أزمة الأقطار العربية غير النفطية وآفاق انتاج وقود الإيثانول

حجم الخط
0

أزمة الأقطار العربية غير النفطية وآفاق انتاج وقود الإيثانول

الطاهر الأسودأزمة الأقطار العربية غير النفطية وآفاق انتاج وقود الإيثانول تعيش الولايات المتحدة هذه الأيام نقاشا متصاعدا حول ارتفاع أسعار الطاقة وخاصة النفط وتأثيره علي المستهلك العادي. وتتوجه أسهم كثيرة ضد كبار مالكي صناعة النفط وخاصة الشركة الأكبر إكسون (Exxon) والتي حققت في الأشهر القليلة الأخيرة أرباحا قياسية ليس فقط مقارنة بمثيلاتها بل أيضا بكبار الشركات الأمريكية بشكل عام. ولكن بفضل وجود حد أدني من النقاش الحر تدفع أصوات إعلامية أمريكية متزايدة وأوساط استثمارية تجاه كسر طوق اللوبي النفطي الأمريكي والذي يسعي لتحبيط أي اتجاه يحاول مواجهة ما يتم ترويجه حول استحالة ايجاد أي بديل جدي للطاقة النفطية علي المدي القريب أو حتي البعيد. وفي الواقع حتي الآن لا تبدو أسعار النفط في الولايات المتحدة مرتفعة كثيرا مقارنة مع الأقطار الأوروبية ففي حين يبلغ سعر اللتر الواحد من البنزين المصفي في الأولي حوالي 8.0 دولار يصل في معظم دول الاتحاد الأوروبي الي أكثر من 6.1 دولار. بالإضافة الي ذلك فإن الولايات المتحدة دولة نفطية في حين لا تملك معظم الأقطار الأوروبية اية احتياطيات نفطية جدية. غير أن الدول غير النفطية من خارج نادي الأغنياء ستعاني بالتأكيد أكثر كلما تصاعدت أسعار النفط وهو للأسف السيناريو الأقرب حسب أغلب المحللين. وعموما بالرغم من هذه المفارقة فإن النقاش حول هذه المسألة الخطيرة في الأقطار النامية غير النفطية لا يبدو في مستوي الحدث بعد مقارنة بما يحدث في دولة نفطية أصلا مثل الولايات المتحدة. وهوالحال بشكل خاص في الأقطار العربية غير النفطية، محور هذا المقال. وهنا يجب التأكيد علي نقطة أساسية: لا تتعلق هذه الأزمة أساسا باللون السياسي للحاكم حيث هي شاملة وعميقة الي الحد الذي تهم فيه أي طرف سياسي في الأقطار المعنية. وهكذا هي أزمة فوق سياسية الي حد ما حيث لا يمكن لأحد بما في ذلك أطراف المعارضة الراهنة المزايدة علي أي طرف آخر من خلال الادعاء بأنه يملك حلا فوريا و جذريا . لكن في المقابل هناك حدود سياسية للنقاش الراهن حيث تفرض نزعة حوار الأنظمة مع نفسها في كثير من الحالات والاستبعاد الميكانيكي لكل ما يمكن أن يعكر صفو الاطمئنان العام الي تهميش المشاكل الاقتصادية أو تأجيلها أو تحميلها بشكل أبوي لمجموعة صغيرة من الخبراء يقعون هم ذاتهم ضمن حدود سياسية لا يمكن أن يقاوموها في حالة سيادة الصمت العام. في هذه الحالة تتحول معالجة المشكلة الاقتصادية من مسألة تهم الخبرة والمعرفة فقط الي مجال أشمل يهم مسألة بسيــــطة في الظاهر ولكنها ضرورية في الواقع العربي الراهن وهي القدرة علي التفكير الجيد. أزمة الأقطار العربية غير النفطيةفي المحور المقابل للأقطار العربية النفطية وعلي عكس التصور النمطي الغربي الذي يعادل بين العربي و النفطي توجد قائمة طويلة من الدول العربية غير النفطية. ويمكن تحديد قائمة الأقطار العربية غير النفطية علي أساس قاعدة الأقطار العربية المحتاجة لاستيراد النفط وهي قائمة متغيرة ولكنها في حالة تزايد. وحسب احصاءات منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (OAPEC) فإنه يمكن أن نري كيف تراجع عدد أعضاء المنظمة وتحول بعض الأقطار من كونها أقطارا مصدرة الي أقطار مستوردة مثل تونس حيث زاد الاستهلاك مقابل ثبات أو النمو البطيء جدا للموارد النفطية. وقد كانت تونس حسب احصائيات سنة 2003 دولة مصدرة للنفط بكمية تعادل 31.0 مليار برميل سنويا وهو ما يوازي حوالي 03.0% من مجمل الصادرات النفطية العالمية. ولكن هذا الفائض الزهيد الموجه للتصدير لا يبدو كافيا لاعتبار عدد من الأقطار العربية مصدرة للبترول وهو ما ينطبق أيضا علي أقطار أخري تمتلك العضوية في (OAPEC) ولكن انتاجها الضعيف والذي يوفر بالكاد كمية زهيدة من النفط للتصدير يمكن أن يجعلها في ظل أي تقلبات عالمية وازياد الاستهلاك الداخلي المتوقع في حاجة للاستيراد ومن ثمة التحول الي أقطار في حاجة لاستيراد النفط وهو ما ينطبق علي الأقطار التالية: فسورية كانت تصدر حسب احصائيات 2003 ما يعادل 15.3 مليار برميل أي أقل من 3.0%، ومصر كانت تصدر 7.3 مليار برميل سنويا أي حوالي 35.0%، والبحرين صدرت في نفس السنة 13.0 مليار برميل أي 01.0% من الصادرات العالمية. إلي جانب هذه الأقطار العربية والتي هي في الطريق لتصبح أقطارا محتاجة للنفط هناك أقطار أخري تعاني أصلا من عجز كبير في النفط وهو ما ينطبق علي أقطار ذات أهمية استراتيجية وسكانية كبيرة مثل اليمن والأردن والمغرب. إن هشاشة القدرات النفطية لن تكون في المستقبل مجرد نقص بل ستصبح مصدرا أساسيا لاستنزاف خطير ينضاف الي استنزافات اقتصادية أخري بتأثير العولمة وخاصة الظروف الجديدة التي تفرضها منافسة السلع الصينية. حيث أصبحت الزيادة في أسعار النفط في وتيرة سريعة لا تسمح بالتقاط الأنفاس كما هي مفاجئة. إن ما سيحدث لا يمكن أن يُصنف كمأزق عابر بل يجب التعامل بشكل جدي معه كـ أزمة طويلة الأمد تتناسب بالأساس مع نسق ارتفاع أسعار النفط. وهنا يجب التأكيد علي نقطة أساسية يبدو أن حولها إجماعا كافيا: النسق السريع والكبير بشكل غير متوقع لأسعار النفط في ربع القرن القادم. من الممكن الاستدلال علي ذلك بتوقعات مراكز بحث تحظي بالثقة في هذا المجال وهو ما أكدته توقعاتها السابقة. وعلي سبيل المثال فإن مركز بحث تابع لمؤسسة (Canadian Imperial Bank of Commerce) كان توقع في خريف سنة 2005 حين كان سعر البرميل 66 دولارا أن سعره سيفوق السبعين دولارا مع حلول سنة 2007. وفي الواقع تبدو الأسعار الحالية أعلي من توقعات أطراف أساسية تحظي بالثقة في تقييم أسعار النفط المستـــقبلية. وحتي التوقعات الأقل تشاؤما مثل تلك التي صـــدرت سنة 2003 من قبل (Energy Information Administration) تضع أسعار النفط مع حلول سنة 2025 في حدود 48 دولارا. في حين كان تقرير لمنظمة الأوبك (OPEC) سنة 2004 توقع أن أسعار النفط سنة 2025 ستبلغ حوالي 52 دولارا. وفي الواقع حتي هذه الأسعار تبدو مرتفعة الكلفة بالنسبة للأقطار المحتاجة لاستيراد النفط خاصة أن كل التوقعات بما في ذلك التي تتباين حول مدي ارتفاع أسعار النفط تُجمع علي أن الأسعار لن تتجه للانخفاض في كل الأحوال. وهو في الواقع الأمر الأكثر مدعاة للقلق. و توضح الأرقام الحالية حدة تداعيات الازدياد الراهن لأسعار النفط علي اقتصاديات الأقطار العربية غير النفطية بما في ذلك التي كانت تعتبر نفطية في السنوات القليلة الماضية. وهنا تبدو بعض الأرقام معبرة بشدة عن عمق الأزمة الراهنة وهو ما ينطبق مثلا علي الأرقام التي قدمها وزير المالية التونسي السيد رشيد كشيش في أواخر شهر نيسان (أبريل) حيث أشار الي أن بقاء سعر البرميل في المستويات الحالية أي بزيادة 15 دولارا مقارنة مع سعر البرميل الذي تم اعتماده في ميزانية 2006 سيجعل من الدعم الذي تتحمله الميزانية يصل إلي ما قيمته 2000 مليون دينار تونسي (أكثر من 1500 مليون دولار) أي ما يعادل ثلاثة أرباع ميزانية التنمية. وفي نفس الاتجاه كانت وزارة الاقتصاد المغربية قد أعلنت منذ سنة 2005 أن ازدياد أسعار النفط آنذاك سيكلف الميزانية تكلفة اضافية تبلغ 720 مليون دولار. وتلخص مثل هذه الأرقام العبء المالي الكبير لهذه الزيادات والذي يكبر مع الكلفة الاضافية التي يتم صرفها علي شراء العملة الصعبة أو التي يتم فقدانها مقابل ما يتم ربحه منها من خلال المداخيل السياحية في أقطار سياحية مثل المغرب وتونس. الإيثانول: بديل واقعي للطاقة النفطية؟كل الحلول التي لا تتعلق بموارد الطاقة وتحديدا المتعلقة بدعم الميزانية العامة للعجز القائم ممكنة ولكنها ستكون مكلفة ولا يمكن لها أن تكون حلولا علي المدي الطويل خاصة في ظل حاجة ميزانيات الأقطار العربية غير النفطية لتقليل الوطأة علي ميزانياتها خاصة في ظل انخفاض الموارد الجبائية والذي سيتزايد في ظل الاتفاقيات التجارية الدولية التي التزمت بها والتي تتجه نحو إلغاء التعريفات الجمركية. طبعا هذا ينضاف لمشاكل اقتصادية أخري غير نفطية وغير جبائية تتعلق أساسا بتهديد صناعات محلية هامة (النسيج في المغرب وتونس مثلا) في ظل المنافسة الصينية الهائلة. وهكذا يبدو أن النقاش يجب أن يتوجه اساسا نحو الحلول المتعلقة بموارد الطاقة وتحديدا تنويعها وهو بالمناسبة اتجاه النقاش في الولايات المتحدة. في هذا الاطار يأتي تأكيد عدد متزايد من الأمريكيين علي مادة الإيثانول (Ethanol) كبديل واقعي للطاقة النفطية وهو نقاش في حاجة للمتابعة من قبل الأقطار العربية غير النفطية خاصة أن مصدر إعجاب الأمريكيين بهذه المـــادة يرجـــع بالأساس الي تجربة عدد من الأقطار النامية غير النفطية. وقد كانت هذه التجربة مع نمو استعمال مادة الايثانول كوقود للطاقة في الولايات المتحدة محور نقاشات كثيرة في الفترة الأخيرة بما في ذلك حلقة أخيرة من برنامج 60 دقيقة ( 60 minutes) الشهير في قناة سي بي أس (CBS).يجب التفريق أولا بين الايثانول كمادة كيميائية خام وبين تحويلها الي وقود يصلح للاستهلاك العادي بما في ذلك وقود السيارات. وبالاضافة الي مادة الايثانول يتم استعمال كميات كبيرة من النباتات الفلاحية خاصة قصب السكر أو الشعير أو البطاطا. ويمثل ذلك إضافة الي طريقة التحضير السهلة أسبابا أساسية تجعل من وقود الايثانول الأكثر انخفاضا من حيث الكلفة وهو ما جعله بديلا جديا في بعض الأقطار النامية غير النفطية. وكانت البرازيل تحديدا أول دولة حاولت تجريب انتاج واستعمال وقود الايثانول بشكل جدي وذلك منذ بداية الثمانينات. حيث كان ذلك حلا مزدوجا لمشكلتين مرت بهما ميزانية الحكومة البرازيلية: من جهة أولي ارتفاع أسعار النفط خلال السبعينات والكميات الكبيرة في انتاج قصب السكر والذي أثر علي اسعاره من جهة ثانية. وكانت البداية مشجعة خاصة أنها لم تمس كميات قصب السكر القابلة للتصنيع كمادة سكر بل مست أساسا فواضل مرحلة التصنيع وهي المادة الأساسية الثانية بعد الايثانول لانتاج الوقود. وفي الوقت الراهن تعادل الكلفة الجملية لانتاج وقود الايثانول في البرازيل حوالي 17.0 دولار للتر الواحد. وحاليا يسد هذا الوقود نسبة 40% من حاجات البرازيل بالنسبة لوقود السيارات علي سبيل المثال. وطبعا أدي ذلك الي التأثير علي صناعة السيارات بما أن وقود الايثانول يحتاج محركا مختلفا عن المحرك العادي. غير أن ذلك التحول نحو محركات جديدة تم بشكل سلس ودون فوضي والآن يتم تصنيع سيارات ذات قابلية لتقبل البنزين ووقود الايثانول معا (dual fuel cars). بالاضافة لذلك يتفوق الايثانول من ناحية أخري لأنه وقود لا يهدد البيئة بما أنه متكون أساسا من مواد نباتية. وقد اتبعت أقطار أخري التجربة البرازيلية وأصبحت بدورها تعتمد في نسبة كبيرة من استهلاكها للطاقة علي الايثانول وهو الحال في كولومبيا والدنمارك وأيضا الولايات المتحدة حيث توجد حوالي 600 محطة وقود تزود وقود الإيثانول حاليا. وبالرغم من التشكيك المستمر من قبل اللوبي النفطي في الولايات المتحدة فإن صنـــاعة الايثانول تمر قدما وتحظي بالتشجيع من قبل بعض الدوائر التشريعية والحكومية. إن هذه التجارب الناجحة والواقعية والتي استغرقت أقل من 5 سنوات للانتقال الي مرحلة انتاج فعلي وضخم تحتاج الي تأمل جدي من قبـــل الأقطار العربية غير النفطية خاصة في ظل وجــود قطاع فلاحي كبير في عدد من الأقطار المعنية يجعل من التفكير في وقود الايثانول مسألة غير مستحيلة وفي حاجة للدراسة. ہ باحث من تونس يقيم في أمريكا الشمالية8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية