بعد إسقاط الطائرة، وعلى ما يبدو قبل أن ينتهي التحقيق في الحدث، نفت إسرائيل التقرير الأمريكي بأن الطائرة اعترضها السوريون، ووجهت الذنب نحو سفينة من الأسطول الفرنسي كانت في المنطقة في أثناء الهجوم الإسرائيلي. بعد بضع ساعات بلورت وزارة الدفاع الروسية الصيغة الرسمية لوسائل الإعلام، اتهمت فيها إسرائيل بعملية «استفزازية» و«عديمة المسؤولية» في أن طائرات الـ اف16 الإسرائيلية «اختبأت» خلف طائرة الـ يو20 الروسية. وهدد وزير الدفاع الروسي بأن روسيا تحتفظ لنفسها بحق الرد على الحادثة.
لقد حظي الموضوع بتغطية واسعة للغاية في القنوات الروسية التي يتحكم بها الحكم، تغطية تميزت بحماسة مناهضة لإسرائيل على نحو جارف، دعوات للانتقام وعقوبات ضد إسرائيل. كما أن الناطق بلسان بوتين، باسكوف، ساند في هذه المرحلة وزارة الدفاع. من الجانب الإسرائيلي، يبدو أن الغموض الذي بث في البداية لم يخدم مصالحها. وفي وقت لاحق غير الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي السياسة وأكد العملية الإسرائيلية في سوريا، وأعرب عن الأسف على فقدان حياة الروس، ولكنه ألقى بالذنب كله على سوريا التي اعترضت الطائرة (عندما كانت طائرات سلاح الجو قد أصبحت في الأراضي الإسرائيلية) وعلى إيران التي تعمل في سوريا. بعد بضع ساعات لطف الرئيس بوتين رد الفعل الروسي واعتبر الحادثة «سلسلة أخطاء مأساوية»، أكد المسؤولية السورية عن إسقاط الطائرة، ولكنه أيد أيضًا ـ بلغة معتدلة ـ المواقف التي عرضتها وزارة الدفاع.
إن الرد الروسي يعكس ظاهرًا غضبًا حقيقيًا على إسرائيل التي عملت على مسافة غير بعيدة من خلف انتشار القوة العسكرية الروسية في سوريا (قاعدة حميميم)، وفي الوقت الذي كانت فيه طائرة روسية في الجو في طريق عودتها إلى هناك. وهكذا خلقت وضعية يكون فيها خطأ منظومة الدفاع الجوي السوري في غاية المعقولية. يحتمل أيضًا أن ثمة رغبة من المؤسسة الأمنية الروسية في إبعاد الذنب عن القوة الروسية في سوريا، لأن هذه تعمل بتعاون كامل وباندماج مع سلاح الجو والدفاع الجوي السوري، وكان ينتظر منها منع مثل هذه الأخطاء. ولكن جملة ردود الفعل الروسية، وعلى رأسها الانفلات المنظم والمناهض لإسرائيل في وسائل الإعلام، يمكنها أن تشير إلى نية روسية لاستغلال الحدث لتعظيم الأزمة، كي يكون ممكنًا استخدامها لاحقًا لتحقيق أهداف روسية في المنطقة.
في هذه الأثناء أعلنت روسيا عن إغلاق جزء من المجال الجوي والبحري غرب الشاطئ السوري أمام نشاط كل طيران وطائرات في أثناء الأسبوع القادم، وإن كان معقولاأن تفتح المنطقة لاحقًا أمام الحركة بسبب المواصلات المدنية. هناك خطر في أن يتضمن الرد الروسي أيضًا أعمالاً لتعزيز الدفاع الجوي السوري، بما في ذلك نقل منظومات دفاع جوي أكثر تطورًا تجري سوريا مفاوضات عليها منذ الآن. وإلى ذلك، ينبغي أن نأخذ بالحسبان بأن عناصر في الحكم الروسي ليست منسجمة مع حرية العمل التي أعطتها روسيا لإسرائيل للعمل ضد التواجد الإيراني، ستستغل هذه الحادثة للمس بالعلاقات الروسية مع إسرائيل والمس بحرية عمل إسرائيل في سوريا. يحتمل أن يكون هذا وجد تعبيره منذ الآن في شدة النقد على إسرائيل في وسائل الإعلام الروسية.
ومع ذلك، وفي الصورة الأكبر، يبدو أن عمق المصالح الإسرائيلية والروسية سيسمح للطرفين بالتغلب على الحادثة. ليس معقولاأن تكون روسيا معنية الآن بأن تمس بشكل جوهري بالعلاقات الحيوية لها أيضًا مع إسرائيل. وعليه، فمن المتوقع أن تسوى الأزمة في الأيام القريبة القادمة من خلال الوصول إلى تفاهمات بين زعيمي الدولتين، اللذين تسود بينهما علاقات ثقة. لقد أصاب رئيس الوزراء نتنياهو إذ اتصل وأعرب عن أسفه، بل ووقف أيضًا عند حقيقة أن الذنب ليس في الملعب الإسرائيلي. ينبغي الأمل في أن يجد الموضوع حلامتفقًا عليه بين الطرفين، في صيغة التسوية المعروفة حتى الآن في المجال السوري إلى هذا الحد أو ذاك، مع قيود بالحد الأدنى على حرية العمل الإسرائيلية وآلية لمنع الاحتكاك.
ومع ذلك، توجد إمكانية تشديد ما على حرية العمل في سوريا، ويحتمل أن يطلب الروس من إسرائيل الامتناع عن أعمال في مناطق انتشار قواتها، وللأسف إعطاء القوة الروسية اخطارًا أطول. ستحاول روسيا، على عادتها، أن تستغل هذا الحدث أيضًا لتحقيق مزيد من مصالحها. في هذا السياق، من المتوقع لزيارة قائد سلاح الجو، اللواء عميكام نوركين، في موسكو، لأهداف إيضاح الموقف الإسرائيلي، أن يعطى بعد إعلامي من جانب الروس. فهؤلاء سيتطلعون إلى استغلال الحدث كرافعة تأثير على إسرائيل وسلوكها في سوريا، بل ولاستعراض مكانتهم السائدة في الدولة وحاجة كل الأطراف إلى مراعاتها.
حادثة من هذا النوع كانت ممكنة آجلاأم عاجلًا، بسبب النشاط المكثف لسلاح الجو الإسرائيلي ضد التواجد الإيراني في سوريا، ونقل السلاح المتطور لحزب الله. أما الأسباب التي أدت بإسرائيل لأن تتبنى هذه الاستراتيجية فما زالت سارية المفعول، وإسرائيل ستتطلع إلى مواصلة سياستها. سيتعين على سلاح الجو، الذي حقق في الحدث بعناية، أن يستخلص الدروس وأن يشدد الشروط التي ينفذ فيها هجومًا كهذا في مناطق الانتشار والنشاط للقوة الروسية، في ظل مراعاة أكبر للنشاط الجوي للقوة الروسية، حتى إن لم يكن قريبًا من مسار طائراتها. معقول أن يتقلص نشاط سلاح الجو في سوريا في الفترة القريبة على الأقل ويكون خاضعًا لرقابة وثيقة أكثر من القيادة السياسية. يحتمل أيضًا أن يكون ممكنًا إجراء تغييرات طفيفة على آلية الاخطار ومنع الاحتكاك مع الروس، بثمن المخاطرة بأن تنقل هذه الاخطارات إلى الدفاع الجوي الروسي.
كما لا بد من استغلال الحادثة للإيضاح للجانب الروسي بأن نقل منظومات دفاع جوي أكثر تطورًا إلى السوريين سيزيد الخطر على قوتهم، وذلك لأن الحادثة تجسد الأداء العليل للدفاع الجوي السوري. كما أن هذه فرصة أخرى للإيضاح لروسيا بأن تواجد قوات إيرانية ومليشيات تخضع لنفوذها يخلق في سوريا وضعًا متفجرًا مرشحًا لحالات من الخلل وحوادث من هذا النوع.
عاموس يدلين وآخرون
نظرة عليا 30/9/2018