تمر هذه الأيام على شفا تطورات تاريخية يقع في مركزها قرار يصممه الرئيس الروسي بوتين باستعادة أوكرانيا ومعها دول أخرى تشكل منها الاتحاد السوفياتي سابقاً، إلى مجال نفوذ روسيا. يدور الحديث عن خطوة مصممة مع استراتيجية واضحة في ظل الاستعداد لجل الجهود والمقدرات الاقتصادية والعسكرية وأخذ مخاطرات في شكل مواجهة مباشرة (وإن لم تكن عسكرية) مع الولايات المتحدة.
استناداً إلى السوابق– جورجيا، كازخستان، بيلاروس وسوريا – في خليط مع صورة الاستخبارات النوعية التي تشرك الولايات المتحدة بها علناً، قد نتوقع وباحتمالية عالية أن يسعى الروس في الفترة القريبة المقبلة لتنفيذ خططهم الاستراتيجية بتغيير الحكم في كييف عاصمة أوكرانيا. إذا ما تحقق مثل هذا الهدف، فستتحدى روسيا مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى متصدرة وحيدة في العالم.
يتغذى قرار بوتين، أغلب الظن، من رؤياه “لاستعادة المجد” ومن تقديره بأن الولايات المتحدة والغرب يعيشون ضعفاً تاريخياً سيسمح له، بالمشاركة مع الصين كقوة عظمى صاعدة، لتحقيق إنجازات في شكل خلق عالم متعدد الأقطاب. صحيح أن روسيا تخاطر بخطوات رد اقتصادية حادة، ولكن يمكن أخذ الانطباع بأن الروس يأخذون هذا بالحسبان، ومقتنعون بأنهم -مثلما نجحوا في السنوات الماضية- سيفلحون هذه المرة أيضاً في نيل ثمرة ذات أهمية تاريخية استثنائية بالنسبة لهم، ألا وهي استعادة السيطرة على أوكرانيا كجزء من رؤية روسيا الكبرى.
بالتوازي، تجدر الإشارة إلى أن روسيا تبرز كعامل مسيطر إلى جانب الولايات المتحدة والغرب في تحقيق اتفاق للجم مساعي إيران لنيل سلاح نووي أيضاً. في المحور الاستراتيجي، موسكو – بكين، يتخذ الصينيون ظاهراً نهجاً حذراً، كعادتهم، لكن رئيسي الصين وروسيا يقدمان زخماً للتقارب الشامل بين الدولتين، في وجه الخصم المشترك: الولايات المتحدة. وكل ذلك انطلاقاً من افتراض بأن أوروبا شريك ذو قوة محدودة.
يمكن التقدير بأنه إذا ما نجحت الخطة الروسية للسيطرة بهذه الطريقة أو تلك على أوكرانيا، فستكون لذلك آثار دراماتيكية على إسرائيل والشرق الأوسط. فالتهديد الاستراتيجي الشامل من جانب إيران على إسرائيل والدول العربية والشرق الأوسط سيتعاظم؛ فإيران تطور قدرات هجومية مبهرة تستهدف المس بالبنية التحتية الاستراتيجية المدنية لإسرائيل والدول العربية، في ظل التموضع في دول فاشلة.
إذا وقع اتفاق، فستحصل إيران على حرية لمواصلة تطوير قوتها، فيما سيكون تحت تصرفها قدرات اقتصادية غير مسبوقة جراء رفع العقوبات. كما أن الاتفاق سيجدي فقط بتأخير -وإن كان مهماً- في جداول زمنية لتطوير القدرات النووية العسكرية، دون منعها. إذا لم يتحقق اتفاق، فستواصل إيران تعاظمها وهي محررة من القيود السياسية. مهما يكن من أمر، ستتمكن إيران من استغلال الخصومة المحتدمة بين الولايات المتحدة والمحور الاستراتيجي، روسيا – الصين، اللتين تريان في إيران حليفاً حيال الأمريكيين.
بالمقابل، يمكن لهذا الوضع أن يخلق فرصاً لإسرائيل. أولاً وقبل كل شيء، قد تصل الولايات المتحدة إلى استنتاج بأن لا بديل للشرق الأوسط كذخر استراتيجي حيوي لأمنها القومي، فتؤخر المسيرة التي يشار إليها كل مرة والمتعلقة بهجر المنطقة. وستواصل الولايات المتحدة الاعتماد على نفط الشرق الأوسط، وتشكل مصدر قوة ودعم لإسرائيل وللدول العربية. كما أن إسرائيل التي حسب منشورات مختلفة وتصريحات زعمائها، ستنفذ مسيرة تعاظم قوى تستند إلى الحلف بينها وبين الولايات المتحدة. إلى جانب ذلك، يمكن أن يتوثق الحلف الأمني الاستراتيجي بين إسرائيل والدول العربية السنية التي تنجح بشكل مبهر في الحفاظ على استقرارها.
من عموم التطورات والأحداث في المنطقة، ثمة انطباع بأن الدول العربية ترى في إسرائيل شريكاً استراتيجياً، وبخاصة بعد أن انضمت إسرائيل إلى قيادة المنطقة الوسطى الأمريكية التي هي إطار أمريكي يعطي رعاية وقوة لجملة من أوجه التعاون العسكري والاستخباري بين دول الشرق الأوسط. هذا إنجاز ذو أهمية استثنائية للأمن القومي الإسرائيلي. وبشكل مفعم بالمفارقة، ربما تبقى الجبهة السورية على حالها، وتتمثل المصلحة المشتركة الإسرائيلية – الروسية في إضعاف مكانة إيران في سوريا قدر الإمكان (وذلك كون روسيا معنية بالحفاظ على مكانتها المسيطرة في الدولة). كل هذا ينطوي على سياسة حكيمة من إسرائيل تجاه النظام الأوكراني.
أخيراً، ربما تسرع الأزمة الأوكرانية من مخاطر وتهديدات قديمة وجديدة، ولكن فيها فرصة لتسريع سياقات إيجابية لإسرائيل. وعلى السياسة الإسرائيلية أن تزن هاتين القناتين التاريخيتين معاً.
بقلم: عاموس جلعاد
يديعوت 14/2/2022