنها تستهدف تكوين المواطن المعتز بقوميته بالتركيز علي الأمجاد التاريخية دون إطار يجعل الطالب قادرا علي فهم أسس بنيته المعاصرة (الرواية ص 101). كون بطل الرواية مرتكزاً علي التعددية الثقافية (التي تشكل الأساس الحقيقي للهوية اليوم، ولا تؤدي بالضرورة دائما إلي السيطرة والعداوة؛ بل تؤدي إلي المشاركة وتجاوز الحدود، والي التواريخ المشتركة والمتقاطعة ـ ادوارد سعيد)؛ ذلك يتطابق وما يؤكدهُ المبدع محمود درويش بان الشعراء والفنانين والمبدعين (يرتكبون جرائم بريئة بتحويلهم المآسي الإنسانية إلي جماليات مفرحة، وهو المأزق الذي يقضّ مضجع أيّ مبدع ليظل عزاؤه أن هذا يخلق أملا مبتكرا أو متخيلاً). ويري كمبدع وجود تمزق بين استفادة المبدع من العتمة وتحويلها إلي ضوء وهو ما تتمكن منه الإرادة الإنسانية، (ان أي شاعر يرغب في الانطلاق ويبذل جهودا طائلة جمالية ومعرفية من أجل شحن القصيدة لتتجاوز شرطها التاريخي نسبيا، والخطر الشعري يكون عندما ترتبط القصيدة بالراهن، ولا يترك لها مجالاً للاستمرارية). فالمثقف عندما اجترح مخياله أستاذاً للتاريخ، فهو يروم المقارنة بين مسيرة التاريخ، ووثيقته المسكوت عنها، فقد أكد علي صدق ما يؤمن به عندما جهر قائلا، بلا تردد، أو تحوّط: (لا يراودني شك في ان كل مصري هنا يدرك حجم الكارثة المحيقة بوطننا، وهي لا تقتصر علي التهديد العسكري الإسرائيلي الفعلي لحدودنا الشرقية، ولا علي الاملاءات الأمريكية، وعلي العجز الذي يتبدي في سياسة حكومتنا الخارجية، وإنما تمتد إلي كل مناحي حياتنا، فلم يعد لدينا مسرح او سينما او بحث علمي او تعليم لدينا فقط مهرجانات ومؤتمرات وصندوق أكاذيب. لم تعد لدينا صناعة أو زراعة أو صحة او عدل. تفشي الفساد والنهب. ومن يعترض يتعرض للامتهان وللضرب والتعذيب. وفي ظل هذا الواقع لا يستطيع الكاتب ان يغمض عينيه او يصمت لا يستطيع أن يتخلي عن مسؤوليته). فثمة أزمة متفاقمة في المناهج الفكرية العربية، كون اغلب أساتذته تطلب من الطلبة، ما تحت البصر، وهي الرقيب المتكرر علي اي بحث جدي، إذ تريد ان تفرض عليه قيوداً، وترهبه قمعاً، حتي لا يمسّ التابوات الثلاث (الدين ـ الجنس ـ السياسة)، وتحدد له شرط الاختيار من كتب الرفوف القريبة، ليس لكونها لا تقرأ جديداً، وإنما لأنها تحفظ عن ظهر قلب مساحة البحث، وأطره، لأنها تريد غالبا أن تفسد أي تمرد، وربما تثنيه عن كشفه الجديد. بمثل ما قد جري عليها، وقد تجاوز العالم الحديث تلك المحنة منذ ان حاول التأسيس (منظوميًّا) لنظرية الثقافة العامة المقارنة؛ بمنهجٍ قويم، عالِم الأنثروبولوجيا الثقافية الأمريكي المشهور لِسْلي وايت Lesley ـ White (1975ـ1900)، مسمِّيًا منهجه بـ(علْم الثقافة)، منهج تتبع الينابيع الي المصبّ، دون ان ينسي ذكر ما يستحق الذكر كروعة زقزقة الطير، وحفيف الشجر، الخ… ومثلاً: (فتحت باب التعليق. وانصبت التعليقات علي الحضارة الفرعونية وسرّ انهيارها. قالت فادية : العامل الرئيسي هو ضعف الملوك الأواخر والتجاؤهم إلي العناصر الأجنبية المرتزقة من الإغريق. فهؤلاء ساعدوا الفُرسْ علي احتلال مصر ومكنوا الإسكندر من غزوها بعد 150سنة. قلت: وما الذي أضعف الملوك الأواخر؟ لماذا تجمدت الحضارة المصرية القديمة وكيف تحولت مصر من إمبراطورية إلي أطول مستعمرة في التاريخ علي حدّ قول جمال حمدان . قال لاري الذي يحمر وجهه كلما تكلم: حسب توينبي فان صعود وسقوط حضارة ما يعود إلي مبدأ التحدي الذي تواجهه هذه الحضارة وقدرتها علي الاستجابة له. فما هو التحدي الذي واجهته الحضارة الفرعونية وفشلت في مواجهته؟ علقت ميجان مستشهدة بأطروحة المؤرخ الأمريكي بول كنيدي : إذا زادت الالتزامات الإستراتيجية للدولة العظمي علي إمكانياتها الاقتصادية اضمحلت قوتها تدريجيا. وهذا قد يفسر أيضا سقوط الإمبراطورية السوفييتية (الرواية). جاءت الصفحات لتوثق وقع أحداث الأحداث، وليس لتحكي حكاية ما، ولكنها رواية خطوطها الفكر الذي ضاق بمفكريه، من بعد أن استعصي عليهم، ما لم يستطيعوا تحديده، وجاءت لترفع العتب ما بين اثنين اختلفا بالمناهج، والتقيا كإنسانية، واحدة علي كوكب واحد مليء بالنصوص الجميلة، ولكنها أدرجت تاريخا قاتما، ومرّا علي أي باحث يريد أن يخلص نفسه من محنته السقيمة.كاتب من العراق0